توقيت ضرب سوريا.. مصالح أم مبادئ؟

أرشيفية

يتردد السؤال الحائر المتحشرج في الصدور: لماذا تضرب أمريكا وحلفاؤها سوريا الآن؟ وهل الموضوع سببه المصالح الخاصة للغرب، أم المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية؟
سوف أجيب على السؤال بلغتين؛ ديانة وسياسة.. لغة الديانة لتقنع المؤمنين بالقرآن تأسيسًا، ولغة السياسة  لمن تغريهم وتقنعهم الوقائع والأرقام.
لغة الديانة لأصحاب الإيمان بالوحي الرباني
سوف أورد هنا نصوصا قطعية الدلالة والثبوت معا مما لا يختلف في فهمها اثنان حول تصور قرارات غير المسلمين عامة نحو المسلمين إلا استثناءات تذكر في موضع آخر.
من هذه النصوص ما يلي:
قوله تعالى "مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" (البقرة:105)، وقد جاءت الصيغة حصرية بأدق وأحكم عبارات اللغة العربية، وهي ما يسميها الأصوليون "النكرة في سياق النفي تُعمّ"، بمعني أن كلمة "خير" نكرة مسبوقة بالنفي في أول الآية بكلمة "ما" وزادت كل عناصر التوكيد بالحرف "من", يعني لا يتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين جنس الخير مهما قل للمسلمين.
قوله تعالى "وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" (البقرة: من الآية217)، أيضا جاءت كلمة "لا يزالون" لتدل على الاستمرار مع أنه من الأفعال النادرة التي تفيد الاستمرار حتى لو جاء في الماضي فأورده الله تعالى بالمضارع الذي يفيد قطعا الاستمرار في الماضي والحاضر والمستقبل، ويقاتلونكم وليس فقط يفتنونكم، أو يضايقونكم، بل هو القتال بكل ما تعنيه كلمة الله تعالى، والغاية والمقصد الواضح هو "حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" واستطاعوا تفيد بذل أقصى ما لديهم من قوة ليردونا عن ديننا، فالحرب هنا قطعية على المسلمين لإسلامهم.
قوله تعالى "كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ" (التوبة:8)، وهنا يبين ربنا أن المشركين جميعا ومنهم أهل الكتاب إذا تغلبوا وصارت لهم الدولة والجولة، والريادة والقيادة، والسطوة والقوة، لن يراعوا فيكم عهدا ولا ميثاقا، ولا خلقًا ولا رحمة، ولا عطفًا ولا شفقة، بل يحذرنا الله من معسول الكلام منهم، فننخدع بهم كما يحدث من غالبية أمتنا عندما تدعُ القرآن وراءها ظاهريا، لكن هؤلاء لو حاولوا إرضاءنا بكلمات ووعود فإن الله تعالى علام الغيوب يخبرنا أن قلوبهم تأبي أن تميل إلينا، إباءً لا يستطيعون تحويل قلوبهم نحونا كمسلمين.
قوله تعالى " يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة:32)، يخبرنا الله هنا أنهم "يريدون" بالفعل المضارع الذي يفيد الاستمرار أن يطفئوا نور الله وهو الإسلام، فالحرب هنا واضحة على الإسلام، والتعبير يدل على فعل مضاد للإسلام للإجهاز عليه؛ إطفاء كاملا، ويتكرر المعنى نفسه في سورة الصف في قوله تعالى: "يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (الصف:8).
قوله تعالى " وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ" (البقرة:120)، وهنا تتضح أهداف ومقاصد الحرب حيث يبين الله تعالى أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنا بأية تنازلات إلا برٍدَّتنا عن ديننا لو تمكّنوا من ذلك، فلو خضعت لهم كل رقابنا، ومنحناهم كل ثرواتنا وأرضنا، بل لو سلمناهم أطفالنا ونساءنا – لاقدر الله – فلن يرضوا إلا بشيء واحد هو الارتداد عن الإسلام العظيم.
النصوص كثيرة لكني أردت أن أورد غيضا من فيض، ويكفي لصاحب الإيمان أن تتلُوَ له آية واحدة ليقول: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " (البقرة: 285).
فإن قيل أينفي هذا ما ورد بسورة الممتحنة " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة:8)، أن منهم من لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا، فأقول: إن الله تعالى عبَّر بالحرف " لم " وليس " لن " كما عبر مرارا عن استمرار قتالهم حتى يردونا عن ديننا، وعدم الرضا إلا بالردة عن ديننا، وهنا نجمع بين النصين بأن من رضخ وتابع النظام العام ولم يقاتل لعدم القدرة أو الخوف من قوة المسلمين فهؤلاء يجب لهم البر في أعلى الدرجات، والقسط في الحد الأدنى، وهو إغراء لهم أن يعيشوا بين المسلمين دون مؤامرات فينالون البر والعدل.
ومن صفات اليهود المكر والخداع وسوء الأدب والكذب والحقد والكراهية والغرور والتكبر، وغير ذلك من صفات.
وقد تضافرت النصوص الشرعية من قرآن وسنة صحيحة على أن المشركين لو حكموا وتغلبوا فلن يرقبوا فينا إلا ولا ذمة ولا عهدا ولا ميثاقا.
 
