طالب واحد وجامعات ثلاث
اطلب العلم ولو في الصين.. قول مأثور يحث على طلب العلم حتى لو تطلب الأمر السفر وما يستتبعه من مشاق، ولكن ماذا لو تحول كل هذا الحث على تحمل المعاناة إلى مشقة تعمل على تعطيل تحصيله بل وإهدار الوقت؟ هذا ما حدث حين أجبر الإغلاق والحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية طلبة “كلية الطب” بجامعة الأزهر بغزة على الدراسة في ثلاث جامعات داخل وخارج الوطن المحتل في الوقت ذاته.
الحكاية من البداية
تبدأ الحكاية عندما سعت وزارة الصحة الفلسطينية مع كل من جامعة أبو ديس بالقدس وجامعة الأزهر بغزة وجامعة النجاح بنابلس لإنشاء كلية الطب الأولى في فلسطين عام 1997، فاتفق على أن تكون جامعة أبو ديس مقرا لكلية شاملة على أن تتوزع فروعها ما بين نابلس وغزة والقدس؛ وذلك لكونها أول جامعة فلسطينية تبادر بإنشاء أول كلية طب فلسطينية.
وتم استقبال الطلبة الجدد الذين لم يزد عددهم عن 15 طالبا حسب الإمكانيات المتاحة، لكن منذ 5 سنوات تغيرت الظروف كلها؛ حيث منعت السلطات الإسرائيلية طلبة غزة من الوصول لجامعة أبو ديس لتلقي الكثير من المواد العلمية التي لا يمكن تحصيلها بجامعة غزة، وكذا تعطيل وصول أوراق الامتحانات وهو ما أدى إلى استعانة الجامعة بأطباء إكلينيكيين -من غير هيئة التدريس بالجامعة- يدرسون المنهج بعد استحالة وصول الأكاديميين من جامعة أبو ديس، هذا بالإضافة إلى الاستعانة بجامعات مصرية لسد نقص تدريس بعض المواد العملية، وتحمّل الطالب المسئولية الكبرى في الدراسة. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فقد أضاع إغلاق معبر رفح فصول دراسية كاملة عليهم، ناهيك عن المعاناة القاسية التي يتعرضون لها خلال السفر.
المعاناة كبيرة لكن التحدي دفع الجميع لاستكمال المشوار في ظروفه الصعبة جدا، ليصبح طلبة الكلية الذين حاورتهم “إنسان أون لاين” طلبة في ثلاث جامعات يتنقلون بين غزة ومصر ويسعون للذهاب للقدس، وللحكاية تفاصيل نذكرها على ألسنة أصحابها.
حلم تحول إلى كابوس
ميساء.. فتاة فلسطينية في بداية العشرينيات من العمر، طالبة في السنة الرابعة بكلية الطب جامعة الأزهر بغزة تقول: “منذ كنت طفلة وأنا أحلم باليوم الذي أصبح فيه طبيبة، وما أن حصلت على مجموع عال في الثانوية العامة حتى كانت أول وآخر خياراتي دراسة الطب. “كنت أول من سجل في جامعة الأزهر في كلية الطب، وبدأ الحلم يسير يوما بعد يوم إلى أن أصبح كابوسا مزعجا”؛ فمنذ 5 سنوات تغير كل شيء على أرض فلسطين؛ فرض الحصار والإغلاق ومنع التحرك داخل المدن، وتم فصل الضفة الغربية والقدس عن قطاع غزة، كان قد مضى عام بأكمله على الدراسة، وظروف التحدي المعهودة تدفع الجميع لاستكمال المشوار، فالإمكانيات قليلة والتواصل صعب مع المصدر الأساسي في جامعة أبو ديس.
تضيف ميساء: “كان علينا الاستمرار، فاستعانت الجامعة بأطباء إكلينيكيين وليس أكاديميين للتدريس لنا، فكان يقع علينا الجانب الأكبر من الاجتهاد في التعلم”.
هذا الوضع دفع إدارة الجامعة إلى الاستعانة بالجامعات المصرية بعد تنسيق دقيق بين الجامعة في غزة وجامعات من مصر كجامعة طنطا وجامعة الأزهر بالقاهرة، وهناك قام الطلبة بدراسة مجموعة من المواد التطبيقية التي يلزم الخضوع لها في هذا التخصص.
وهنا تتحدث “ميادة” -التي تحلم بالتخصص في طب الأطفال- فتقول: “كانت المادة الدراسية تتعلق بتشريح الجسم كله تشريحا نظريا للرقبة، وفي جامعة طنطا كان علينا أن نجاهد في توضيح الهدف الذي جئنا من أجله وكيف أفقدتنا الظروف الكثير من المتابعة”. تصمت قليلا ثم تتابع بابتسامة: “كان الوقت قد فرض علينا أن يضغط تدريس المواد في أسبوعين، لكنني أستطيع أن أؤكد أن المحاضرات نسبيا جيدة، والحمد لله عوضنا ما فاتنا”.
معبر رفح همّ ومعاناة
عادة ما يكون سفر الطالب فائدة لصقل المواهب وكسب المعارف والثقافات، إلا أن يكون عبر معبر رفح الحدودي، فلا يختلف اثنان على كون هذا المعبر -وبفعل المضايقات الإسرائيلية- معبرا للمعاناة والهموم والأحزان.
ما إن ذكر اسم معبر رفح حتى ظهرت علامات الألم والضيق على وجه ميساء، وقالت: “مهما تحدثت عن هذه المعاناة لا أعتقد أني أستطيع وصفها.. عند معبر رفح تبدأ المعاناة ولا تنتهي، غالبا ما يكون مزدحما ويبدأ مسلسل الوساطات من أجل دخولنا كمجموع طلبة يحاصرنا الوقت في الوصول للجامعة وتلقي المواد، لكن إغلاق هذا المعبر في شهر يونيو 2002 تسبب في ضياع عام دراسي كامل لم نستطع تعويضه”.
