الآثار الإيجابية للاتصال بين المؤسسات الخيرية

أرشيفية

الجمعيات والمؤسسات الخيرية شخصيات اعتبارية لها كل الاستقلالية حسب الأنظمة والقوانين، وتتمتع بكل الصلاحيات القانونية لإجراء كافة الصلاحيات التي تؤهلها لتحقيق النفع والفائدة للفئات التي ترعاها، لتنتشلهم من بؤس الحاجة والعوز إلى حالة الكفاف والرضا والاستغناء عن الدعم. وتختلف الجمعيات الخيرية، وتختلف الأدوار التي تقوم بها أو تتشابه مع مثيلاتها، ولكن يبقى النفع ويدوم ما دامت تؤدي دورها على النحو السليم.  ومع تشابه هذه الأدوار، أو تضاربها في أحايين أخرى، فإن  الجمعيات والمؤسسات الخيرية تبقى بحاجة إلى الاتصال والتنسيق والتواصل فيما بين بعضها البعض لتقديم أفضل الخدمات للمستحقين، بشكل يحدث الإشباع ويعزز سبل تحقيق التكامل بين المؤسسات في مقابل الإهدار والتضارب وعدم التنسيق، ومن ثم فإن للاتصال والتنسيق بين المؤسسات والجهات الخيرية العديد من الفوائد التي تعود على المؤسسات الخيرية وعلى المستفيدين، منها:
 
أولاً: الآثار الإيجابية للاتصال بين المؤسسات الخيرية:
 
   فكرة الاتصال والتواصل فكرة تستمد مرجعيتها من تعاليم الدين الحنيف، ومن نصوص القرآن الحكيم، قال تعالى: (( … وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )) (1). فالتواصل والتعارف وتبادل الخبرات واكتشاف المهارات والثقافات، مع إِعلاء الأفضل منها بما يحقق مراد الله من تقوى العباد، أمر يحض عليه الدين القويم عند الاختلاف، فللاختلاف بين الأفراد وبين الثقافات وبين الشعوب وبين المؤسسات ميزة تجعل الجميع بحاجة لأن يتواصل مع الآخر؛ ليحقق التبادل والنفع الذي قد يدرك التكامل والارتقاء والسمو، ويعلي من شأن الإنسان، ويحقق تقوى الله بين مختلف العباد. ومن هذا المنطلق فإن فكرة التواصل بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية أمر تحض عليه ضرورات التقدم نحو الأفضل، والانحياز نحو كل بر بإحداث أفضل الآثار والنتائج للمستفيدين، وبأقل النفقات والموراد، ودون إسراف أو إهدار وتبذير. والتواصل بين الجمعيات بما يحقق التنسيق سيقدم دعما فعليا وحقيقيا، ويجعل لهذه المؤسسات القدرة على تقديم خدمات إنسانية واجتماعية أكثر إيجابية، ومن هذه الآثار التي قد يؤديها الاتصال والتواصل:
 
• التنسيق لإعداد قوائم مشتركة للمستفيدين:
 
    إن أغلب الجمعيات والمؤسسات الخيرية تعمل وفق أجندات وقوائم تحدد المستفيدين من جهودها ودعمها سلفاً، فيكونون – غالباً – من أكثر الفئات حاجة وفقراً حسب تصنيفات الوزارات والهيئات الاجتماعية المختصة، والذين – ربما – يكونون يتلقون دعماً مادياً معيناً من قِبلها، ولكنه –دائماً – الدعم الذي لا يحدث الإشباع التام، ويُبقي للدور الأهلي والخيري، من خلال مؤسساته وجمعياته المسموح لها بتأدية المهمات الخيرية والإنسانية، فرصة التدخل الذي يخفف العبء عن كاهل الحكومات، وعن كاهل المعوزين في الوقت نفسه. ولذلك؛ فإن الاتصال والتواصل سيعزز إحداث التنسيق الذي يحقق فرص إعداد قوائم مستفيدين مشتركة، بشكل لا يسمح أن تتدخل جهة خيرية وتقدم دعماً معينا، وتقوم الأخرى بتقديم نفس الدور ونفس الدعم تجاه المستفيد الذي ربما يحقق له الدور الذي قامت به الجهة الأولى الإشباع في هذه الاتجاه، بينما هو يعاني معاناة أخرى في جانب آخر، كأن تقدم له جهة ما يحتاج إليه من ملابس، وتقوم جهة أخرى بتقديم الملابس أيضاً، بينما هو يعاني من نقص العلاج والطعام، أوغيرها. والقوائم المشتركة بين الجمعيات الخيرية في نفس النطاق الجغرافي، أو عند زيادة الجهات الخيرية أعداد المعوزين، تحدد بالفعل كيفية ونوع ما ستقدمه كل جهة لنفس المحتاج، بحيث لا يتكرر نفس الدور، فيحقق التخمة في جانب بينما هناك عجز كبير في جانب آخر. والتنسيق ـ أيضاً ـ يساعد على تنقية الجداول، بحيث يخرج منها الذي يتلقى الدعم من أكثر من جهة خيرية، بما يحقق ما يزيد عن احتياجاته، ويحول ذلك المستفيد إلى عالة تعاني منها المجتمعات والجمعيات والأفراد وغيرهم.
 
