الإغاثة الفكرية.. والأفكار السوداء !!

تعبيرية

يتميز الفكر البشري بأنه العلامة الفارقة التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات، وبكونه ـ أيضا ـ ذلك التكوين المعماري الفذ الذي يأخذ من عمر الإنسان وخبراته الحياتية وأفكار الآخرين والبيئة التي يعيش فيها لبنات لرفع قواعده حتى يصل  إلى  الرؤية أو طريقة التفكير، والتي تحدد سلوكه على نحو كبير.
ويُعد السلوك ترجمة آلية لسلسلة من الأفكار البنائية المترسبة في عقله الباطن أو ما يطلق عليه منطقة اللاوعي. وتكمن الخطورة هنا في طبيعة هذه الأفكار، خاصة إذا كانت لبناتها هشة بسبب خطأ في مقاديرها أو لتغير طرأ عليها، فيصبح المعمار الفكري معرّضا للانهيار في أي وقت، فضلاً عن احتياجه للتشخيص السليم إما لترميمه، أو لتنكيسه وهدمه. ويهمنا في هذا المقال التركيز على حالة اللبنات الإرهابية المكبوتة داخل المعمار، والتي تمثل خطراً مستقبليا باعتبارها فرصة إرهابية محتملة.
ولأن الحرب على الإرهاب يجب أن تتحرك بقوة نحو  كل ما هو مبتكر واستثنائي؛ فإنني أدعو لإنشاء منظمات للإغاثة الفكرية، وهي منظمات إغاثة وقائية في المقام الأول، ذات طابع بحثي متقدم، تعنى بصورة عامة بدراسة بعض الظواهر الفكرية المؤثرة على السلوك، مثل: ظاهرة الإرهاب، خاصة المكبوت منه، والأفكار الدخيلة والشاذة والانتقامية والتكفيرية والإرهابية والمغلوطة والمحبطة للذات وللآخر؛ لتضع خريطة العقل، وتحدد مواطن الخلل، وتجيب على أسئلة طالما حيرت العالم كله، وتسعى في نفس الوقت لتوفير العناية والرعاية العقلية الشاملة للإنسان في مختلف مراحله العمرية، وهي في ذلك تشبه مراكز الأبحاث المتقدمة، فتتصل بالمجتمع عن طريق المدارس والجامعات والشركات والوزارات … إلخ، أو يمكن اعتبارها أجهزة إنذار مبكر، كتلك المستخدمة في التحذير من حدوث الكوارث الكبرى، فترصد التغيرات الأولى، وبدايات التحول في حياة أي إرهابي محتمل، وتنتهج نهجاً تربوياً فريداً في محاربة الإرهاب في دول العالم، لا يقل في أهميته عن الجهد الذي يبذله رجال الأمن في ملاحقة الإرهاب المعلن وتجفيف منابعه. إن هذا النمط غير التقليدي من منظمات المستقبل هو الذي نحتاجه حالياً. فكما تُعنى هيئات الإغاثة والمنظمات الخيرية بتلمس احتياجات الإنسان المختلفة، فإن اعتلال الفكر يحتاج إلى نوع مختلف من الإغاثة، إنها الإغاثة الفكرية التي تحلل حجم الإرهاب المكبوت في المجتمع، وتضع الخطة الكفيلة لترميم أو هدم ذلك المعمار؛ فيعود المرء سليما مندمجاً في مجتمعه. وكما يشب العالم ـ حالياً ـ على أطراف أصابعه متطلعاً ومراقبا لحالات الإصابة الجديدة لمرض أنفلونزا الطيور في شتى أصقاع العالم، نجد أن ثمة هجرة مماثلة تحدث للأفكار الدخيلة تنساب عبر الأثير من خلال وسائل الإعلام الفضائية، وإرهابيين يخططون بنشاط، ويستقطبون كل من له ميول إرهابية مكبوتة.
إن الأمر يحتاج منا إلى تفهم الآلية التي تحدث بها عملية التطرف وإحلال الأفكار، ودراسة التغيرات المصاحبة لذلك التحول، لذا فإن إنشاء منظمات الإغاثة الفكرية ذات التماسك الاجتماعي المتين، والتي تضم علماء من علوم النفس والاجتماع والإدارة والإحصاء، بالإضافة إلى فقهاء في الشريعة الإسلامية، وخبراء في المجال الأمني، سيكون حجر الزاوية لمنظمات الإغاثة في المستقبل؛ لأن هدفها الأسمى هو إغاثة الإنسان من الأفكار السوداء المضللة، ونشر ثقافة الحياة بدلاً من ثقافة الكراهية والموت، وزرع الأمل والطمأنينة في نفوس البشر بما يضمن بناء شخصية سوية قادرة على تنمية المجتمعات بشكل فاعل ومسؤول، وبعيدة عن أي انحراف فكري يؤدي إلى الإرهاب.
المصدر: مداد