أطفال فلسطين.. في مهب الريح

علاء.. أمينة.. محمد… أحمد.. أطفال أجبرتهم الظروف التوقف عن اللعب، تخلوا عن طفولتهم سعيا وراء لقمة العيش، سرق منهم الفقر براءتهم وسلبت منهم الفاقة أجمل لحظات حياتهم، عاشوا حياة غير حياتهم وزمانا غير زمانهم، فلم يعرفوا شيئا عن طفولتهم المدللة، وتحت ظروف أسرية صعبة تركوا المدارس واقتحموا أعمالا لا تقدر عليها أناملهم.. وحملوا أعباء وأثقالاً لا تقوى عليها أذرعهم وأجسادهم الصغيرة… وانطلقوا نحو ورش الرخام والمحاجر وإصلاح السيارات وخدمة البيوت وغيرها…
قلة الحيلة
علاء عمر “13 عاما” واحد من ضمن لائحة طويلة جدا من الأطفال الذين تركوا مدارسهم لمساعدة أهلهم في توفير لقمة العيش، ويساعد والده في بيع الخضار ليقوى على تكاليف الحياة، يقول إنني تركت المدرسة منذ بداية انتفاضة الأقصى لمساعدة أبي في مصروف البيت؛ فقد كان يعمل قبل الانتفاضة في إسرائيل، ويستطيع من خلال عمله توفير لنا احتياجاتنا، ولكن بعد منعه من العمل داخل الخط الأخضر أصبح لا يقدر على توفير أبسط احتياجاتنا اليومية فتركت المدرسة واتجهت إلى العمل معه.
وأشار علاء إلى أنه عندما يرى أطفالا عائدين من المدارس في أثناء عمله يحزن كثير ويشعر بالحنين إلى حقيبة المدرسة وزملائه في المدرسة.
الفقر والفاقة إذن هما من أخرجا علاء من عالم الصبا إلى عالم المسئولية المبكرة، والحاجة وقلة الحيلة إذن مَن حرماه من استكمال دارسته وتعليمه وحلاوة اللعب مع زملائه.
وقفت أمينة تغسل الصحون والأواني المكدسة أمامها، وعلى رغم سنوات عمرها التي لم تتعدى الـ 14 عاما تحمل سيرتها الذاتية 4 سنوات من الخبرة والأعمال في المنازل التي ترسلها إليها أمها المساعدتها في خدمة البيوت التي تعمل بها لتسهم في ميزانية الأسرة المكونة من 7 أطفال غيرها والأم، وكلهم يعيشون في بيت يتكون من غرفة واحدة الكائن في بيت لاهيا. أما الأب وهو ذاهب إلى عمله عاد بعد ساعات جثة هامدة بعد استشهاده بطلقات جنود الاحتلال في أثناء عمله المجاور لمستوطنة نتساريم.
وإضافة إلى خبرتها في المسح والكنس والطهي، تحمل أمينة خبرة 6 أعوام في التعليم، بعد أن تركت المدرسة لمساعدة والدتها في تربية إخوتها الصغار والتي هي أكبرهم، وتحدث بفخر شديد عن عملها قائلة: “أنا سعيدة بعملي لأنني أساعد والدتي في العمل وأخفف عنها ضغط العمل في البيوت التي تعمل بها لتوفير لقمة العيش لإخوتي الصغار وتوفير احتياجاتهم المدرسية؛ فإنني أريد أن يستكمل إخوتي دارستهم في المدارس ولا يتركوها مثلي، فإنني أحن إلى أيام المدرسة وطابور الصباح واللعب مع زميلاتي، والتحضير للواجبات، وأتمنى إن شاء الله أن يتعلم أخواتي في الجامعات ولا يحرموا من التعليم مثلي.
