وجع البعاد يعصف بأسر النازحين الفلسطينيين
معاناة شديدة يعيشها عدد من أبناء الشعب الفلسطيني بسبب الظروف التي فرضت عليهم أن تتفرق الأسرة الواحدة داخل وخارج الأراضي الفلسطينية. “إنسان أون لاين” يفتح ملف النازحين من أبناء الشعب الفلسطيني، من خلال عرض نماذج واقعية لهذه الأسر، مع عرض للمعاناة النفسية والاجتماعية التي ترزح تحتها، وكذا عرض للجهود الفلسطينية الرسمية لحل أزمة هذه الفئة المعذبة من هذا الشعب المناضل.
أم صبري سالم” تعيش وأسرتها في مخيم الشاطئ بقطاع غزة، وهي تمثل
نموذجا عمليا للأسر التي تعاني من نزوح واحد من أفرادها، وعدم تمكنه من العودة إلى
وطنه وأسرته، تقول أم صبري:
كنت وأولادي نقيم في الأردن مع الزوج قبل 4 سنوات، قررنا العودة إلى
أرضنا ووطننا فجئت مع الأولاد إلى غزة، كان من المفترض أن يلحق الزوج بنا، لكن
تصادف أن اندلعت انتفاضة الأقصى في هذه الأثناء فلم يتمكن من الحصول على تصريح
بالدخول إلى فلسطين ليجتمع شملنا ثانية.
بين ليلة وضحاها وجدت نفسي المسئولة وحدي عن أبنائي السبعة، في بداية
الأمر عشت في بيت أهلي، شاركتهم حاجاتهم المتواضعة لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، عملت
خلال تلك السنوات في إحدى المؤسسات الأهلية، واثنان من أبنائي اللذان تركا المدرسة
تمكنا من ادخار بعض النقود ساعدتنا في شراء بيت صغير مستقل.
حالة زوجي النفسية غاية في السوء نتيجة البعد عنا، إنه يرسل لنا صوره
الشخصية مع كل زائر، وكذلك صورة وثيقة الهوية الخاصة به؛ على أمل عودة استصدار
التصاريح، لكن هذا لم يحدث منذ أكثر من أربع سنوات.
تصوروا!! كم من الصعب أن نعيش كل تلك السنين في انتظار ورقة كي تعود
حياتنا كالآخرين، ورقة تسمح لأب بأن يأتي للقيام بمهام تربية أبنائه السبعة.
مسئولية في الغربة
أما “أم أحمد” في العقد الثالث من عمرها فتحكي قصتها مع النزوح
وتقول: في العريش المصرية كان مولدي وجزء من حياة الطفولة والصبا، إلى أن انتقلت
بعد خطبتي إلى غزة لإتمام مراسم الزواج.
وتتابع: لم يمضِ العام الأول على زواجي حتى رزقت بأحمد، كانت الزيارة
الأولى لأهلي بالعريش بعد ولادته، صحبته معي حين أتم عامه الأول، سعدت كثيرا
بالزيارة التي جاءت تلبية لنداء أمي.
وتضيف: بعدها ساءت ظروفنا المعيشية واقتصر الأمر على الاتصال وإرسال
بعضا من الصور والهدايا الرمزية من خلال قريب كثير السفر ويمر بالعريش. مرت سنوات
ست ولم أرَ أمي وأبي، كان هذا الأمر يزعجني ويضيق صدري كثيرا لكن ما باليد
حيلة.
وتشير إلى أنها بدأت تفكر في زيارة أسرتها بالعريش مليا بعدما أخبرها
والدها بأن أمها تعاني من أزمة قلبية حادة وتود أن تراها، فدبرت ما تحتاجه من نقود،
وذهبت وأولادها الخمسة إلى العريش كي تطمئن على أمها، كان ذلك في 15 سبتمبر 2000،
كانت تنوي العودة خلال أيام لا تتجاوز الـ 15 يوما.
وتوضح أن انتفاضة الأقصى اندلعت في 28 سبتمبر 2000، ولم تتمكن من
العودة إلى غزة ثانية؛ حيث إن قوات الاحتلال أغلقت المعابر ومنعت دخول أو خروج
الفلسطينيين، كما أنها منعت إصدار تصاريح الزيارة، وبهذا حكم عليها وأطفالها الخمسة
بالبعد عن الزوج في فلسطين الذي كان قد وعدها باللحاق بهم للاطمئنان على حماته.
وتختم بقولها: الاحتلال فرق بيننا، وشتت شملنا، أضحيت أنا وأطفالي في
العريش وهو في غزة، كلٌّ منا ينتظر عودة الآخر، لقد تملك الشوق قلوبنا وأحرق الدمع
عيوننا، ولم يتغير الحال. آمل أن أعود إلى جدران بيتي بفلسطين.
المعاناة واحدة
معتز رجل في الخامسة والثلاثين من العمر يروي قصته التي غيرت مجرى
حياته منذ أربع سنوات فيقول: زوجتي مريم من الفلسطينيين النازحين منذ عام 1967،
يقطن أهلها في مخيم اليرموك بالأردن، شاء القدر أن تأتي في زيارة إلى فلسطين، كان
ذلك مع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية وبداية الحكم الذاتي الفلسطيني، وبمجرد
رؤيتي لها أحببتها وتزوجنا.