فهل يظن مسلم أن أمريكا وحلفاءها جاؤوا من أجل عيون الشعب السوري المنكوب؟
 
 لغة السياسة لمن يؤمن بالواقع ولغة الأرقام
وهنا أُقدِّم مدخلا سريعا مفاده أن د. محمد  مرسي رئيس جمهورية مصر حدثني في لقاء أوائلَ يونيو 2013م أنه رفض 3 مرات طلب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ضرب سوريا؛ لأنه توقع أن يتم ضرب الجيش والشعب السوري معا دون المساس ببشار ونظامه، وتخشى أمريكا نجاح المقاومة، والسيطرة على السلاح  ويتحقق الخطر على بني صهيون.
أما الجوانب التي تؤكد أن ضرب سوريا الآن مسألة مصالح لا مبادئ وقيم الإنسانية فمنها ما يلي:
 
قتل جزار سوريا وشبيحته فوق 200 ألف، وجَرح قرابة المليون، وشَرَّد خارج سوريا ثلاثة ملايين، وشرَّد في الداخل سبعة ملايين، وحطم مقومات البلد فلماذا الآن برز الملف السوري على السطح؟
 
حوادث القتل بالكيماوي حدثت بسوريا من قبل 63 مرة، وهي – رغم بشاعتها – أكثر رحمة للفريسة من القتل بالمنشار الكهربائى، كما رأينا مرارا، والأكثر بشاعة هو هتك عرض البنت والزوجة والأم والأخت أمام الآباء والأبناء والأزواج والإخوة، وبعد هتك العرض تقتل الفريسة وأهلها بعد تناوب الأعداد الغفيرة على المسكينة التي لم تجد من ينقذها، وكل حالة قتلت لها قصة ليست فقط مؤلمة بل مهينة للكيان الإنساني، وقد زرت – مع وفد من رابطة علماء أهل السنة – اللاجئين السوريين بالأردن في مخيم على الحدود مع سوريا فقال أحد اللاجئين: قتلوا ولدي أمامي بالرصاص لأنه فقط هتف بعد صلاة الجمعة مع الكثير مستعدين للخروج سلميا بعد الصلاة، ودفنتُ ولدي، وفي الجمعة التالية خرج ولدي الثاني بعد الصلاة مع الشباب، وأمسكه شبيحة الأسد وذبحوه بالسكين أمامي، وقالوا نحن تكرَّمنا عليك الأسبوع الماضي فسلّمناك جثة أخيه لكنا اليوم لن نعطيك الجثة بل سنأخذه لنقطعه إربًا ونرميه في القمامة؛ لتكونوا عبرة لغيركم، ولو ذكرت شواهد محدودة فلا يكفيني سِفر كامل لهذه المخازي الرهيبة، مما يوجب – من الأيام الأولى – تحركًا عمليًا حربيًا للجيوش العربية، والأحلاف العسكرية وهيئة الأمم.
يجب أن يكون ردع الظالم مع أول استغاثة مثل المصاب في حادث يحتاج إلى طبيب لوقف النزيف المنهمر فورًا،  فليس من المعقول أن يترك الطبيبُ المصابَ ينزف حتى يموت ثم يأتي ليكتب شهادة الوفاة، أو قبل الموت ليكون مشلولا مدى الحياة!
فلماذا فجأة انتفض الأطباء النبلاء في أمريكا وبريطانيا وفرنسا والأحلاف لضرب سوريا؟
هل هذا شهامة لإنقاذ المستضعفين؟ فلماذا كانت الشهامة في إجازة طوال سنتين ونصف السنة؟! فلو كانت المسألة متعلقة بالمبادئ لتحرك ضمير العالم منذ شهر مارس 2011م ، وربما جاءوا – في زعمهم – لكتابة شهادة الوفاة للثورة السورية.
هل الكارثة في القتل بالكيماوي أنه كبير عدديا هذه المرة؟ والجواب لا يمكن، لأن هناك أياما سوداء وليالي ظلماء قُتل فيها أكثر من ألف وخمسمائة، وأقسم لي أحد العلماء السوريين فقال: والله، لقد كانوا يقولون في القنوات قُتل في قريتنا خمسون، وبيدي مع جيراني دفنَّا في اليوم نفسه ثلاثمائة، ودفنّا بعض الشهداء في أماكنهم لأن الشبيحة كانوا يتربّصون بنا، وما الفرق بين أن تقتل ألفا دفعة واحدة أو على ثلاثة أيام متفرقة؟!
 