فرصة عمل
وبينما يشد بعض الصغار رحلهم صوب المخيمات الصيفية، ويرافق البعض آباءهم في أسفار هنيئة، ويركض البعض الآخر بين الأزقة وفي الحدائق والمتنزهات فرحا بانتهاء موسم الدراسة وبدء العطلة الصيفية من كل عام، فيغادر البعض من الأطفال الأبرياء منازلهم رويدا رويدا ويطلقون العنان لأقدامهم النحيلة التي تسابق الرياح بحثا عن فرصة عمل يحصلون من ورائها على بعض النقود التي قد تساعدهم في توفير قوت يومهم ويوم إخوانهم، أو يجمعونها للاستعداد للعام الدراسي الجديد الذي يتطلب شراء زى مدرسي.. كتب.. دفاتر.. دفع رسوم… إلخ.
محمد صلاح سنه لا يتجاوز 12 سنة، يكون كلما حل الصيف وجاء موعد الإجازة الصيفية من المدرسة مع بيع البسكويت والحلوى في الشواطئ وعلى أبواب الجامعات الفلسطينية، يجوبها سيرا على الأقدام من الصباح حتى المساء، يرفع صوته بالمناداة ويقترب من المصطافين فمنهم من يشتري ومنهم من لا يشتري ومنهم من ينهره، قليل منهم من يرأف بالمسكين فيكرمه ويشتري منه.
يقول محمد: “كل عام مع قدوم العطلة الصيفية أبيع البسكويت والحلوى من أجل أن أساعد أبي الذي يعمل عملا متقطعا، وأرفع عن كاهله عبء شراء مستلزمات واحتياجات العام الدارسي الجديد وتوفيرها لي ولإخوتي الأصغر سنا مني، فإنني رغما عني أعمل وأشعر بالحزن والحسرة وأنا أرى الكثير من الأطفال يلهون ويتنزهون على شواطئ البحر والمنتزهات في العطلة، وأشعر بأن هناك العديد من الأشياء تنقصني، ولكن ما باليد حيلة، وأتمنى أن أكون كسائر الأطفال الذين يقضون العطلة في الراحة والاستجمام”.
أحمد.. ميكانيكي
أحمد المغير (15 عاما) لم يكن أحسن حالا من محمد أو علاء، بل زاد عليهم محنة فقدان الأب يعمل منذ كان عمره 12 عاما وهو نفس العام الذي ترك فيه مدرسته بعد أن أقنع والده بذلك فهو يكره مدرسته لسوء معاملة المدرسين وتعنيفهم وضربهم للطلاب على حد تعبيره.
أول عمل بدأه أحمد كان في ورشة سيارات ليعمل ميكانيكيا لكنه تركها بعد شهرين لصعوبة المهنة ومشاقها الكثيرة.. بعد ذلك انتقل إلى ورشة سمكرة ليتركها أيضا بعد 3 أشهر لعدم حصوله على مبلغ من المال يتناسب والجهد الذي يبذله.. وينتقل إلى مصنع للخياطة يمتلكه أحد أصحاب والده ليعمل به لمدة سنتين، وحاليا يدرس أحمد في مدرسة للصناعة حيث يتعلم القراءة والكتابة إلى جانب تعلم مهنة السباكة وسيتخرج بشهادة تمكنه من مزاولة المهنة في أحد الأماكن.
أحمد جلس أمامنا كما الكبار تعلو وجهه ابتسامة مصطنعة كشفتها نظرات اليتم والحزن التي تملا عينيه.. وعندما سألته عن أسباب عمله في سنه الصغير، قال: “أشعر أنني مضطر للعمل خاصة بعد وفاة أبي منذ سنتين فبيتنا يضم 12 فردا معظمهم صغار ولا أريد أن يشعروا بالنقص بفقدهم أبي كما أشعر أنا الآن.

وأضاف لقد عمل أبي وعمره 16 عاما موزعا للحلويات والبضائع، والآن يعمل بدلا منه أخي الذي يبلغ من العمر 16 عاما.
وبتنهيدة عميقة يمضي أحمد قائلا لقد تعبت.. تعبت كثيرا.. مستعرضا لروتينه اليومي الذي يبدأ من الساعة السابعة صباحا بالخروج إلى المدرسة والتدريب حتى الساعة الثانية بعد الظهر وبعدها لمصنع للحلويات حيث يشارك في عملية التعبئة ليخرج في النهاية بعلبة حلويات لإخوته الصغار ويدخل البهجة إلى قلوبهم كما كان يفعل والده.