امتلأت عيناها بالدموع لكنها جاهدت في مسحها لتواصل حديثها: “بعد طول انتظار مجبرين عليه تم السفر في 11-12-2002 لكن ليس إلى جامعة طنطا كما كان مفروضا علينا بل إلى جامعة الأزهر؛ وذلك بسبب ضياع فترة التنسيق في الانتظار على المعبر، وهذا أقل ما يحدث عادة بالمعبر.
“أحمد” أحد الطلبة الذين قبلوا في الدفعة الأولى بكلية الطب جامعة الأزهر، يتحدث لنا عن معاناة خصته بها قوات الاحتلال الإسرائيلي كشاب فلسطيني: “منعت قوات الاحتلال الشباب ممن تقل أعمارهم عن 35 عاما من العبور عبر معبر رفح الحدودي، وكان ذلك في المرة الثانية للسفر أي في نهاية سنة رابعة 2004، وكما يقول: “توقعنا أن الأمر مؤقت وأن وضعنا كطلبة وتحت الضغوط الرسمية قد يتيح لنا السفر عبر المعبر الممنوع علينا، وفعليا أوعزت الجامعة للطالبات بالسفر على أن أمل أن نلحق بهن”، يصمت قليلا ثم يواصل: “عشنا وضعا مأسويا جدا، كانت الزميلات هناك ينتظرن وصولنا للدراسة سويا كما هو مخطط، ونحن هنا نلزم المعبر كل يوم ونحمل حقائبنا على أمل الدخول، وبقي هذا الوضع السيئ جدا 16 يوما مرت وكأنها 16 عاما، وبعد فشل كافة المحاولات أجبرت الطالبات على العودة على أن نتدبر أمورنا العلمية في الجامعة بغزة”.
أوراق الامتحانات محاصرة
تعد امتحانات المرحلة النهائية للتقييم أهم ما يستعد له الطلبة، والذي يحدث في غالب الظروف أن يتم وضع هذه الامتحانات من قبل الأساتذة الذين يدرِّسون المنهج، إلا أن الوضع يختلف في كلية الطب بالأزهر؛ حيث تعد الامتحانات بالشراكة بين أساتذة جامعة أبو ديس بالقدس، وجامعة النجاح بالضفة، وجامعة الأزهر بغزة.
تنتقد “ميادة” الامتحانات؛ لأنها تطالبهم بأكثر مما يُشْرح لهم من قبل الأطباء الإكلينيكيين الذين يدرسونهم المواد على ضوء خبرتهم العملية لا الأكاديمية. وتستمر بالحديث: “علينا أن ندرس المنهج من صفحة البسملة إلى (تم بحمد الله). هناك كتب تتجاوز الألف صفحة تختصر إلى مائة لكننا مطالبون بدراسة الألف، ماذا نفعل حينها؟ لا نملك إلا الاعتماد على أنفسنا في الدراسة، لقد تعودنا ذلك.. منذ البداية نأخذ ما يدرسه لنا الأطباء الإكلينيكيون الذين يبذلون ما لديهم، والباقي علينا أن ندرسه ونفهمه”.
وهنا تأخذ “ميساء” بطرف الحديث لتشير إلى تأخر وصول ورق الامتحانات من جامعة أبوديس إليهم في غزة لكنها متأكدة هي وزملاؤها أن التقصير ليس من مسئولي الجامعات؛ بل ناتج عن تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وتقول: حدث ذلك في عام 2002 عندما كنا عائدين من جامعة الأزهر بالقاهرة في 15 مارس، وهو ما عرضنا إلى قلق نفسي، وكان من المفترض أن نخضع للامتحانات فورا، لكنه لم يتم ذلك إلا في 10-4 حينما سمحت قوات الاحتلال بدخول الامتحانات عبر حاجز بيت حانون المنفذ الوحيد بين الضفة والقطاع.
الإمكانات والجهود
واتجهنا بمشاكل ومعاناة الطلاب إلى الدكتور “شحادة زعرب” القائم بأعمال عميد كلية الطب بالأزهر، الذي بدأ الحديث بالتأكيد على أن الخطة الدراسية واحدة تطبق بالجامعات الثلاث القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وأن أطباء ذوي كفاءة عالية يحملون شهادات متميزة تولوا مهمة التدريس للطلبة الذين منعوا من الذهاب للقدس لمتابعة الدراسة هناك.
وأضاف: “كان من حسن حظهم التعلم على أيدي أطباء مصريين ذوي خبرة عالية في كافة المجالات الطبية، وإذا كان البعض من الطلبة يبدي استياءه من صعوبة السفر فأنا أرى فيه إفادة كبيرة؛ فهم يحصلون على خبرة من أساتذة مصريين متخصصين في كافة المجالات وليس مجرد تطبيق مقرر، كما أنهم يكوِّنون علاقات شخصية. وأقول لهم: “إن عليهم التحمل كما عودونا دائما؛ فالظروف تفرض علينا جميعا ذلك، وأنا شخصيا أسافر معهم وأمر بالمعاناة التي يمرون بها”.
أما عن الحاجة لتوفير الإمكانيات والأدوات في كلية الطب بالأزهر فقال د.زعرب: “الحاجة ملحة والإمكانيات فعلا ضعيفة جدا، نحن بحاجة لمختبرات طبية ومستشفى جامعي على المدى البعيد، وهذا معتمد كله على الدعم الذي قد تحصل عليه الكلية”.
صحفية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72476