 هل يئست الجامعة العربية من تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك والأنطمة العربية من الحلول السياسية أو العسكرية في سوريا فقدمت شكوى لمجلس الأمن وهيئة الأمم فسارعوا لنجدة أهلنا المظلومين في سوريا؟ طبعا لا، فأمريكا وحلفاؤها هذه المرة لا تنتظر قرار هيئة الأمم ولا مجلس الأمن والبند السابع ولا العاشر، وإنما الأمر يبدو خطة أمريكية لأجل مصالحها مع الصهاينة.
 
 هل يفترق الإنسان في مصر عن سوريا؟ وفيهما عن فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو بورما أو السودان أو الصومال أو …. ؟ فلماذا لم يتحرك المجتمع الدولي وأمريكا وحلفاؤها لردع الانقلابيين بمصر الذين قتلوا في الأسبوع نفسه على الأقل 5000 وأصيب 15000 بطريقة بشعة فيها قتل وحرق للجثث وتجريف لها ضمن القمامة، ولماذا لم يتحرك الضمير المخدر إلى اليوم، مع أن الأعداد أكثر وطريقة القتل أبشع، فما الفرق بين قتلى مصر وسوريا عند أصحاب المبادئ الإنسانية؟!
 
 كثيرا ما سُئلت: متى تتدخل أمريكا وحلفاؤها والمجتمع الدولي كما يسمونه في الملف السوري فكان جوابي دوما عندما يقترب الثوار من النصر، وعندما أجد استغرابا أقول هل نسيتم بسرعة الواقع المعاصر جدا؟ والأمثلة كثيرة منها:
 
ظل الاتحاد السوفيتي يقتل بشراهة واستعمل الكيماوي كثيرا حتى قتل في أفغانستان مليون شهيد، وجرح ملايين، وشرد الشعب كله، ولما اقتربت كتائب المجاهدين من النصر على السوفييت دخلت أمريكا من خلال باكستان والسعودية وآخرين، وعقدوا مؤتمر "جنيف" تحت ستار مغشوش يسمى: نجدة الشعب الأفغاني المظلوم، وحرَّشوا بين قادة وقبائل الجهاد، واليوم يحكمهم عميل أمريكي, وأفغانستان محتلة، ولا يتحدث أحدٌ عن طائراتهم التي تفعل الشيء نفسه الذي يقوم به جزار سوريا.
 
