طلبة في الجامعة الأردنية- أرشيفية
الرقم الذي أوردته منظمة العمل الدولية عن معدل البطالة في الأردن، والذي قدرته بـ30 %، مرعب بجميع المقاييس؛ فهذا يعني أن ثلث الأردنيين عاطلون عن العمل، وغير منتجين.
ورغم أن الأرقام الرسمية الأخيرة تقدرها بـ11 % فقط، إلا أن البطالة ليست سرا لدينا، وهي مؤشر حقيقي ومهم على فشل وعجز الحكومات المتعاقبة عن تحمّل مسؤولياتها في توجيه الاستثمارات، وغياب الخطط والمشاريع التنموية القادرة على استحداث فرص العمل لآلاف الخريجين سنويا.
التقرير شخّص تماما "الخلل الأردني" الذي أدى إلى هذا المعدل الكبير للبطالة، وحدد المسببات بثلاثة: قلة المشاريع الجديدة؛ وعدم توافق النظام التعليمي مع متطلبات السوق؛ وأخيرا افتقار الخريجين إلى المهارات اللازمة للتوظيف.
وإذا كان السبب الأول خارج، في معظمه، عن الإرادة، بسبب تبعات الأزمة المالية العالمية التي ما نزال نعيش ذيولها حتى اليوم، فإن السببين الآخرين تتحمل وزرهما الحكومات المتعاقبة التي لم تفعل شيئا حيالهما.
في الثقافة المجتمعية المتحصلة، يُعلي الأردنيون من شأن الشهادة الجامعية، ما أدى إلى زيادة أعداد الجامعات الرسمية والخاصة حتى أصبح الرقم يربو على 30 جامعة.
لكن التوسع في إنشاء الجامعات، وبسبب تراخي صناع القرار، لم ترافقه دراسة لتحديد التخصصات، واستهداف المجتمعات المستضيفة لتلك الجامعات بمساقات تعليمية تكون ابنة بيئتها، لا أن تبقى الشهادة الجامعية مجرد "متطلب اجتماعي" للتعليق على الجدران، والتفاخر بين الجيران.
في جامعات الشمال، كما في الوسط والجنوب، تطرح الجامعات؛ الرسمية والخاصة، التخصصات الدراسية نفسها، ولا نكاد نجد أيّ اختلاف بين جامعة وأخرى تبعا للمجتمع والبيئة واحتياجات السوق المحلية، ما أدى إلى توسع شكلي من غير أن يكون ذا فائدة للمجتمع.
إضافة إلى ذلك، فهناك أيضا معضلة أخرى لدى الخريجين أنفسهم، تتمثل في عدم تلبية كثير منهم للمتطلبات المهارية لسوق العمل.
ففي قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (ICT) مثلا، والذي يتخرج منه زهاء 5 آلاف طالب أردني سنويا، أكدت دراسة نشرت العام الماضي أن نسبة 75% من هؤلاء الخريجين لا يلبون متطلبات سوق العمل.
الدراسة التي أعدتها جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات "إنتاج"، أشارت بوضوح إلى عجز الجامعات عن رفد السوق المحلية بالخبرات المطلوبة، مؤكدة أن الطالب يحتاج إلى سنة من التدريب على الأقل للتأهل للوظائف.
لعل في هذا الأمر مؤشرا قويا على الضعف الكبير الحاصل في مخرجات التعليم. وهو ضعف لا يبدأ وينتهي بالدراسة الجامعية، بل يتغلغل في مختلف مراحل الدراسة؛ من الصفوف الأولى التي لم يجر عليها أي تطور مهم منذ سنوات. ونحن هنا بالتأكيد لا نتحدث عن التطوير الشكلي.
ولكن المحبط في الأمر بخصوص دراسة "إنتاج" هو أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هو القطاع الذي نفتخر به منذ إنشائه، خصوصا أنه في الأردن القطاع الأسرع نموا لدينا. وقد استطاع، بين العامين 2000 و2010، توفير 82 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، ما يعد رقما ضخما بالنسبة للأردن.
لكن هذا القطاع، وللأسف الشديد، بدأ بالتراجع خلال الأعوام الأخيرة. ورغم أنني لا أمتلك إجابة شاملة عن سبب هذا التراجع، إلا أننا لا يمكن أن نبرئ ضعف الخريجين من هذا الذنب، إضافة إلى التوسع الكبير وغير المدروس في تدريس هذا التخصص.
إن أهم ما ينبغي على الحكومة القيام به، وسريعا، هو وضع التخصصات الجامعية على طاولة التشريح، وتقسيم الجامعات إلى: أكاديمية وتقنية "عمالة ماهرة"، وأن يتم، كذلك، تقسيم التخصصات على الجامعات تبعا لموقعها الجغرافي واحتياجات المنطقة.
أمر آخر مهم، ويقع على عاتق الحكومات أيضا، وهو توفير التدريب اللازم للخريجين الجدد، لكي يصبحوا ملائمين لسوق العمل في جميع التخصصات، ما دام التعليم الجامعي عاجزا حتى اليوم عن هذا الأمر.
ثمة أمور أخرى عديدة يمكن فعلها لتقليص نسبة البطالة، كتوجيه المشاريع التنموية نحو الأطراف التي تزيد فيها نسب البطالة بين الشباب، والتوسع في تمويل المشاريع الصغيرة واستهداف المرأة فيها، إضافة إلى توجيه الاستثمارات الخارجية نحو المشاريع الصناعية التي تستطيع توفير فرص عمل أكثر من المشاريع الخدمية.
المصدر: الغد الأردنية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70237
