قرية بيت الأقصى.. زهير يدفع الرواتب

في نهاية الشهر الماضي تجمع حشد في قاعة قرية بيت الأقصى في الضفة الغربية للمشاركة في عمل غير مألوف، وهو دفع رواتب لحوالي 75 شخصا، وكلهم من العاملين في السلطة الفلسطينية. وكانوا شأن بقية الموظفين الفلسطينيين البالغ عددهم 150 ألفا من العاملين في الخدمة المدنية والمعلمين ورجال الشرطة ممن لم يتسلموا رواتبهم لفترة تقترب من الشهرين؛ نتيجة لتجميد المساعدات الدولية في أعقاب فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير الماضي.
ولكنْ لهذه القرية نصير، هو مواطن تحقق له الرفاه في الإمارات العربية المتحدة، وعلى الرغم من أنه عاد إلى مسقط رأسه مرات قليلة منذ مغادرتها مع عائلته في أعقاب حرب 1967، فإن زهير جبران ظل عبر السنوات يتذكر قريته في أيام المصاعب.
وأشار تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في 13-5-2006 عن قرية بيت الأقصى، إلى أنه وبسبب عجز الحكومة عن دفع الرواتب، قرر جبران القيام بالعمل. فقد بدأ كل موظف حكومي، بمن في ذلك المعلمون من القرى المجاورة، تسلم راتب شهري بقيمة 325 دولارا من حسابات جبران الخاصة.
وبما أن حكومتهم تواجه غياب المساعدة الدولية يعيش الفلسطينيون حياة متواضعة في أوقات شاقة. ويواصل الآلاف من الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة طريقة حياتهم وسط أزمة مالية عميقة بمساعدة من أبنائهم المواطنين المغتربين، وبمعونة بعضهم بعضا. وتدعم الرواتب الحكومية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما يقرب من مليون شخص في الأراضي المحتلة، وفي أماكن مثل هذه تعتبر الأموال شريان الحياة الاقتصادي للمجتمع. ويقول العاملون في البلدية: إن أغلبية سكان القرية البالغ عددهم حوالي الألفين يعتمدون على رواتب السلطة الفلسطينية باعتبارها المصدر الأساسي لدخلهم.
وقالت حنان زايد (36 عاما) التي تقوم بتدريس الرياضيات في مدرسة بيت الأقصى الابتدائية للبنات الواقعة على سفح تل يطل على الطريق العام الذي يربط القدس وتل أبيب، قالت: “وصلنا مرحلة حرجة؛ حيث بعض الناس لا يملكون شيئا”. ولهذا فإن العائلات التي تعيش هنا في بيوت حجرية تخفض نسبة الإنفاق وتبيع بعض الموجودات والأمتعة، وأفرادها يشعرون بالقلق مما يمكن أن يحدث في الأسابيع المقبلة، ومواقع البناء مهجورة بينما أسواق الخضار خالية.
ولكن نمطا جديدا من القواعد الاجتماعية يتشكل الآن وفقا لما يقوله الناس؛ فالعائلة التي لديها ما يكفي من المال لإعداد كمية كبيرة من العشاء في ليلة معينة ستشارك الجيران طعامها. ويرفض سائقو سيارات الأجرة أخذ أجور من الركاب. والموظفون المدنيون الذين لديهم موارد دخل أخرى، مثل أولادهم الذين يعملون في أنحاء أخرى من العالم، يطلبون تحويل مرتباتهم الشهرية التي يدفعها جبران إلى آخرين ممن هم بحاجة إليها.
وقال باجز محسن (70 عاما)، وهو رئيس مجلس البلدية: “نحن مثل نموذج للقرى القريبة، ولكن لدينا من يساعدنا، بينما الآخرون ليس لديهم من يساعدهم”.
وفي هذه القرية الواقعة على بعد أميال قليلة شمال القدس هناك غضب عارم تجاه إسرائيل والولايات المتحدة اللتين توجه إليهما اللوم على إفقارهم.
ولا يزال جبران يملك منزلا هنا. وقال ابن عمه عجاج: إن جبران زار البلدة آخر مرة في عام 1995، وإنه يقسم وقته بين الإمارات والأردن. وأضاف أن جبران، الذي لم يمكن الاتصال به، يستثمر أمواله في سوق الأوراق المالية.
وأشار عبد الرحمن محمود، وهو طالب في المرحلة الثانوية في نفس المدرسة التي تعلم فيها جبران:، إلى أنه وزملاء المدرسة يتحدثون عما سيشترونه عندما يحصل أهاليهم على مرتباتهم مرة أخرى. وقال إن مصروفه اليوم يكفي لشراء حلويات. وأضاف محمود وهو واحد من 6 إخوة: “يحاول والدي، بقدر الإمكان أن تبدو الأمور طبيعية، ولكني أعرف أنه يدين بكثير من المال. وستسوء الأمور ما دمنا نتعرض للعقاب بسبب اختيارنا”.
وتعتمد الأسرة بأكملها على مرتب الأب الذي يعمل بالتدريس، وكان يقف خلفه جمال غيث، وهو في السادسة والأربعين من عمره يملك محل بقالة مزدحما بالبضائع. وقال غيث وهو شقيق سائق سيارة الأجرة، إن دخله انخفض بنسبة 70 في المائة في الشهرين الماضيين، وأصبح مدينا بما يقرب من 10 آلاف دولار.