ظل علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة يصرخ مما يفعله الصليبيون الصرب في المسلمين في البوسنة والهرسك، وقتلوا 250 ألفًا، وجرحوا وشردوا الشعب كله، وهتكوا عرض 200 ألف امرأة مسلمة ولم يرحموا من السِفاح والاغتصاب الطفلة بنت الـ 6 سنوات أو العجوز، ونشر التليفزيون الألماني صور الأطفال البوسنويين يضعهم الصرب في خلاطات الأسمنت لفرمهم عجينة بشرية، ولم تتحرك ضمائر أمريكا ولا حلفائها إلا عندما نقلت المخابرات الغربية أن المسلمين يتقدمون وسيهزمون الصرب، وآنئذ ذهب علي عزت بيجوفيتش إلى عاصمة عربية  وقال: لا أريد منكم رجالا ولا جيوشا، أسعفوني فقط بنصف مليار دولار لأشتري سلاحا كي أحسم المعركة، وكان في استطاعة الملك أو أي أمير أن يُخرج "الفكة" لحسم  المعركة إسلاميا وإنسانيا، لكنهم تركوا أمريكا تتدخل بعقد مؤتمر "دايتون"، ولا تزال البوسنة مخطوفة غربيًا.
 
والأمر نفسه بكل مآسيه تكرر في الصومال، حتى إذا نجح الإسلاميون في تحقيق الأمن، واشتغل مطار مقدشيو بعد 18 عاما من التوقف، وبدأت بشائر النصر على الأرض دخلت أمريكا وحلفاؤها فأعادت الفتنة حية متوقدة، وقتلت الحلم الإسلامي لبلد يحتفظ أهله بأرقى صور الالتزام والاعتزاز بالإسلام.
 
وأخيرا هذا الانتصار التاريخي لثورة 25 يناير في مصر فجاءت المؤامرة الصهيوأمريكية والخليجية، للانقلاب على رئيس مصر المنتخب د. مرسي، وإنهاء كل مكاسب ثورة 25 يناير بدعم كامل من أمريكا وبني صهيون والخليج إلا من رحم الله.
 
فهل نتصور أن أمريكا أفاقت من غيبوبة إنهاك الشعوب الإسلامية قتلا وحرقا وخنقا بيدها أو بيد عملائها، والأمر يصل إلى أن يعد أوباما منذ سبع سنوات أن يغلق سجن "جوانتنامو" الشاهد الكبير على اختراق الأمريكان كل قوانين حقوق الإنسان، ويغدر في وعده حتى اليوم، ويكفي أن نقرأ للمفكر الأمريكي "نعوم تشومسكي" كتابه الذي تُرجم في الرباط بعنوان: "ماذا يريد حقيقة العم سام؟" وفيه يذكر من الوقائع التاريخية التي تجعل أمريكا الدولة الأولى التي تخرق وتدمر وتحرق الإنسان وحقوقه في العالم، وما بشار والسيسي إلا من سلالة التربية الأمريكية التي تستهين بحقوق الإنسان وحياته وقيمته.                                                                        
اربطوا هذا بتصريح الوليد بن طلال يوم 20/8/2013م : "لو أردنا – يقصد الحلفاء دوما أمريكا والسعودية – إسقاط نظام الأسد لما احتاج غير أسبوع"، لماذا لم يحدث أن تحركت النخوة العربية والإسلامية والمبادئ الإنسانية لتخليص الشعب السوري المسكين من جزَّاره؟!
والجواب على السؤال بعد هذا العرض أن الأسباب والمقاصد الرئيسة من ضرب سوريا من أمريكا وحلفائها في هذا الوقت ما يلي:
 
