سَمَارها الهادئ أجمل خلفية لإبراز وهج عينيه المحبتين للخير والنماء على الدوام، عطائها اللا نهائي جعلها تتربع وحدها في سويداء قلبه من دون منازع، أول درس علمته إياه أن يشمر عن ساعديه ويعمل؛ لأنه من دون جد لن يَجِد. لوحة فنية رائعة كوناها معًا، مفرداتها جداول المياه الصافية، وأشجار الزيتون والنخيل المنثورة بروعة على سطحها، مع حيوان أليف نام في سكينة يجتر أحلام الماضي الجميل، وآخر يطرب لغناء صاحبه وهو يحرث الأرض ويروي الزرع.. كل هذه المعطيات جعلته يرتقى بها إلى منزلة العِرْض.. “الأرض عِرْض يا ولداه”.
هذه هي العلاقة الأزلية بين الفلاح والأرض، وتبقى للفلاح الفلسطيني خصوصيته المتفردة، بعد أن طالت معاول الهدم أرضه، وأحرقت آليات الاحتلال أغصان زيتونه، وردمت جداول مياهه، وقتلت الحيوان الأليف، فـأصبحت الأرض يتيمة بعد التجريف.
المحاولات الإسرائيلية الشرسة لطمس معالم اللوحة الجميلة التي كانت في يوم ما فوق أرض فلسطين، رصدتها عدة تقارير أهمها تقرير صادر عن وزارة الزراعة الفلسطينية في مارس 2005، الذي رصد قيمة الخسائر الناجمة عن خلع الأشجار، وتجريف الأراضي، وتدمير المنشآت الزراعية من قِبَل قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال انتفاضة الأقصى من 29/9/2000 حتى 28/2/2005، بالإضافة إلى بيان آخر صادر عن منظمة العفو الدولية (أمنستي) في إبريل 2004، الذي رصد جرائم المستوطنين التي استهدفت تدمير الثروة الحيوانية الفلسطينية. وغيرها من التقارير التي تناولت الآثار السلبية للجدار العازل على الفلاح الفلسطيني وأراضيه الزراعية.
تدمير وتجريف
ذكر تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية أن إجمالي المساحة التي تم تجريفها من الأراضي الفلسطينية بلغ 76471 دونمًا (الدونم = 1000م2)، وحدد كميات الأضرار المباشرة التي طالت الأشجار ومساحاتها؛ فكانت بالنسبة للزيتون 443965 شجرة على مساحة 20982 دونم، واقتلاع 33771 شجرة نخيل على مساحة 2437 دونم، ونفس الحال مع محاصيل الحمضيات واللوزيات والعنب والموز وفواكه أخرى بإجمالي 2054121 شجرة على مساحة 47851 دونم.
كما أشار التقرير في موضع آخر إلى أنه تم تجريف 12567 دونم من مساحة الأراضي المكشوفة المزروعة بالخضر، و 13881 دونم من مساحة الأراضي المزروعة بمحاصيل الحقل. وقدر التقرير قيمة الأضرار الناجمة عن هذه التجريفات بثلاثة مليارات دولار أمريكي.
أما فيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالمزارعين جراء الممارسات الإسرائيلية الخاصة بهدم المنازل والآبار والمنشآت الزراعية خلال انتفاضة الأقصى، فقد أشار تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أنه تم هدم 765 مخزنًا زراعيًّا، بواقع 723 مخزنًا في قطاع غزة و42 في الضفة الغربية. كما تم هدم 753 مزرعة دواجن بمعداتها، وقتل 14749 رأسًا من الأغنام والماعز، وقتل 12131 رأس أبقار وحيوانات مزرعة. وفيما يتعلق بشبكات الري فقد تم هدم 1326 بركة.
رصد دولي
قتل الحيوانات كما هو مبين في تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية أثار حفيظة منظمة العفو الدولية (أمنستي)، وجعلها تطالب الحكومة الإسرائيلية بالعمل على لجم المستوطنين “الذين ينشرون السمَّ في مراعي مواشي الفلسطينيين” جنوب الضفة الغربية.
وجاء في بيان المنظمة العالمية الذي نشره موقع صحيفة هآرتس الإلكتروني، أن السلطات الإسرائيلية لم تفعل شيئا لتقديم الجناة إلى المحاكمة، مشيرًا إلى أن المستوطنين اليهود رشوا خلال الأسابيع الأخيرة مواد سامة في حقول ومراعي الفلسطينيين جنوب جبل الخليل. واتهم البيان حكومة الاحتلال بأنها غضت الطرف عن تصرفات المستوطنين في مسألة تكرار حوادث رش السم التي أودت بحياة قطعان من المواشي، مضيفًا أن المواطنين الفلسطينيين اضطروا لأكل عدد منها بعد ذبحها.
وحذرت المنظمة الدولية الفلاحين الفلسطينيين -وفق موقع “الجزيرة نت”- من مغبة أكل لحوم المواشي التي تناولت المواد السامة أو حلبها أو صناعة الأجبان منها.
الجدار مرارة أخرى
ويعد جدار الفصل العنصري من أخطر مخططات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. ووفقا لما ذكرته هيئة التنسيق الفلسطينية الموحدة للدفاع عن الأراضي ومواجهة الاستيطان في شهر يوليو 2003، فإن إسرائيل ضمت أكثر من 10% من الأراضي الفلسطينية الأكثر خصوبة وغنى بالماء في الضفة الغربية من خلال هذا العمل. كما حذرت الهيئة الفلسطينية العامة للاستعلامات في تقرير أصدرته بهذا الشأن من سعي إسرائيل للاستيلاء على أكثر من 45% من مساحة الضفة بهذا الجدار.وقدرت مساحة الأرض التي صادرتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل من مالكيها الفلسطينيين بـ 1100 هكتار ( الهكتار = 10000 م2)،
وهي أكثر الأراضي الفلسطينية خصوبة، ويعمل بها ربع السكان المحليين، وتدر ما مجموعه 900 ألف دولار في الكيلومتر المربع الواحد؛ أي ضعف ما تدره الحقول الأخرى في مناطق الضفة والقطاع. ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن الأراضي المصادرة تنتج حوالي 45% من الإنتاج الزراعي الفلسطيني.
وبذلك يكون المزارعون الفلسطينيون والأراضي الزراعية الأكثر تضررا، فحتى الأشجار لم تسلم من زحف الجدار؛ حيث اقتلعت قوات الاحتلال حسب تقرير الأمم المتحدة حتى الآن أكثر من 102 ألف شجرة. كما حرم الجدار الذي يمتد بطول 35 كيلو مترا في القطاع الغربي و75 كيلو مترا في القطاع الشرقي، المواطنين من الإفادة من 100 ألف دونم زراعي، منها 24 ألفا في محافظات طولكرم وجنين وقليقيلية. علمًا بأن ما تم إنجازه بهذه المرحلة يبلغ 180 كيلو مترا من أصل 730 كيلو مترا صادقت عليها الحكومة الإسرائيلية.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72472
