(الرعاية البديلة) ملف الاحزان في العالم

أرشيفية

يطرح ملف الرعاية البديلة هموما إضافية في المجتمع العربي؛ لما يحتوي عليه من إشكالات اجتماعية وإنسانية وقانونية ودينية معقدة. وقد درجت الحكومات العربية والإسلامية على تجاهله، أو تغييبه، أو التنصل من مسؤولياته الحقيقية أمام المجتمع والقانون، وحتى المشرع، كيف ذلك؟
لا بد في البداية من طرح السؤال التالي: ما هي الفئة التي يطلق عليها واجب الرعاية البديلة؟
المقصود غياب الراعي الأصلي والكفيل الفرعي، وغياب الأسرة، وغياب  ذوي القربى وذوي القلوب الرحيمة، وغياب الدولة .. الذين غابوا في لحظة مهمة من حياة الإنسان المعني بالأمر؛ ليتعرض مصيره إلى التهديد. وعادة ما  يتعرض الفرد إلى التهديد في وجوده بسبب اليتم، وفقدان الوالدين بالموت، أي إثر مفارقتهما للحياة، وانعدام الكفيل القريب الذي تتوفر فيه شروط القرابة الدموية عادة. أو من جراء الحروب والكوارث الطبيعية التي تقضي ـ أحيانا ـ على الأسرة بكاملها. أو الأطفال غير الشرعيين الذين يتم تبنيهم من قبل الدولة، دون إلزام الأم بحمايتهم أو محاسبتها، وهذا موضوع كبير يجري التستر عليه في العديد من الدول العربية للأسف. هذه بشكل عام الحالات الرئيسية التي يتولد عنها من تجب عليهم  الرعاية البديلة.
أما الرعاية البديلة فمفهوم ينتج آليا وتلقائيا من الوضعية السابقة التي تسببت في فقدان الفرد أو عدد من الأفراد (الكفيل الطبيعي – الأسرة على الأغلب). ومصطلح الرعاية البديلة يفترض بداية أن يعوض الإنسان ما فقده من الحماية والرعاية بشكل سليم، ويوفر كل شروط الحماية والكفالة لذلك الإنسان، بداية من المأكل والملبس والمسكن والضمان الصحي والتعليم والتربية النفسية التي تشكل في هذه العملية إحدى أهم الحلقات في سلسلة تبني هذا الإنسان أو ذاك من قبل المؤسسة الراعية أو الفرد الراعي؛ فحين نقول ـ مثلا ـ الطب البديل، فنحن نعني بذلك الطرق العلاجية التي تكفل شفاء المريض من المرض الذي تعود الطب الحديث على شفائه  من خلال الدواء الذي يعتمد على الأغلب على العقاقير والمواد الكيميائية. إذن المطلوب من الرعاية البديلة أن تحمي مصير هذا الإنسان كما لو كان بين أفراد أسرته وأهله. على أقل تقدير من خلال ما يقدم إليه من خدمات أساسية في المجالات التي ذكرناها آنفا.
أولا: يفترض موضوع، أو بالأحرى معضل الرعاية البديلة، أن ينبه المسؤول وصانع القرار ورب الأسرة في المجتمع العربي إلى تكثيف العناية المضاعفة بالأسرة التي هي العمود الفقري لحياة الإنسان على جميع المستويات. فعندما تكرس جهود الدولة في دعم استقرار الأسرة وتجنيبها مخاطر الفقر والجهل والمرض، نضمن عافية المجتمع الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يتحول إلى عبء في المستقبل. على العكس تماما، فإن الأسرة القوية بإمكانها أن تعين الدولة ذاتها على حل العديد من المشكلات عند الطواريء،  فكثيرة هي الأسر الرحيمة التي تكفلت إعالة أسر أخرى عند الكوارث والمصائب. إذن دعم بنيان الأسرة هو الضمان الوحيد للتقدم وحل مشكلات الأفراد المهددين في وجودهم..
