ساهم جدار الفصل العنصري الذي شرع الإسرائيليون في بنائه في يونيو 2002 بشكل كبير في تفتيت الأراضي الفلسطينية وعزلها في جيوب مغلقة، فضلا عن تشريد عشرات المئات من أسر الشعب الفلسطيني، مع تجريف مساحات شاسعة من أجود أراضيه؛ الأمر الذي خلق بدوره مأساة إنسانية جديدة تضاف إلى جملة المآسي التي يعيشها هذا الشعب.
“إنسان أون لاين” التقى عددا من الأسر الفلسطينية المتضررة من بناء هذا الجدار، ورصد المعاناة الاجتماعية التي تعانيها بعد أن شطر الجدار عائلاتهم نصفين، وتعذر لم شمل الأسرة إلا من خلال تصريح عزيز من قبل سلطة الاحتلال. كما رصد جملة الخسائر المادية التي لحقت بالشعب الفلسطيني جراء بناء هذا الجدار.
تصريح لرؤية الأرض
عندما بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي جريمة بناء جدار الفصل العنصري أكدت أنها ستمنح المزراعين الذين حجبهم الجدار عن أراضيهم تصاريح تمكنهم من دخولها، غير أنها سرعان ما تعاملت مع هذه الأراضي على أنها أراض إسرائيلية؛ في خطوة مدروسة لمحاولة فرض الأمر الواقع باتباع سياسة التعنت ضد هؤلاء الفلاحين.
يتحدث “أبو إبراهيم” -وهو فلاح فلسطيني من “سلفيت”- عن تجربته مع التصاريح التي يلزمه استخراجها كي يستطيع الذهاب لأرضه التي فصله عنها الجدار العنصري، قائلا: كي أذهب إلى أرضي يتعين علي الحصول على أربعة تصاريح من الجانب الإسرائيلي؛ أولها تصريح للإقامة في بيت هناك، وآخر لرؤية أرضي، وثالث لدخول ما أصبح الآن بحكم الواقع خارج ما يسمى الخط الأخضر، ورابع للسماح لي باجتياز البوابة الغربية لدخول الخط الأخضر.
ويتابع: عملية الحصول على هذه التصاريح ليست بالأمر السهل؛ فقد يعطوني ثلاثة ويتعنتون معي في الرابع؛ فلا أستطيع الوصول لأرضي. إنهم يتعنتون معنا حتى نضطر لترك الأرض أو نبيعها لهم.
أما المزارع “عماد صبحي” -الذي يسكن في “عبلين” التابعة لمحافظة جنين- فيقول: لقد صادرت السلطات الإسرائيلية أرضي لتبني عليها الجدار، وأصبحت أعيش من دون مصدر رزق، بعد أن كنت مستورا أنا وأسرتي من ريع الأرض.
ويضيف: أحوالي المعيشية الآن صعبة جدا؛ فبعد أن كنا ننتج زيت الزيتون ونبيعه أصبحنا الآن لا نجد المال لنشتري كميات منه لبيتنا.
تقطيع الروابط الاجتماعية
المجتمع الفلسطيني -شأن بقية المجتمعات العربية والإسلامية- يعلي من شأن التواصل العائلي والأسري، ناهيك عن علاقات الصداقة والجيرة التي لا تقل شأنا عن سابقتها، هذا التواصل تأثر جدا بعد أن أتى الجدار العازل، وشطر بعض المدن والقرى والعائلات إلى نصفين، ولا تسمح سلطات الاحتلال بتبادل الزيارات بين أهالي هذه المناطق إلا من خلال تصاريح من جانب سلطة الاحتلال.
هذا الواقع المزري الذي خلقه جدار الفصل العنصري يتحدث عنه “إبراهيم عزت” من “عبلين” بالقول: قسم الجدار عائلتي إلى نصفين، حاولت الحصول على تصاريح لي أنا وأسرتي لزيارة شطر العائلة التي يحجبنا عنها الجدار؛ فلم يعطوني سوى تصريح لي وحدي من دون زوجتي وأولادي، والتصريح بالنسبة لنا الآن يعني خروجنا من السجن الذي وضعنا فيه الجدار؛ حيث الانطلاق لرؤية هذا القريب، أو تلك الأخت.
ويضيف: لا أتذكر أنه كان يمر يوم أو اثنان دون أنا أخرج أنا وزوجتي لزيارة أختي، أو أهل زوجتي التي أصبحت لا تستطيع الآن الوصول إلى بيت أهلها. وهذا حال الكثيرين من أبناء قريتي.
ويتذكر إبراهيم موقفا مؤلما صادفه عند واحدة من البوابات الموجودة بالجدار أثناء زيارته لأخته، قائلا: خرجت للعمل، وعند البوابة كان في داخل القرية رجل وابنه الصغير -3 سنوات – وخارج البوابة زوجته وباقي أبنائه، وكانت هذه السيدة قد خرجت من دون تصريح لزيارة أهلها، وفي العودة لم تسمح لها قوات الاحتلال بدخول القرية، وفي وقت عصيب أخذت تستعطف الجنود على البوابة كي يسمحوا لها بالدخول، وكان طفلها الذي مع أبيه يصرخ طالبا أن يخرج لأمه، أو أن تدخل هي إليه، لكن هذا لم يحدث، ولم تتمكن الأم من دخول القرية.
