الصندوق الفلسطيني للإغاثة.. شفافية واتهامات باطلة

يمثل الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأحداثه لحظة فارقة في التاريخ العربي والإسلامي المعاصر؛ فقد كان القشة التي قصمت ظهر بعير أمريكا، ومنحتها بالباطل صك استباحة العدوان على العرب والمسلمين، ووأد كل فعل من شأنه مساعدتهم على النهوض بأمتهم في كافة أصقاع الأرض تحت شعار “تجفيف منابع الإرهاب”، الذي طال أول ما طال العمل الخيري ومنظماته العربية والإسلامية، التي تعمل في دعم المنكوبين والمحتاجين في أي مكان بالعالم دون النظر إلى اللون أو العرق أو العقيدة.
وعانت المنظمات الخيرية الفلسطينية من تضييق مضاعف بسبب ذلك؛ حيث تزامن مع زيادة الضغوط الأمريكية انطلاق حملة إسرائيلية شرسة حاولت التماهي مع ما يسمى الحرب الدولية على الإرهاب، أرادت تجريم العمل الخيري الذي يستفيد منه الشعب الفلسطيني، وذلك من منطلق أن “صديق عدوي عدوي”.
ويعتبر الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية “إنتربال” واحدا من تلك المنظمات التي واجهت محاولات تضييق عديدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وخاصة عقب ضمه من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش لقائمة المنظمات الإرهابية. لكن تأكيد مسئولي الصندوق على توضيح طبيعة عملهم في إطار القانون البريطاني، وحرصهم الشديد على توثيق كل أعمالهم، كبيرها وصغيرها، والتعامل مع جمعيات قانونية وشفافة تعمل في النور، والكشف عن أنها أخذت تراخيصها للعمل من السلطة الإسرائيلية نفسها -في السابق- أو من السلطة الفلسطينية في الفترات اللاحقة، حمى المؤسسة من عمليات التضييق تلك؛ بل وجعلها في موقع المبادرة، تتابع قانونيا كل من يحاول الإساءة إليها.
البداية
يرجع تاريخ تأسيس الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية “إنتربال” إلى شهر يوليو 1994م، وجرى تسجيله بشكل رسمي في شهر نوفمبر 1994 ضمن المنظمات الخيرية في بريطانيا. لكن الصندوق الذي بدأ صغيرا قبل 11 عاما سرعان ما نما وتطور، وجرى تأسيس عمله على قواعد متينة من الحيوية والنشاط والعمل المنظم الشفاف، كما يؤكد القائمون عليه، حتى بات منظمة دولية كبيرة وارفة الظلال، ذات علاقات خيرية متشابكة، يظللها ما بات يعرف بـ(ائتلاف الخير)، الذي يجمع العشرات من الجمعيات الخيرية حول العالم، وكان “إنتربال” رائدة في تأسيسه، وفي إعطائه دفعات مستمرة إلى الأمام.
ويقول الدكتور عصام يوسف الأمين العام لمؤسسة “إنتربال”: إن زيادة الحاجة وتفاقم المعاناة التي كان الشعب الفلسطيني يعيشها تحت وطأة الاحتلال، مع ما أثاره اتفاق أوسلو من حلم بالدولة الفلسطينية العتيدة، هي التي جعلت مجموعة من الفلسطينيين المقيمين في بريطانيا يقدمون في صيف العام 1994 على تأسيس الصندوق.
عمومية الأهداف
ويشدد يوسف، في حديث لوكالة “قدس برس”، على أن أهداف الصندوق تقوم على خدمة الفلسطينيين في فلسطين التاريخية واللاجئين في الخارج. ويقول: إن المنظمة قامت خلال الأعوام الـ 11 المنصرمة، بإسناد الفلسطينيين في الوطن والشتات بعشرات الملايين من الدولارات، صرفت على مشاريع إغاثة وتنمية متنوعة، تحاول أن تخفف من حدة ما يعانيه أهل فلسطين تحت الاحتلال من غائلة الفقر والجوع والمرض، ونقص الأموال والثمرات.
ويذهب يوسف إلى أن عمل “إنتربال”، مع ما يتميز به من حرص على الشفافية والتوثيق والوضوح، هو عمل إنساني محض، بلا غايات أو خلفيات سياسية أو حزبية، مشددا على أن الصندوق لا يميز في عمله بين فلسطيني محتاج وآخر على أساس ديني أو سياسي، وأن المقاييس المعتمدة لديه هي حاجة الفلسطيني للدعم، والقدرة المتاحة للمنظمة على تلبيتها.
وبالإضافة لعدم التفريق بين مسلم ومسيحي في تلقي الإعانة من الصندوق، لا يرى يوسف ضيرًا في أن يستفيد يهود فلسطينيون، أو حتى يهود إسرائيليون من دعم “إنتربال” إذا كانوا محتاجين، وكانت المنظمة قادرة على تلبية حاجتهم. شارحا المبررات الإنسانية والدينية لذلك، باعتبار أن الصندوق ينظر للمحتاج في بُعْده الإنساني، قبل أن يهتم بانتمائه الديني أو العرقي أو السياسي، على حد قوله
شفافية متناهية
ويحرص جهاد قنديل المسئول التنفيذي في “إنتربال” على إلقاء الضوء على جهد التوثيق وتأمين أموال المتبرعين، وضمان إيصالها إلى مستحقيها مباشرة. ويتحدث قنديل عن نحو 150 منظمة يعمل الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية من خلالها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وفي بعض دول الجوار، التي تؤوي ملايين الفلسطينيين الذين لجأوا إليها، بسبب عمليات الغزو والعدوان الإسرائيلي المتتابعة.