• تكامل الأدوار والخدمات:
 
    تكامل أدوار المنظمات والمؤسسات الخيرية هو الأمر الجلل الذي لم يتحقق على النحو الأفضل بعد، وهو الذي تدعو إليه ضرورات الوصول بالإنسان المسلم أو غير المسلم من خلال المنظومات الخيرية إلى المرحلة التي يستطيع فيها الإشباع والاستغناء والاعتماد على ذاته، وإن القدرة الإلهية، التي قدرت القدر، وجعلت بين الناس الفوارق والطبقات، لا ليعلو بعضهم على بعض، ولكن لكي يتوكأ كل منهم على الآخر، فيبقى الغني بحاجة إلى الفقير؛ ليرضي الله تعالى من خلاله، فينفق من أجله حسبة لله، وليجد المرء الفقير من يساعده على أمور العيش والحياة، وتأدية الدور الإنساني المنوط به القيام به؛ فيقل الفقر والفقراء، ويتحقق الاتزان والتكامل الذي يصنع المجتمعات المتماسكة والمسالمة.
 
     ومن خلال هذه المرجعية فإن الأبواب مفتوحة أمام الجمعيات والجهات الخيرية المختلفة من أجل التواصل الذي يذلل الطريق نحو وضع رؤى التكامل بين مؤسسات العمل الخيري، وتبني سياسيات خيرية تحقق الكفاف، وتصل بالمستفيد إلى المرحلة التي يستطيع فيها الاعتماد التام على ذاته، فيكون منتجاً وليس مستهلكاً، بما يسببه ذلك من أعباء على المجتمعات والمؤسسات والدول، بل والعمل على متابعته بعد أن يتحقق ذلك؛ لكي لا يحدث التراجع والانتكاسة التي تزيد العبء والضغط، لا سيما إن حولت ذلك المستفيد إلى شخص يائس فاقد الشخصية والثقة في النفس، غير طامح في شيء أكبر من تلقي الصدقات والدعم.
 
 
• تبادل الخبرات والكوادر بين الجهات الخيرية:
 
    لا شك أن المؤسسات الخيرية التي تعمل بشكل احترافي، وتنجز في عملها، تمتلك من الخبرات والكوادر البشرية ما يعينها على تأدية هذه الرسالة. والتواصل بين هذه المؤسسات قد يكون فرصة لتعزيز وتحسين العمل، وتحقيق الأفضل، كما سيمكن للعاملين في هذه الجهات، إذا صحت النوايا، وتوحدت نحو الصالح العام للمجتمعات وللفقراء. فالإتصال والتواصل ـ وفق هذه الرؤية ـ سيسمح التبادل بتقوية العلاقة بين المؤسسات المختلفة بما يحقق أمر تمرير وانتداب الخبراء من الكوادر والخبرات التي تحقق النجاح في مؤسسة خيرية إلى مؤسسة أخرى، وكذلك سيسمح ويعزز تبادل المشورة والإرشاد والنصح، ووضع خطط متوازنة تفيد كل أطراف المنظومة.
 
• تعميم التجارب الناجحة:
 
     التجارب الناجحة قد يكون في تعميمها النفع الكبير والصالح إذا كانت الظروف التي تعمل فيها كل جهة مختصة مشابهة لنفس الظروف التي تعمل فيها تلك التي حققت النجاح، فعندما تنجح التجربة الخيرية، وتستطيع انتشال فئات كبيرة من المعوزين وغيرهم من فقرهم، وتصل بهم إلى حالة الكفاف والإشباع الذي ينعكس إيجابياً عندما تنتهي الحاجة والفقر إلى الأبد، فإن الاتصال والتواصل سيسمح بنقل هذه التجارب مع إجراء التغييرات المناسبة التي تناسب الظروف والمتغيرات المختلفة كلما كانت موجودة، وهو ـ أيضاً ـ ما سيعزز تقدم المجتمعات نحو النمو والريادة؛ فتعميم التجارب الناجحة، مع إجراء التغييرات التي تناسب الظروف  والمجتمعات، أمر سيحقق الإنجاز، ويقلل النفقات والجهد المبذول، مع ضمان النجاح المؤكد بعون الله.
 