نتساءل الآن عن  ماهية  ظروف مراكز الرعاية البديلة، وما هي الصورة التي يتوجب عليها أن تكونها؟
أولا: المكان، هل هو دار أيتام أو قرى أو ملاجيء أو مراكز أحداث لها علاقة مباشرة بملف السيرة لذلك المواطن في المستقبل، أو لدى الأسر التي تقبل بتبني ذلك الإنسان، أو دور العجزة، أو المصحات. سوف نتناول في هذه الحلقة من هذا الموضوع الشائك القرى الاجتماعية التي تشرف عليها الدولة، والصورة التي يتوجب أن تمثلها في كل الحالات.
عادة ما تحتوي القرية على مئات الأطفال، يتراوح سن الأفراد فيها من شهر إلى حد سن الثامنة عشر. يكون عادة شكل بناء القرية أو تصميمها على شكل بيت كبير، يتكون من مجموعة بيوت، كل بيت يتكون من مجموعة غرف (على الأغلب غرفتين أو ثلاثة )، في كل غرفة سريران أو ثلاثة. وعادة ما يتمتع ذلك المكان بمساحات شاسعة ( يشبه إلى حد كبير نظام البيوت العربية )، فيه من المساحة الخضراء الحديقة، و فيه الألعاب، والجدران متوسطة الارتفاع، وأن يقع المكان ـ على الأغلب ـ في مكان هاديء، وينأى عن ضجيج الأحياء السكنية العادية، وعادة ما يكون قريبا من الطبيعة (المساحات الخضراء، أو البحر). وهذا النظام معمول به في بعض الدول العربية إلى حد قريب.
أما راعي هذه الدار فعادة هو مدير القرية، الذي يحمل من الخصال السلوكية والآداب الإنسانية ما يجعله بالفعل بمكانة الأب في عيون وذهنية هؤلاء الأطفال. أما القائمة على التربية فهي عادة سيدة تأخذ على عاتقها مجموعة من هؤلاء الأطفال ضمن القرية في بيت من بيوتها، وتعيش معهم بالتربية كأم. وهي عادة ما تكون إنسانة مهيأة لتكون أُمَّا لهؤلاء الأطفال، رحيمة بهم، حريصة على تربيتهم وتثقيف سلوكهم وإعطائهم من العطف والحنان ما تقدمه الأم الحقيقية، بالإضافة إلى الحزم والتوجيه الذي يتلقاه أي فرد آخر في أي أسرة طبيعية.
الشروط الواجب توفرها في القرى: النظافة، والصحة، والسلوك النفسي، وتحديد علاقات هؤلاء الأطفال ببعضهم البعض، والفصل بينهم في سن محددة ـ الإخوة في مكان، والأخوات في مكان ـ؛ لأن صلة القربى الدموية منعدمة هنا، وضمان نمط من الروابط التي يجب أن تربطهم بالعالم الخارجي، فقد سجلت الوقائع في هذا المجال حالات مهمة كأن يربى الطفل في القرية على يد تلك السيدة المشرفة عليه، والتي يتوجب عليها أن تفهمه في سن معينة أنه ليس ابنها، وإذا لزم الأمر أن تحكي له قصة حياته الحقيقية حين يكون مؤهلا لذلك نفسيا، ولكن في نفس الوقت أن يكون ذلك الطفل متبنّى من قبل أسرة أو فرد معنويا؛ أي أن يزوره ذلك المتبني في أوقات منتظمة، وأن يقدم له الدعم النفسي في الأعياد والمناسبات والعطل، وأن يكون شريكا لمشاغله وطموحاته ورغباته ومتطلباته، وأن يؤذن له بأخذه في جولة أو باستضافته في بيته وتدليله، وأن يشعر ذلك الطفل بالرعاية المحيطة به والتي تتوازى مع التربية النفسية التي تقدمها له القرية من البداية على يد أخصائيين نفسيين واجتماعيين وكوادر طبية توعوية في كل مرحلة من مراحل نضوجهم وتحولهم من سن إلى أخرى، بحيث يربى الطفل على طرق سلوكية ونفسية سليمة لحمايته من نفسه أولا، ومن الآخرين ثانيا.
