“برصاصات مجهول قتل حلم رنا بأن تصبح طبيبة بعد دقائق من خروجها من المنزل برفقة صديقاتها العراقيات لأداء امتحاناتها في كلية الطب، ويموت حلمها قبل أن يرى النور”.
بهذه العبارات المختلطة بالدموع روت السيدة “إبتسام الزعانين” من بلدة بيت حانون في قطاع غزة لمراسل “إنسان أون لاين.نت” مرارة فقدانها لابنة أخيها في العراق في الذكرى الـ58 للنكبة الفلسطينية.
ولم تكن “رنا” الحلقة الأولى من مسلسل القتل في أقاربها الذي بدأ بمقتل اثنين من أبناء خالها وهما في ريعان الشباب، تلاه مقتل عمها وهو في مقتبل العمر أيضا.. لتتجرع “إبتسام ” ألم فراق 4 من أفراد عائلتها.
التليفون المحمول نفسه صار يمثل مصدر قلق للسيدة الفلسطينية العائدة من العراق لغزة فتقول عن ذلك: “مجرد رناته صارت مصدر رعب وخوف، خشية أن أسمع خبرا جديدا قد يحمل لي العزاء بفقيد آخر”.
ويعيش اللاجئون الفلسطينيون بالعراق بعد الغزو الأمريكي 2003 ظروفا معيشية خطيرة تنذر بكارثة إنسانية بين منشورات تحمل الاتهامات للفلسطينيين بالخيانة، وتهديدات شديدة اللهجة بالتصفية، ومن تفتيش ثم اعتقال إلى غير رجعة في أحسن الأحوال انتهاء بالقتل بدمٍ بارد أو ترحيلهم؛ ليعيشوا معاناة أخرى على الحدود.
حبيسو البيوت
وعن أوضاع الفلسطينيين عموما بالعراق تقول إبتسام: “العائلات الفلسطينية تعيش نكبة جديدة في العراق.. فهم لا يستطيعون التنقل والحركة لقضاء حوائجهم المنزلية.. هم حبيسو البيوت دون عمل خوفا على أولادهم وبناتهم من أعمال التنكيل والقتل”، مضيفة: “عائلات بأكملها تتجمع في منزل واحد بغية توفير الحماية لأفرادها”.
وتستنكر ما يتعرض له الفلسطينيون بقولها: “الأشد وطأة وإيلاما لنفسي أنهم يُقتلون على يد إخوتهم في العروبة.. لو قتلوا على أيدي قوات الاحتلال لكان الأمر مغايرا”.
ومنذ نكبة 1948 يعيش الفلسطينيون مندمجين في المجتمع العراقي حتى إنه يصعب التمييز بين العراقي والفلسطيني، وتطبع العديد من المبدعين الفلسطينيين بالثقافة العراقية، فمن أبرزهم الأديب جبرا إبراهيم جبرا الفلسطيني المولد والعراقي النشأة وخالد علي مصطفى الشاعر الذي تقلد عدة مناصب في الجامعات العراقية.
غير أن تلك الأحوال تغيرت كثيرا بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث قامت مجموعة كبيرة من العراقيين ممن يقطنون الضواحي الشرقية من العاصمة بغداد بمهاجمة مجمعات الفلسطينيين السكنية مطالبين إياهم بتركها؛ بحجة أنهم ليسوا من أهل البلد.
مأساة متكررة
ما تعرضت له عائلة “الزعانين” تكرر في بيوت فلسطينية أخرى؛ ليكشف عن معاناة حقيقية للاجئين الفلسطينيين في العراق في ذكرى النكبة؛ لتعيد للأذهان خطر نكبة جديدة تتهدد الفلسطينيين في العراق.
فيروي زايد أحد أبناء عائلة “أبو زايدة” بغزة لمراسل “إنسان أون لاين.نت”:” قُتل أخي إبراهيم 62 عاما بدم بارد أثناء خروجه من البيت.. كان في طريقه للصلاة لم يقترف ذنبا ولا إثما.. تهمته الوحيدة أنه فلسطيني”.
ويضيف: “لعل قصة محمد ابن أخي الأكبر تحمل في طياتها ملامح معاناة الفلسطينيين بصورة جلية هناك؛ إذ قامت عصابة باختطافه، ثم اتصلت بأسرته، وطلبت فدية 50 ألف دولار لإطلاق سراحه”.
وتابع: “على الفور اتصلنا بأقاربنا في السعودية وقطر والأصدقاء حتى جمعنا 30 ألف دولار، وعندما اتصلت العصابة مرة ثانية أخبرناهم بأننا حاولنا تجميع المبلغ فانقطع الاتصال؛ ليجدوا بعدها ابن أخي جثة هامدة بعد التنكيل به”.
ولم تتوقف معاناة عائلة أبو زايدة عند هذا الحد فباسل الابن الأكبر للقتيل تمت مطاردته من قبل العصابة نفسها وتهديده بالقتل وها هو يفر من مكانٍ إلى آخر.
وردا على سؤال حول أسباب عدم اللجوء للشرطة يقول (عبد الله) فلسطيني وله أقارب بالعراق: “إن الذهاب إلى الشرطة العراقية، وتقديم الشكوى أو حتى طلب العون يُعرض للخطر أكثر.. كأنك تذهب إلى الموت بقدمك.. أما الهروب نحو الحدود فيعني الطرد”.
وبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فإن 100 فلسطيني قتلوا منذ غزو العراق في مارس 2003 وحتى الآن، ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق 34 ألف لاجئ تقلص عددهم بعد أشهر من الاحتلال نتيجة هجرة قسم منهم إلى الخارج؛ ليصبح تعدادهم 20 ألفا فقط مع بداية عام 2006، بحسب تلك الإحصائية.
صرخة استغاثة
وفي نهاية حديثه أطلق عبد الله صرخة استغاثة لمنظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية وجامعة الدول العربية للالتفات إلى ما يحدث للفلسطينيين في العراق. وطالب الحكومة الفلسطينية بممارسة الضغط على المجتمع الدولي لحماية اللاجئين قبل أن تتفاقم معاناتهم قائلا: “استهداف الفلسطينيين في العراق أمر مؤلم أصبحنا على أثره صرعى للمرض النفسي والحياة التعيسة”.
من جانبها أعربت المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عن قلقها الكبير من احتمال تعرض اللاجئين الفلسطينيين للترحيل من ديارهم في العراق.
ومنذ نكبة 1948 استقبل العراق المئات من العائلات الفلسطينية التي جاءت غالبيتها من منطقة حيفا وقرى جبع والمزار وعرارة وأم الفحم. وفي أعقاب إشارة تقارير واردة من العراق إلى أن “قوات بدر” التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، عمدت إلى طرد عدد كبير من الفلسطينيين من منازلهم ببغداد،
أفتى المرجع الشيعي في لبنان “محمد حسين فضل الله” في يونيو 2005 بضرورة وقف هذه
الاعتداءات، معتبرا أنها “عمل غير جائز”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72534