 
ثانياً: الآثار الإيجابية التي تعود على المستفيدين:
 
     الفقراء والمساكين والمرضى، وكافة الفئات الإنسانية المعوزة التي ترعاهم الجمعيات والجهات الخيرية، هم أكبر وأكثر المستفيدين من أمر الاتصال والتنسيق وتعزيز العلاقات بين هذه الجمعيات والمؤسسات. وهناك الكثير من الآثار التي ستنعكس عليهم عندما يتحقق التواصل بتكاتف الجهود بما يحض على اجتثاث كافة المشكلات الاجتماعية والإنسانية التي يعانون جراءها، ويكفينا هنا أن نختصر تلك الآثار والنتائج فيما يأتي:
 
• تحسين الخدمات التي تعود على المستفيدين: 
 
   جودة الخدمة الإنسانية التي تقدمها المؤسسة من خلال وسائل متتعدة ستتبارى المؤسسات الخيرية في تحقيقها من أجل تعزيز المنافسة وتحقيق الأفضل كلما وجدت أسباب التنافس، ودعت إليه الظروف والموارد المتاحة. وعلي أي الأحوال، فإن ظهور أكثر من جهة خيرية في مكان واحد، تقدم خدماتها لنفس المستفيدين من خلال خطط موحدة، سيكون بمثابة إنجاز يتحقق ويؤدي إلى تحسين الخدمات والتدخلات الخيرية نحو المستحقين.
 
• إحداث الإشباع في نواحي مختلفة:
 
   المرء الذي يعاني من الفاقة والفقر هو شخص لا يعاني فقط نظراً لنقص حاجة واحدة كالطعام أو الدواء من احتياجاته، بل هو يعاني نظراً لعدم قدرته على إشباع الكثير من هذه الحاجات، كالكساء والغطاء، إضافة إلى الطعام والدواء، وغيرها. والتواصل بينه وبين الجهات المختصة التي تدعمه سيسهل عليها أن تتواصل فتحقق التفاهم الذي يحدد الأدوار والنواحي التي تحقق الكفاية والإشباع لذلك الفقير، وتشمله على نحو تام تتحقق فيه أغلب أو كل احتياجاته. 
 
آليات الاتصال بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية
 
• المؤتمرات والفعاليات:
    المؤتمرات والفعاليات التي تقرب بين الفرقاء، وتجمعهم في نقطة التقاء واحدة من أجل هدف محدد أو أهداف متعددة، كلها تصب في خانة تحسين الخدمة التي تقوم عليها هذه المؤسسات، فهذه المؤتمرات عندما تقرب بين القائمين على الأعمال فإنها ستحقق الكثير من الشفافية التي تبدي المعوقات التي تواجهها، وستتبنى وسائل المواجهة، وستبني الخطط، وتقرب من وجهات النظر، وستشعل الحماس في النفوس من أجل منافسة بناءة وعمل خيري أكثر احترافية.
 
• تبادل الزيارات:
     تبادل الزيارات بين القائمين على المؤسسات الخيرية قفزة نوعية نحو التكامل والاطلاع الفعلي على مجهودات الآخرين، ويجب أن يحرص عليها كل العاملين في المجال الخيري؛ فالزيارات والدعوى لتبادلها تسمح بمشاهدات ميدانية للتجارب، ونقل الأنسب منها، ومعرفة السلبيات والمعوقات التي قد تواجهها، وإعطاء النصيحة المناسبة أو تجنبها عند التطبيق، وهو من الأمور التي تحقق الصالح، لا سيما إن أفضت إلى بروتكولات شراكة وتعاون ونقل الخبرات والكوادر، وبناء الخطط وتعميم التجارب، وغيرها مما يمكن الوصول إليه والعمل من أجله بين المؤسسات.
 
• استخدام وسائل وأدوات التكنولوجيا الحديثة: 
    استخدام وسائل وأدوات تكنولوجيا الاتصال الحديثة أمر تفرضه ظروف العصر، وهو من الأمور المتاحة على الدوام، والتي تحقق السرعة والإنجاز، وتتخطى حدود الإعاقة والتوقف، وبها من التنوع ما يجعلها في مقدمة أدوات الاتصال والتواصل؛ فمن خلالها يمكن تقريب البعيد، ونقل الحقائق والتجارب، وإيجاد أسباب التعاون والمشورة والنصح والترتيب لما هو أهم وأبعد. ومن هذه الوسائل التلغراف على قدمه، والهواتف الثابت والخلوية، والفاكسات، ووسائل التواصل عبر الشبكة الإلكترونية عبر الإنترنت.
 
                                      والله من وراء القصد ،، 
 
 
1-  1- سورة الحجرات، آية رقم (13).
المصدر: مداد