بعد ذلك وبعد أن تكون معظم أفواه الأطفال بدأت بالتثاؤب يصل أحمد إلى بيته مرهقا منهكا غير قادر على الجلوس مع إخوته والتحدث إليهم؛ فينام ليصحو ويصحو ليعمل ويعمل كي يستطيع أن ينام هكذا.. حتى يشتاق للموجودين معه في البيت الواحد ولجيرانه وأصحابه الذين ما عادوا يرونه ولا يراهم إلا ما ندر!!.
أما بالنسبة لأصحابه في العمل والدراسة فقال لقد تركت معظمهم لأنني أشعر بأنهم أكبر مني سنا وتفكيرهم غير تفكيري ومنهم من يدخن ويشجعني على ذلك.
يقضي أحمد معظم وقته بزي كحلي غامق موحد تحيط به أدوات حادة أصبحت مألوفة لديه، إلا أنه بالرغم من ذلك أكد بأنه يحن لزي المدرسة الأزرق الفاتح ولحقيبة مدرسته والمدرسة ونظامها الذي يشعر من خلاله بأنه ما زال طفلا صغيرا ترعاه الأسرة والمدرسة معا.
ضياع الاحترام
وعن رأي المختصين في عمالة الأطفال يقول الدكتور ناصر على مهدي متخصص علم اجتماع في تعريف عمالة الأطفال في اتجاهها السلبي بأنها هي العمل الذي يضع أعباء ثقيلة على الطفل، والذي يهدد سلامته وصحته ورفاهيته، ويستفيد من ضعف الطفل وعدم قدرته عن الدفاع عن حقوقه، ويستغل عمالة الأطفال كعمالة رخيصة بديلة عن عمالة الكبار، ويستخدم وجود الأطفال ولا يساهم في تنميتهم ويعيق تعليمهم وتدريبهم ويغير حياتهم ومستقبلهم وطموحاتهم.
وأوضح إلى أن عمالة الأطفال تكمن وراءها عدة أسباب من أهمها الفقر؛ فالأطفال يتوجهون إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم في توفير لقمة العيش ويعجز الأهل في معظم الأوقات الإنفاق على أولادهم وتوفير أبسط الحاجات الأساسية.
ففقر الأسرة يدفع بأطفاله إلى ترك المدارس والتوجه إلى سوق العمل لزيادة الدخل ومحاولة البقاء كذلك، ليس فقط في استمرار فقر الأسرة من جيل إلى جيل وفي إبطاء معدل النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية؛ فهو يمنع الأطفال من اكتساب التعليم والمهارات التي ستساعدهم في المستقبل في توسيع فرص العمل.
وأشار إلى أن الفقر ليس وحده المسئول عن هذه الظاهرة فهناك أسباب وقضايا ثانوية أخرى كالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الطفل؛ ففي بعض المجتمعات النامية دائما يقولون إن الأطفال الفقراء لهم الحق أن يعملوا لأنهم فقراء، علما أنه لا يوجد أحد يعترف بحق هؤلاء الأطفال بالأجر المناسب للطاقة التي يبذلونها، إضافة إلى نقص المعرفة بقوانين عمالة الأطفال وحقوقهم وللاستعمار والحروب والأزمات التي تخلق عبئا اقتصاديا والمستوى الثقافي للأسرة في عدم معرفة فائدة التعليم في المستقبل.
وأكد مهدي أن هناك العديد من التأثيرات السلبية المدمرة لعمالة الأطفال والتي تتمثل في 4 جوانب أساسية يتأثر بها الطفل العامل كالتطور والنمو الجسدي؛ فهنا تتأثر صحة الطفل كالخنق والغازات السامة وصعوبة التنفس وغيرها من التأثيرات، ويتأثر التطور المعرفي للطفل الذي يترك المدرسة ويتوجه للعمل؛ فقدراته وتطوره العملي يتأثر ويؤدي إلى انخفاض قدراته على القراءة والكتابة والحساب، وإبداعه الفكري والعقلي يقل إضافة إلى أن الطفل العامل يتأثر عاطفيا فيفقد احترامه لذاته وارتباطه الأسري وتقبله للآخرين وذلك جراء بعده عن الأسرة والآخرين في معظم أوقاته والذي يضطر أحيانا للمبيت في مكان عمله وتعرضه للعنف من قبل صاحب العمل أو من زملائه.
