إغلاق مؤسسات العمل الخيري الإسلامي العالمية..تداعيات لا تقف عند حد

 

باتت التحديات التي من شأنها أن تؤدي إلى تغييب مؤسسات العمل الخيري الإسلامي عن ميادين عملها الإغاثي في الآونة الأخيرة تأخذ منحىً خطيراً بعد إغلاق العديد من مراكز وأقسام عدد من كبريات المؤسسات الخيرية في المملكة العربية السعودية.

وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي ساقتها حكومة الرياض من وراء هذه الإجراءات، حيث أن تداعيات هذه الإجراءات لها من الأثر الكبير إلى حد يزيغ معه النظر عن البحث في الأسباب والمسببات رغم أهميتها لفهم سياقات القضية.
ففي حين يرى البعض بأن عملية الإغلاق التي طالت مؤسسات ذات طيف متنوع من الأنشطة الخيرية والدعوية والتربوية والتوعوية..وغير ذلك، من أبرزها الندوة العالمية للشباب الإسلامي التي تأسست أصلاً بقرار ملكي، بأنه نتاج لمسلسل التضييق الذي تمارسه أجهزة تتبع لقوى عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية باعتبار أن هذه القوى لا تزال خاضعة لذهنية حقبة الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، وما تلاها من تضييق ضد مؤسسات خيرية عربية وإسلامية، وصل حد اتهام بعضها بالضلوع في تمويل الإرهاب، وإغلاق أخرى وسجن مؤسسيها، لينتصر القضاء بعد سنوات لهذه المؤسسات، ويؤكد نزاهة وسلامة وضعها القانوني.
فإن البعض الآخر يرى بأن الضغوطات كانت من جانب دول إقليمية اختارت أن تحارب مؤسسات العمل الخيري الإسلامي بعينها، اعتقاداً منها بأن ذلك هو جزء من حربها ضد الإسلام السياسي الذي يشكل تحدياً لأنظمتها الحاكمة.
ولم تكن الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وحدها ممن شمله القرار الأخير، حيث شمل مؤسسات «رابطة العالم الإسلامي» والتي منها «هيئة الإغاثة الإسلامية»، و«الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم»، و«مؤسسة مكة المكرمة الخيرية»، و«الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة»، و«الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام»، و«الهيئة الإسلامية العالمية للتعليم»، و«الهيئة العالمية للتنمية البشرية»، و«الهيئة العالمية للمساجد»، وغيرها..وإن كانت "الندوة" الأكثر لفتاً للنظر ليس لكونها الأضخم من حيث حجم المشاريع ولكن لأسباب عدة من أهمها أن الندوة هي حالة تعبر عن خلاصة نضوج الفكر الخيري الإسلامي والعربي أولاً، ثم السعودي ثانياً، وعلى مستوى القيادة الرشيدة التي وعت أهمية هذه المؤسسات منذ بدايات التكوين السياسي للدولة السعودية، كونها تأسست على يد المغفور له "بإذن الله" الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1972، حيث أرادها حينها نواةً لهيئة إسلامية عالمية متخصصة في شؤون الشباب المسلم.
ولقرار الإغلاق تداعيات تتجاوز حدود المملكة العربية السعودية، لأسباب كثيرة من أهمها أن هذه المؤسسات اتخذت طابعاً عالمياً في عملها، بما يعنى أن للقرار تأثيرات على المستوى العالمي وليس المحلي السعودي أو العربي، منها على سبيل المثال إدارة الظهر لمئات الآلاف من الأيتام الذين تكفلهم هذه المؤسسات في العديد من دول العالم، حيث ترصد من أجلهم ملايين الدولارات في كل عام من ميزانية الندوة العالمية وحدها، يتم تخصيصها لدول تشهد صراعات وكوارث طبيعية وفقر مدقع في مختلف قارات العالم.
فضلاً عن رعاية هذه المؤسسات لمختلف الفئات الضعيفة، والتي تحتاج للدعم في المجتمعات التي تعمل بها كالفقراء والمحتاجين والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة، وطلبة العلم..وغيرهم، حيث تنوعت الفئات المستفيدة من مشاريع هذه المؤسسات بتنوع مشاريعها من نشر للدعوة الإسلامية، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات، ومراكز التعليم والتدريب المهني، وحفر آبار المياه، وتقديم المساعدات الإغاثية الإنسانية الفورية للشعوب التي ألمت بها مصيبة أو كارثة ما.