أما “الحاجة مريم” من “عبلين” تقول: أصبحنا في سجن كبير، عندما أحاول الخروج من هذه القرية للعلاج أتألم كثيرا، ويصيبني القلق والخوف من مشوار هذا العلاج عبر البوابات والتفتيش؛ فما بالك إذا أردت أن أقصد بيت ابنتي التي تعيش هي وأبناؤها في قرية مجاورة حجبها عني الجدار، لم أتمكن من زيارتها منذ عدة أشهر، بعد أن كنت أراها أسبوعيا.
ومن جانبه يعلق محمد الأسمر -عضو لجنة مناهضة الجدار في جنين- بالقول: العلاقات الاجتماعية في بعض قرى جنين التي قسمها الجدار العنصري أصبحت منقطعة الأوصال، كما الحال في قرى (مثل: الطيبة، والطيرة، وزلفي) التي بات أهلها يتناقلون أخبارهم عبر الجدار من خلال مكبرات الصوت.
ويتابع: لقد قطع الجدار العنصري أوصال العائلات داخل أراضي 48 مع ذويهم في الضفة الغربية، مشيرا إلى أنه لا يمكن الدخول إلى أي منطقة من دون تصريح من الجهات الإسرائيلية التي تتفنن في منع هذه التصاريح.
خسائر اجتماعية واقتصادية
أكدت دراسة استقصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن 9,6% من الأسر الفلسطينية الموجودة غرب الجدار لم تتمكن من زيارة أقاربها، مقابل 63,5% من الأسر المعيشية التي تعيش شرق الجدار.
وأشارت الدراسة أن القدرة على ممارسة الأنشطة الاجتماعية والثقافية قد تضررت بالنسبة لـ38,3% من الأسر التي تعيش غرب الجدار، والتي شملتها الدراسة، في مقابل 84,4% من الأسر المعيشية التي تعيش شرق الجدار.
كما أصبح الجدار عقبة أمام الزواج بين الأفراد الذين يعيشون على جانبي الجدار بالنسبة لـ50,4% من الذين شملتهم الدراسة الاستقصائية؛ حيث أصبح أفراد الأسرة معزولين عن بعضهم البعض.
وتؤكد دراسة أخرى صادرة عن المركز نفسه أن الجدار العنصري تسبب في تهجير أكثر من 2000 أسرة فلسطينية، تشمل 11.461 فردا، منهم 6.379 من الذكور و5.082 من الإناث.
وتذكر الدراسة أن محافظة القدس المحتلة كان لها النصيب الأكبر من عمليات التهجير؛ إذ هُجّر منها 1.150 أسرة تضم 5.920 فردا.
وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية التي وقعت على الشعب الفلسطيني جراء بناء الجدار العنصري ذكرت “هيئة التنسيق الفلسطينية الموحدة للدفاع عن الأراضي ومواجهة الاستيطان” في شهر يوليو/ تموز 2003 أن إسرائيل ضمت أكثر من 10% من الأراضي الفلسطينية الأكثر خصوبة وغنى بالماء في الضفة الغربية في إجراءات بناء الجدار.
كما حذرت الهيئة الفلسطينية العامة للاستعلامات في تقرير أصدرته بهذا الشأن من سعي إسرائيل للاستيلاء على أكثر من 45% من مساحة الضفة بهذا الجدار.
وتم تقدير مساحة الأرض التي صادرتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل من مالكيها الفلسطينيين بـ1100 هكتار (الهكتار= 10000م2)، وهي أكثر الأراضي الفلسطينية خصوبة، ويعمل بها ربع السكان المحليين، وتدر ما مجموعه 900 ألف دولار في الكيلومتر المربع الواحد؛ أي ضعف ما تدره الحقول الأخرى في مناطق الضفة والقطاع، ووفق تقديرات البنك الدولي فإن الأراضي المصادرة تنتج حوالي 45% من الإنتاج الزراعي الفلسطيني.
وبذلك يكون المزارعون الفلسطينيون والأراضي الزراعية الأكثر تضررا -حتى الأشجار- لم تسلم من زحف الجدار؛ حيث اقتلعت قوات الاحتلال حسب تقرير الأمم المتحدة حتى الآن أكثر من 102 ألف شجرة. فالجدار الذي يمتد بطول 35كم في القطاع الغربي و75كم في القطاع الشرقي قد حرم المواطنين من الإفادة من 100 ألف دونم زراعي، منها 24 ألفا في محافظات طولكرم وجنين وقلقيلية. علما بأن ما تم إنجازه بهذه المرحلة يبلغ 180كم من أصل 730كم صادقت عليها الحكومة الإسرائيلية.
**صحفية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72477