وأيضا التطور الأخلاق والاجتماعي الذي يؤثر على الطفل الذي يعمل بما في ذلك الشعور بالانتماء للجماعة والقدرة على التعاون مع الآخرين والتمييز بين الخطأ والصواب، وكتمان ما يحصل له في العمل فيصبح الطفل كالعبد لدى صاحب العمل.
سلعة رخيصة
تشير النتائج حسب نتائج دراسة الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 2004 إلى أن عدد الأطفال العاملين في الأراضي الفلسطينية سواء بأجر أو بدون أجر خلال فترة المسح بلغ 40.136 طفلا، أي ما نسبته 3.1% من إجمالي الأطفال5 -17 سنة، بواقع 3.8 في الضفة الغربية و1.9% في قطاع غزة.
كما أشارت النتائج إلى أن أكثر من نصف الأطفال العاملين (56.2%) يصنفون عمالة أطفال حيث بلغ عددهم 22.570% طفلا، وهذا يشكل ما نسبته 1.7% من إجمالي الأطفال 17-5 سنة، وتوضح النتائج أن غالبية عمالة الأطفال تتركز في الفئة العمرية الأقل من 15 سنة، حيث بلغ عددهم 18.024% طفلاً.
وأيضا تشير العديد من الدراسات إلى أن الفقر والحاجة الاقتصادية هما السبب الرئيسي في انخراط الأطفال في سوق العمل لكسب المال اللازم لزيادة دخل الأسرة كوسيلة للبقاء على قيد الحياة، وذلك على الرغم من أن عمل الأطفال يزيد من فقر الأسرة؛ لأنه يحرم الطفل من فرصة تعليم مناسبة قد تخلق له فرصة عمل أفضل في المستقبل، وكما أن الفقر يجعل من عمل الطفل سلعة رخيصة الثمن مما يجذب أصحاب العمل لاستخدامهم؛ الأمر الذي يسبب ارتفاع نسبة البطالة بين الراشدين.
ولقد أظهرت النتائج دارسة الجهاز أن 71% من الأطفال العاملين في فلسطين أسباب توجههم للعمل تعود لعاملين أساسين هما العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي، حيث تبين أنه من بين الأطفال المتوجهين لعرض العمل في قطاع غزة 56.6% في الضفة الغربية 75.2%، ويلاحظ أن كلما صغر سن الطفل العامل ارتفعت نسبة العاملين بسبب الرغبة في المساعدة في مشروع للأسرة، حيث بلغت النسبة للفئة 5-9 سنوات 64.4% مقابل 62.3% و35.9% للفئات العمرية 10-14 سنة و15-17 سنة على التوالي.
إنهم أطفال لم يجدوا من يحضنهم ويغدق عليهم من كرمه، ولم تسعفهم ظروف البيت والعائلة في توفير عالم تحيا فيه البراءة وتزدهر فيه الصبا، كما لم تلتف المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية إلى معاناتهم إلا في المناسبات والندوات والمؤتمرات أو من خلال سن القوانين التي تحتاج إلى إجراءات، حتى إذا انفض الجمع وصدت الأبواب وانطفأت الكاميرات راح كل إلى حال سبيله وتركوا الأطفال إلى حال سبيلهم ليذوقوا مرارة التشغيل وضنك العيش.
اقرأ أيضا:

فى يوم الطفل الفلسطيني: الأرقام تكشف عن واقعه وقضاياه
أطفال فلسطين.. مشاركة الضحية هي الحل
إسرائيل تلغي صدور إدانة دولية لممارساتها ضد أطفال فلسطين
دعم أسباني لتعليم الأطفال الفلسطينيين في الضفة والقطاع
حملة صندوق الياسين لرعاية أطفال فلسطين
تقرير دائرة الطفولة والشباب آذار 2005م