أما المرحلة الأهم فتهتم بتعليم هذا الطفل، وذلك بربطه بالمدرسة الحكومية العامة التي ينتمي إليها جميع الأطفال العاديين الذين يعيشون بين أسر طبيعية،  لماذا؟ لأن إفراد الأطفال بمؤسسات تعليمية خاصة بأطفال القرى يورث على المدى البعيد الشعور باللاإنتماء للمجتمع.
إن عزل أطفال القرى في مدارس خاصة لا يمكن أن يجنبهم الشعور بالغبن، وإذا كانت الدولة حريصة على دمجهم في المجتمع بشكل عادي وسوي فلا مفر من إلحاقهم بالمدارس الحكومية العادية، ومن ثمة المعاهد والجامعات. إن الحرص على التبني النفسي من قبل المشرفة والكادر المحيط والتربية النفسية داخل القرية هي الوسائل الكفيلة بحماية ذلك الطفل عند خروجه إلى ما بعد سور القرية؛ أي إلى المجتمع الواسع، دون ذلك لا يمكن أن ينمو لاحقا نفسيا وتربويا بشكل لائق.
أما موضوع تهيئتهم من قبل الدولة بشكل  غير مباشر ليكونوا عناصر مؤهلة للقيام بوظائف محددة في المستقبل، فهو عين الغبن. ولعل في بعض الدول العربية تجارب من نوع توجيه مستقبل أطفال القرى في سن معينة وفي مرحلة تعليمية محددة إلى وظائف أمنية يعد تعديا صارخا على مستقبل هؤلاء البشر، وهي إساءة حقيقية لكيان ذلك الإنسان الذي ينتقل من القرية إلى حماية السجون أو تعذيب البشر أو الدفاع أو الشرطة أو غيرها. تلك الفئة من الناس يجب أن تعامل بحيادية سلوكية، مثلها في ذلك مثل أي فرد آخر في المجتمع، وأما الاختيار الوظيفي فلا بد أن ينطلق من القناعة الذاتية الحرة من أي خوف على المستقبل.
إن ملف الرعاية البديلة بالنسبة لأطفال القرى ـ على سبيل المثال ـ يمكن أن يؤدي وظيفته بشكل جيد إذا تمت دراسة كل جوانب حياة الطفل فيها. إلا أن المسؤولية في تجنيب المجتمع المزيد من هؤلاء الأطفال تبقى قائمة؛ لأن مفاتيحها حتما بيد الدولة والقوانين والمشرع، وبيد الأسرة والتربية السليمة في مجتمع عربي ما زال يتميز على غيره من المجتمعات بمساحة القيم الأخلاقية والثقافة الدينية وروح الأسرة الضامنة للروابط الإنسانية.  ففي عرف التقاليد العربية ما زالت بعض الأسر تحافظ على تربية الطفل اليتيم ـ مثلا ـ بين جوانحها، ويعامل معاملة الابن من حيث الحرص على تربيته وسلوكه، وتعليمه، وحماية مستقبله من المساس.
وكم نحن بحاجة إلى قلوب أسرنا الرحيمة التي تتكفل أيتام  أقربائها، وتعطف عليهم، وتحميهم في حياة صار يتهددها الخطر من كل مكان. وكم نحن بحاجة لإعادة تصوراتنا عن الحياة المدنية المغلوطة التي تجعل الناس يعتكفون على أنفسهم ولا يعترفون بقيمة الروابط الأسرية، وحتى الجوار.  لقد آن الأوان أن يأخذ الإنسان الصالح والقادر على عاتقه مهمة التفكير في أقرب يتيم إليه، وأن يرعاه، حتى لو لم يكن بحاجة لرعايته. إن السلوك الرشيد يترك الأثر الكبير في نفس الفرد ذاته عند الكبر.
المصدر: مداد