مصلحة إسرائيل في تحطيم الجيوش والشعوب المجاورة معا، ومنع وصول الثوار؛ إسلاميين أو غيرهم إلى مقدرات الجيش السوري فيمثل تهديدا للكيان الصهيوني المحتل، وهي مسألة يقينية لا تحتاج لحصيف متمرس بالسياسة، ولا عريق في التحليلات السياسية. وقد دأب رؤساء أمريكا والمرشحون للرئاسة جيلا وراء جيل أن يؤكدوا أن أمن إسرائيل من أمن أمريكا، ولم يغب رئيس أمريكي واحد عن المؤتمر السنوي لمنظمة "إيباك" الصهيونية، ولولا الدعم المفتوح والمفضوح من أمريكا لما استطاع الكيان الصهيوني أن يتعمق ويتوسع أو يبقى على قيد الحياة، أو أن  يضرب مصر، وتمت معاهدة "كامب ديفيد" برعاية أمريكية لصالح بني صهيون ومن يومها صارت مصر قزما بين العرب، ذليلة متسولة حتى انعقد آنئذ مؤتمر القمة العربية في الزيتونة وقال نزار قباني عن السادات بحضور الرؤساء العرب:
من ذا يصدق أن مصر تهوَّدت    فصلاتها عبرية وإمامها كذاب
وفوجئنا أن الكل تهوّد، وصلاتهم عبرية، والجميع يكذب بسبب الدور المصري من مبارك وعمر سليمان لتركيع العرب للصهيوأمريكان.
وما الجولات الأمريكية المكوكية بين رام الله والعواصم العربية والكيان الصهيوني إلا لخدمة الاستيطان والتهويد وتأمين الصهاينة من الفلسطينيين والإسلاميين وأحرار العرب الذي يحبون التراب الفلسطيني.
 
تنشيط اقتصاد أمريكا من فاتورة الحرب التي ستدفعها  بعض دول الخليج، والشواهد على ذلك كثيرة منها:
يقول الرئيس الأمريكي "نيكسون" في كتابه: "الفرصة السانحة " ص 47 : "إن واجب الأمريكان أن يصححوا خطأ الرب – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – لأنه أودع البترول والمعادن النفيسة والموارد الضرورية لدى العرب وهم قوم همجيون متخلفون رجعيون دمويون، فنحن يجب أن نأخذ هذه الموارد كي نصنع بها الحضارة، ونعمِّر بها الأرض" فنحن لا نستحق لدى الرئيس الأمريكي "نيكسون" هذه النِعم الربانية، ووظيفة أمريكا هي تصحيح خطأ الرب الذي وضعها عندنا بسلبها وإعادة نُخالتها لنا بالدولار، وأغلى الأسعار؛ لامتصاص كل نِعم الله لدينا.
لما هاج أعضاء الكونجرس على الرئيس "بوش" الأب: لماذا نضحي بالجنود الأمريكان من أجل الشيوخ العرب – في عاصفة الصحراء أو المجد للعذراء – ردَّ "بوش": "نحن لا نُضحي أبدا بالجندي الأمريكي من أجل الشيوخ العرب، بل من أجل الشيوخ الأمريكان".
 
الاقتصاد الأمريكي اقتصاد عسكري، فلا تستطيع شركة كبيرة أن تحتفظ بوجودها واستمراها ونموها إلا إذا ارتبطت بعقد دسم مع وزارة الدفاع، حتى شركات صناعة السيارات تبني مصانعها بحيث يمكنها بمرونة أن تتحول عند اندلاع أية حرب إلى إنتاج السلاح، بدلا من السيارات، ويُدفع لها كل عام نظير ذلك، وأمريكا تعاني اقتصاديا فمجموع الدْين الداخلي والخارجي لأمريكا 16تريليون دولار، وكان المحللون الاقتصاديون يقولون إن اقتصاد أمريكا سيبدأ في سرعة الانهيار لو وصل الدين إلى 7 تريليون
 
