أرشيفية
عزيزي القاريء، عند إتمامك قراءة السطر الأول من هذا المقال يكون قد مات طفل من الجوع أو من سوء التغذية، وما هو إلا واحد من مليار إنسان يعانون من نقص الغذاء، منهم 777 مليوناً في البلدان النامية، ويموت 12 مليون طفل تحت سن الخامسة سنويا، ولا تندهش من قسوة هذه الثواني الخمس، فهذا حصاد التجربة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين، والتي تخصص نصف دولار بأكمله لكل فقير سنويا، وما تحمله تلك التجربة من شعارات مضللة، ورموز زائفة، ونظريات زائلة، تؤكد أن التقدم لا يتم إلا عن طريق العولمة.
وفي الحقيقة إن العولمة وبالرغم من بريق هذه الكلمة، وانفتاح مضمونها على أرصدة الأغنياء في البنوك، فإنها تحمل بين طياتها بعداً باهتاً يزداد فيه تقوقع الإنسان على ذاته، ويزداد جلده سمكاً .. فلا وقت لديه لمجرد متابعة أخبار المجاعات على شاشات التلفاز، ولكن لديه الوقت ـ فقط ـ لمتابعة حركة البورصات العالمية، بشكل يوحي بفقر الضمير الإنساني الجمعي، ووصوله إلى أدنى مقومات النقاء الفطري.
والغريب حقاً أن يتضور ملايين البشر من الجوع – خاصة في إفريقيا – وفي نفس الوقت يشكو آخرون من التخمة، وفي الحالتين تبدو الأعراض متشابهة .. بطنا منتفخا .. وعقلا دونيا، وإن اختلفت فلسفة المعدمين، والتي تهدف إلى البقاء على قيد الحياة وحفظ النسل بأية طريقة – ولا يمكن لومهم على ذلك – ؛ لذا لا يهم المكان ولا الديانة. أقول إن هذه الفلسفة تختلف عن فلسفة الأغنياء، والمتمثلة في أن التحكم في المنع والمنح يمثل مركزا للهيمنة، كما تعد الأمركة اللبنة الأولى في جدار العولمة العنصري، والمسمار الأخير في نعش الضمير العالمي النقي. فتنشط الدول الغنية بهيئاتها الخيرية، وتستغل الفقر في عملياتها التنصرية، فيستجيب لهم الفقراء طوعا أو كرها. وإذا كانت ـ كما يزعمون ـ تحمل طابع الخيرية للإنسانية لَمَا ألقت بآلاف الأطنان من القمح في المحيط حفاظا على مصالحها الاقتصادية في ثبات أسعاره المرتفعة، بل ولما نشطت التجارة في الأطفال الزنوج وأعضائهم.
أقول إنه إذا قدر للنظام العالمي الجديد الاستمرار في منهجيته الأحادية، والتي ترفرف عليها أعلام الهيمنة الأمريكية، فإن رقعة الفقر ستزداد لا محالة، وستتحقق عولمة الفقر. فالملاحظ أن الغرب يسوق لنا بضاعته على هيئة صناديق سوداء، لا ندري ماذا يوجد بداخلها، ولا كيف صنعوها. وكذلك في احتكار الدواء؛ لذا يجب الحذر من هذه الفلسفة الذكية لممارسة الاحتواء الاقتصادي، والذي سيؤدي بصورة ما إلى ممارسة لعبة المنع والمنح تبعا لنداء السياسة الخبيث؛ مما يفقد الدول النامية أساسيات أي صناعة، ويؤدي بالتالي إلى ظهور الفقر في تلك الدول. والمثير أن الإنسان يسعى لاستعمار الفضاء، وينفق لذلك المليارات من الدولارات، ويموت أخوه بجواره من الجوع .. مما يدعوني إلى التساؤل الجاد: هل هذا مؤشر حقيقي لموت الحضارة؟! وإذا ما نجحوا في استعمار المريخ يُمَكنهم ذلك من ترحيل الفقراء إليه، وفي هذه الحالة ـ فقط ـ يمكن الحديث عن بوادر حل درامي لمشكلة الفقر العالمي. لذا أدعو الهيئات الإغاثية الإسلامية الكبرى إلى إعادة إحياء الضمير الإنساني العالمي، كما أدعو إلى ابتكار نموذج مجسم لساعة كبيرة – أو صغيرة يمكن ارتداؤها – توضع في الميادين، بحيث لا يوجد بها غير خمس ثوان فقط، فإذا ما انقضت تذكرنا بأن هناك من مات بسبب الفقر وشدة الجوع، وتعرض بعض الإحصائيات الحديثة عن الإنسان المهمل في هذا العالم؛ لعلنا نفيق.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70119