ومنذ 5 سنوات سافرت زوجتي لزيارة ذويها بالأردن، وبقيت أنا في فلسطين
نظرا لظروف العمل، وأغلقت إسرائيل المعابر، وبما أن زوجتي نازحة ولا تحمل الهوية
الإسرائيلية فلا يحق لها الدخول إلى الأراضي الفلسطينية ثانية، ومن ثم لم تتمكن من
العودة إلى الآن.
ويضيف: حاولت بكل الطرق استقدامها إلى هنا ثانية ولكن دون جدوى، لقد
ذهبت الزوجة والطفلان وبقيت هنا وحيدا لا يجوز لي الخروج من غزة، فأنا أيضا بلا
هوية إسرائيلية.
كان أبو معتز يحادث زوجته عبر (الماسنجر)، استأذنته في الحديث معها
لفترة قصيرة فلم يمانع فبدأتني بقولها: حاجة معتز وأخته ريما لأبيهم كبيرة، وشوقي
له قد تعدى الوصف. كم هو صعب عليَّ الانتظار؛ فالأحوال في فلسطين لا تعرف التحسن،
أولادي قد كبروا من دون التمتع بحضن أبيهم.
وتساءلت: من بوسعه تحمل كل هذه الصعاب والآلام؟ سئمت الحياة والغربة،
ووجع البعاد يؤلمني، وهنا راح أبو معتز يهدئ من روع زوجته قائلاً: “لا تحزني
عزيزتي.. فإن الله معنا”.
آلام اجتماعية ونفسية
فرض النزوح واقع جديد على الأسرة الفلسطينية، عن هذا الواقع يقول
الدكتور فضل أبو هين أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الإسلامية بغزة: من المعروف أن
الواقع النفسي والاجتماعي للإنسان يتشكل من خلال مؤسسة الأسرة، وبالتالي غياب أي من
الأب والأم يؤثر بالسلب على الأبناء، على خلفية أنهما من يكسبه الأنماط السلوكية
التي ترتضيها البيئة الاجتماعية التي يحيا فيها الفرد.
ويتابع: في حالة الغياب أو التشتت يكون ثمة حرمان وغياب لمصدر التعلم
الطبيعي للأبناء، وهذا الوضع يجعل العبء ملقيا على عاتق من هو موجود مع الأبناء
سواء الأب أو الأم. ويؤكد أبو هين أن عوامل الضبط والتنظيم والترتيب داخل البيت
تختل وتتأثر في حالة النزوح والتفريق.
ويشير الدكتور عبد الكريم سكر مدير مديرية الشئون الاجتماعية بغزة
إلى أن عملية النزوح لها آثار اجتماعية بالغة، وبخاصة عندما يفقد الاتصال بين
الأسرة الواحدة، كما في علاقات الخطوبة، وفي هذا يقول: لقد أصبح هناك الكثير من
المرتبطين معلقين، الخطيب في بلد وخطيبته في بلد منذ بدأت الانتفاضة، وعندما حالت
الظروف السياسية دون إتمام الزواج اضطر الطرفان إلى إنهاء العلاقة، وهو ما أحدث
شرخا في العلاقات الاجتماعية خاصة أن أغلب هؤلاء أقارب.
أما الدكتور أحمد أبو عيطة، أستاذ علم النفس في برنامج غزة للصحة
النفسية فيؤكد أنه عندما تتفرق الأسرة يكون كل فرد فيها عرضة لأن يكون فريسة سهلة
للمرض النفسي نتيجة حالة الفقدان العاطفي التي يعانيها، مشيرا إلى أن الدراسات تؤكد
أن المطلقات والأرامل والنازحين هم الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية.
ويتابع: أنصح الأسرة التي تعاني من نزوح أي فرد من أفرادها بالحرص
على إقامة علاقات متعددة مع الأصدقاء والجيران، فقد يكون ذلك أحد أشكال التعويض
المؤقت، وتقوية أواصل الدعم الاجتماعي، للتخفيف من آثار غياب أو تفريق الأسرة.
لم الشمل
تقوم الجهات الحكومية الفلسطينية بجهود متواصلة لحل أزمة النازحين
خاصة ذوو الأسر المعلقة والمفرق بين أفرادها، وفي هذا يقول ماجد الحلو، مدير
العلاقات العامة والإعلام بوزارة الشئون المدنية الفلسطينية: جل جهدنا ينصب لتمكين
النازحين خارج القطاع من دخوله، وتمت مؤخرا الموافقة على استصدار 45 ألف تصريح
زيارة من قبل الجانب الإسرائيلي، ونأمل تنفيذ ذلك قريبا.
وأوضح الحلو أنه تم مؤخرا الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على منح 25
ألف فلسطيني وثائق تسمى “لمّ شمل”، وسيتم تنفيذ استصدارها خلال الأيام المقبلة،
مشيرا إلى المماطلة الدائمة للإسرائيليين في هذا الجانب.
**صحفية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72478