ويستهل قنديل حديثه في هذا الموضوع بالتأكيد على أن سائر المنظمات التي تتعامل معها “إنتربال”، أو تنفذ مشاريع خيرية عن طريقها أو من خلالها في الأراضي المحتلة، هي جهات قانونية موثقة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يؤكد قنديل بثقة أن معظم الجمعيات الخيرية، بل أكبرها وأكثرها انتشارا، هي جمعيات خيرية وقع تسجيلها لدى الجانب الإسرائيلي قبل اتفاق أوسلو، وأن الجمعيات التي نشأت فيما بعد وتتعامل معها “إنتربال” هي جمعيات جرى تسجيلها لدى السلطة الفلسطينية، مما يعني أن الصندوق لا يتعامل مع مؤسسات مجهولة أو غير قانونية، وإنما مع مؤسسات أجاز الإسرائيليون أنفسهم نشاطها الخيري والإنساني.
وإمعانا في الشفافية يتحدث قنديل عن الإجراءات الترتيبية والتنظيمية التي تسبق اعتماد مشاريع تعرضها مؤسسات خيرية في الداخل الفلسطيني، وكيفية صرف الأموال والجهات المستفيدة منها، بالقول: “نحن لا نتعامل إلا مع مؤسسات قانونية معترف بها من السلطة، أو سبق الاعتراف بها من قِبَل الجانب الإسرائيلي. وكل منظمة تتقدم بطلب منحة، تقدم لنا وثائقها القانونية، وتعرض علينا خطة واضحة لعملها، وكيفية صرفها للأموال التي نرسلها إليها، والجهات المستفيدة منها، فنطلب منها التوقيع على شروط العمل ضمن سياسة “إنتربال”، ثم يجري توقيع الاعتماد، ومن ثم يجري بعد التأكد التام من كون الأموال ستصل لمستحقيها دون سواهم تحويل الأموال عبر بنك، وهو ما يزيد الأمر شفافية؛ فالأموال تتنقل من بنك لبنك، وهو ما يسهل الرقابة والمحاسبة.
وقد أنفق الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية الفلسطيني “إنتربال” عام 2002م أربعة ملايين و116 ألفا و619 جنيها إسترلينيا على عمله الإغاثي والتنموي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وصرفت تلك الأموال من خلال 555 منحة، كما هو مثبت في وثائقه.
أنشطة ومشاريع
يكفل الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية 4500 يتيم في مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وكان الصندوق يكفل من خلال الندوة العالمية للشباب الإسلامي في السعودية نحو 4 آلاف يتيم آخرين، غير أن الضغوط الأمريكية جعلت الندوة تتوقف عن تلك الكفالة، فيما يكشف الأضرار التي تسببت فيها حرب “الإرهاب” الأمريكية على الأيتام والعمل الخيري النظيف.
  ويربط الصندوق هؤلاء الأيتام بالمتبرعين الذين ينفقون الأموال لكفالتهم. ويقيم الصندوق بين اليتيم والكفيل علاقة تراسل وتعارف مستمرة، بما يجعل البعد الإنساني حاضرا في الكفالة؛ إذ يتابع الكافل حالة المكفول بشكل منتظم، من خلال الرسائل والصور الشخصية. كما يرسل بعض الكفلاء هدايا بمناسبات الأعياد والمواسم الدينية، بما يجعل العملية تتجاوز بعدها المادي المحض، إلى أبعادها الإنسانية والدينية.
وبالإضافة لكفالة الأيتام، يقيم الصندوق مشاريع تغطي جوانب الرعاية الصحية والتعليم وتنمية المجتمع، فضلا عن مشاريع رمضان التي تقوم على مبدأي دعم الفقراء في هذا الشهر الفضيل، ومحاولة تحريك السوق من خلال دعم المنتج المحلي بشراء البضائع من السوق الداخلية، بما يفيد المزارعين المحليين، وتوزيعها على الفقراء. وتتضمن مشاريع رمضان أيضا توزيع هدايا العيد ومساعدات نقدية للعائلات المحتاجة. وفي عيد الأضحى يقيم الصندوق “مشروع الأضاحي”، ويصرف لدعمه ما يقرب من نصف مليون جنيه إسترليني.
ويتلقى التعليم دعما بارزا من الصندوق الفلسطيني للتنمية. ويتوجه الدعم لرياض الأطفال، ولتوفير الحقائب المدرسية، وإسناد الدروس التعويضية، وتوظيف العاطلين عن العمل، والارتقاء بمستوى العملية التعليمية من خلال مساعدة الطلاب والتلاميذ، وإقامة دورات تأهيلية وترفيهية لهم، في محاولة لإخراجهم من أجواء المواجهات والاضطهاد الناجم عن الحياة تحت وطأة الاحتلال.
اتهامات باطلة
وحين يُوَاجه يوسف بالعديد من الاتهامات الموجهة للصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية -وهي كثيرة- من قبيل كونه ذراعا خيرية لحركات سياسية، وكون أهداف العمل تصب في دعم المقاومة الفلسطينية، مما يجعل من نشاط الصندوق في نهاية المطاف نشاطا غير خيري، وأنه ممارسة للسياسة أو للمقاومة بأشكال ملتوية، يرد ساخرا بالقول: “العمدة في الاتهامات والافتراءات الدليل، وأن حديثا لا دليل يقوم عليه ساقط ولا قيمة له.