إنجاح الانقلاب في مصر وإلهاء العالم عن مجازر ومحارق الانقلابيين الدمويين:
إن سرعة التوجه لسوريا في هذا الوقت يثير علامات استفهام كبرى في المشهد المصري، حيث لوحظ أن مصر مرسي لم ترضخ للطلبات الأمريكية في جوانب كثيرة، فرئيسنا مرسي زار الصين خصم أمريكا الأول اقتصاديا، وزار روسيا خصم أمريكا الأول سياسيا وتاريخيا، وزار البرازيل وهي حديقة أمريكا الخلفية، وزار جنوب أفريقيا واتفق على خط بري من القاهرة إلى "كيب تاون"، وزار السودان واتفق على 2 مليون فدان لزراعة القمح لتحقيق وصية الشيخ الشعراوي: "من لم يكن طعامه من فأسه فلن يكون قراره من رأسه"، وزار دولا عدة ولم يزر أمريكا زيارة رسمية، واتفق مع تركيا وقطر والهند والصين و… على عقود اقتصادية عالية المستوى تكنولوجيا واقتصاديا، وحث الفلاحين على زراعة القمح، فاستغنينا في عام واحد عن 30% من استيراد القمح من أمريكا، وبدأنا نصنع السيارة المصرية 100%، وانتهينا من تصنيع "الآي باد" وبدأنا ننقب عن المعادن النفيسة في منخفض القطارة وغيرها، وبدأنا نشم عبير الخلاص من القيد الأمريكي في التبعية الاقتصادية والهيمنة السياسية، وتركيع المنطقة العربية للإملاءات الصهيوأمريكية، رغم المعوقات الهائلة لإفشاله من الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، وزاد الطين بلَّة أن يعلن المجلس التنسيقي للعلماء من القاهرة يوم 3 شعبان 1434هـ الموافق 11/6/2013م، وجوب إعلان الجهاد إنقاذًا لسوريا، وقابلهم الرئيس مرسي، وبعدها يعقد مؤتمر مصري شبابي في استاد القاهرة برعاية من الرئيس محمد مرسي، وأَعلن فيه: "لبيكِ يا سوريا، حيَّ على الجهاد، طَرد السفير السوري، لا مكان لحزب الله في سوريا، جمع تبرعات لسوريا" فكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، وسرّعت الخطوات من خلال حركة تمرد، واكتمل المشهد بهذا الانقلاب، وظنوا أن الأمر يرضخ لهم وتعود الهيمنة الصهيوأمريكية، لكن اعتصام رابعة والنهضة وميادين مصر قلَبَ الموازين، وغيَّر الخطة فكان لابد من نحر المعتصمين وذبح المرابطين، وحرق جثث "الخوارج!" بفتاوى علماء السلطة وعملاء الشرطة.
لكن الشعب تضاعفت مسيراته، وتنوعت نشاطاته فلابد من إلهاء العالم, فلعلهم أوعزوا إلى بعض عملائهم في الجيش السوري المخترَق فضرب عيارا زائدا من الضربات الكيماوية فمات ربع العدد الذي قُتل في مصر، ولم تحرّق أجسامهم كما حرِّقت في مصر، ولم يُجرفوا بالجرافات الميري، ولم يُمنع الآباء من استلام الجثث حتى يكتبوا إقرارا أن ابنهم قتل نفسه رميا بالرصاص ثم  حرَق نفسه! وهكذا غابت المبادئ السامية لتعلو المصالح الدنيئة تأمينا للصهاينة أولا، وللهيمنة الأمريكية ثانيا، والتغطية على مخازي الانقلاب ثالثا.
 
ويطيب لي غرسا للأمل، واستمرارًا في الانتفاضة في مواجهة الظالمين أن أُذكّر بآيات، وحديثٍ نبويٍّ:
قال تعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" (إبراهيم:46-47).
قال تعالى: "قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ" (النحل:26).
روى البخاري ومسلم أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال : "مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنما أنَا قاسِمٌ واللهُ يُعْطِي، ولن تزالَ هذه الأمةُ قائمةً على أمرِ اللهِ، لا يَضُرُّهم مَن خالفهم، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ".
فيا معشرَ المسلمين وأحرارَ العالم صدِّقوا العليم الخبير سبحانه، والنبي محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن لم تفعلوا فاقرأوا حقائق التاريخ، فأمريكا لم ولن تسعَ يوما لمصلحة العرب والمسلمين أو الإنسانية، وتتحرك وفقا لمصالح الهيمنة والسلب والنهب، وتمكين الصهاينة من هدم الأقصى وتهويد القدس وتهجير العرب، فإياكم أن تستمروا في التصفيق للمارينز الأمريكان على أرضنا العربية والإسلامية، اطردوهم أعزكم الله، وإلا فلا عزاء في الشعب السوري والمصري والعربي والإسلامي.
يا قوم انتفضوا ضد أمريكا وإسرائيل وعملائهم في العالم العربي كله، فالأمر كما يقول الشاعر عبد الرحيم محمود:
ونفسُ الشريف لها غايتان      بلوغُ المنايا ونيلُ المُنى
فإما حياةُ تسرُّ الصديقَ      وإما مَماتٌ يُغيظ العِدا