ولم يقتصر دور هذه المؤسسات على العمل الإغاثي بل ارتقى للتنموي، وصولاً للتنمية المستدامة، بعدما انتشلت -بمشاريعها التي أهلت من خلالها مئات الآلاف من العاطلين عن العمل والفقراء والأرامل- انتشلتهم من مستنقع الفقر والعوز والبطالة، بعدما كانوا عبئاً على مجتمعهم، إلا أن المشاريع التنموية، لا سيما الصغيرة منها والمتوسطة قد جعلت منهم فئات منتجة تسهم بشكل فاعل في اقتصاديات بلدانهم لينتفع منها فئات مجتمعية أخرى، كعائلات أصحاب المشاريع والعاملين لديهم، أي أن الفائدة والنفع تتخذان شكلاً أفقياً وآخر عمودي، يشمل الأفراد والمجتمعات التي يعيشون فيها.
وربما من الصعب تخيل ما يمكن أن يؤدي إليه قطع الوصل بين المؤسسات الخيرية والإنسانية وبين هذه الفئات، حيث ستلقي هذه الكارثة بظلالها شديدة السواد على معيشة المحتاجين ممن ترسخت لديهم القناعات بأن اخوتهم من بني البشر يقفون إلى جانبهم وسيعملون بجد كي يحققوا لهم ما من شأنه أن يحفظ كرامتهم، ولن يخذلوهم بعد أن أكدوا خلال سنوات طويلة على ترسيخ مفاهيم الانتماء إلى عائلة الإنسانية بما تحمله من معاني الرحمة والأخوة ومشاركة الآخر آلامه، والسعي للتخفيف من معاناته.
وسيؤدي انفكاك المؤسسات الخيرية الإسلامية عن أداء دورها الإنساني المعهود حتماً إلى تبدل هذه المفاهيم حيث ستعطي بلا شك صورة مغايرة ستعيد رسم شخصية الإنسان المسلم في نظر الآخر بعدما تصبح محل تشكيك في جديته بوفائه بوعوده تجاه من كفلهم من الأيتام، ومن وعدهم بمد يد العون والمساعدة، لتنتهي بتراجعه عن الوفاء بمسؤولياته والتزاماته الأخلاقية والإنسانية التي أوجبها عليه دينه الإسلامي السمح، وفطرته الإنسانية السليمة.
ومن التداعيات التي لا يمكن إغفالها ضعف الروابط بين المتبرع ومؤسسات العمل الخيري، لا سيما عندما يعتاد المتبرع التعامل مع مؤسسة خيرية موثوقة وذات مصداقية عالية، تتمتع بالشفافية، لتغيب عنه في ليلة وضحاها في ظروف التبست فيها الروايات والتقديرات، ليقع العمل الخيري الضحية الأولى في ظل هذه المناكفات، تاركاً الأسئلة تتزاحم ذهن المتبرع بلا إجابات لا سيما فيما يتعلق بمدى مصداقية ومشروعية من بقي من مؤسسات في ميادين العمل الخيري.
ولعل من التداعيات الأشد خطورة هي مساس كارثة انسحاب مؤسسات العمل الخيري العالمي- بطابعها الإسلامي الوسطي المعتدل- بالأمن القومي والوطني والإسلامي، بعدما تترك فراغاً كبيراً، لن تشغله بطبيعة الحال أية جهات لا تحمل في جوهرها أجندات غير خيرية، مثل الكثير من المؤسسات الغربية التي تعمل في الميدان الخيري حالياً، حيث منها التنصيري، وأخرى تعمل للاستقطاب السياسي والإيديولوجي..وغير ذلك.
كما أن الساحة ستكون فارغة متاحة كي تشغلها مؤسسات تتبع تنظيمات متطرفة أو منحرفة فكرياً، تتخذ من الدين الإسلامي السمح ستاراً لها، ستعمد من خلال العمل الخيري إلى تكريس رؤيتها وأفكارها لدى قطاعات واسعة من الفقراء والمحتاجين، وليس من المستبعد كذلك أن تدخل على الخط مؤسسات خيرية يمولها نظام ولاية الفقيه في طهران، الذي عمل على تسييس المذهب الشيعي واتخذه سلاحاً وأداةً لتحقيق مآربه التوسعية، وإنجاز مشروعه الفارسي في المنطقة.
إن ترك الساحة فارغة للأطراف سالفة الذكر تصول وتجول فيها سيكون له أثره المدمر، ليس فقط على العمل الخيري الإسلامي المعتدل، بل على القوة الناعمة للكيانات السياسية لدولنا على المدى البعيد بعد أن تخسر دولنا معركة كسب العقول والقلوب في لحظات، بينما كانت قد كسبتها على مدى عقود طويلة بذلت خلالها من الجهود والإمكانيات الكثير الكثير.
 بلا شك، فقد أصبحنا بحاجة لوقفة مع الذات نمعن التفكير فيها إلى ما وصلنا إليه من تفريط بالمنجزات التي استغرق تحقيقها سنوات طوال، ووقف خلفها جنود مجهولون، أعطوا من وقتهم وعرقهم ودمهم الكثير، ومن هدم لبناء شيده صناع الخير ممن بذلوا من مالهم الكثير، والناشطين في العمل الإنساني ممن وصلوا في سبيل ذلك الليل بالنهار وواجهوا الصعاب والمخاطر في مواقع عدة، تمكنوا من خلال ذلك كله أن يتركوا بصمتهم وثقافتهم في العمل الخيري التي باتت تحتاج منا أن نكون حراساً ساهرين على حمايتها كي تظل شعلتها متقدة للأبد.