المريض الفلسطيني.. رهين المحبسين

أصبح المريض الفلسطيني رهين المحبسين، فهو ما بين معاناته من آلامه ومعاناته من حصار شديد لا يقطع عنه فقط طعاما وشرابا ومالا، لكنه أيضا يقطع عنه دواءه الذي يساهم في شفائه. الصورة من بعيد تبدو قاتمة جدا بلا أمل في انفراجها، وهي من قريب وعلى لسان أصحاب المأساة تبدو الصورة كلحظات الليل الحالك التي تسبق طلوع الفجر.

الحاج أبو زكريا أبو طير جاء إلى مستشفى الشفاء بغزة يتعكز على ابنه لإيصاله إلى قسم علاج الكلى بمستشفى الشفاء يقول: “لقد جئت اليوم لإجراء غسيل الكلى المعتاد عليه لكن في الفترة الأخيرة بدأت أشعر بالإعياء أكثر وقلق من الوضع الحالي بسبب أننا في بعض الأسابيع نضطر أن نغسل مرتين بدل ثلاث وفي وقت اقل من المتعارف عليه بسبب نقص الأدوية في المستشفى بسبب الإغلاقات الإسرائيلية ووقف التمويل لشراء الدواء للمستشفيات”.

لعل الحاج أبو زكريا لخص حجم المعاناة التي يدفعها الآلاف من المرضى الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بسبب الإجراءات الأخيرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

مرضى الكلى

ويعتبر مرضى الكلى والأمراض المزمنة هم أكثر من يدفع الثمن بحيث يعيشون على تلقي العلاج باستمرار حيث تضاربت الأنباء خلال الأيام الأخيرة حول أسباب وفاة ثلاث مرضى في مستشفى الشفاء بغزة بسبب نقص الأدوية حيث أكدت الوزارة وقوع ذلك ثم نفته إلا أن المتفق عليه هو استمرار الأزمة الصحية.

فالحاج أبو رامي قديح (50 عاماً) يبدي تخوفاً كبيراً من احتمالية انقطاع الدواء اللازم لإجراء عملية غسيل الكلى، التي يحتاجها ثلاث مرات أسبوعياً حيث اعتاد على ذلك منذ ثلاث سنوات لمتابعة وضعه الصحي.

ويقول الحاج أبو أحمد إنه يشعر أن انقطاع الدواء قد يجعلوا يدفع الثمن غاليا وهو فقدان الحياة والذي يحوز على تفكيره اليومي ويتابع باستمرار الوضع الصحي في الأراضي الفلسطينية في حركة المعابر ويقول بنبرة حزن لقد أصبحنا مثل التجار نراقب حركة المعابر.

في حين يتساءل المريض أحمد حسان (32 عاما) والذي يعاني من مرض الربو هل هذه الديمقراطية التي وعدنا بها الغرب ندفع ثمنها أرواحنا وعن أي إنسانية يتحدث العالمي ونحن مرضى الأمراض المزمنة نعاني هذه المعاناة ألا يكفي ما نحن فيه من مرض كي يأتي الاحتلال والحصار الأجنبي كي يدفعني الثمن مرتين.

وزير الصحة يتحدث

من جانبه يتحدث وزير الصحة الفلسطيني د.باسم نعيم في لقاء خاص مع “إنسان أون لاين.نت “عن أوجه الأزمة قائلا”: عندما استلمت الحكومة الحالية وزارة الصحة الفلسطينية واجهت في أيامها الأولى نقصا كبيرا في الأدوية، والمستلزمات الطيبة والمعامل الصحية ومن المعروف أن الموازين الإستراتيجية لأي وزارة في الأساس يجب أن لا تقل عن ستة شهور، وذلك لعدة أسباب منها أن موردي الأدوية قاطعوا إمداد الوزارة بالأدوية بسبب تراكم الديون إلا أنا تمكنا مؤخرا من إقناعهم بمواصلة التوريد والتسديد لهم من المساعدات التي أعلن عن تلقيها من الدولة العربية.

وقد أضافت سلطات الاحتلال الأدوية على قائمة الممنوعات من الدخول للأراضي الفلسطينية ولعل أولها والأكثر أهميه هو أسطوانات الأكسجين دون مبرر.

حيث يقول د.نعيم بأن شحنات من الأدوية والمستلزمات الطبية التي رست عليها المناقصات أو التي تبرعت بها جهات خيرية ما زال جزء كبير منها محتجزا على المعابر في الضفة وكذلك على معبري رفح والمنطار وترفض سلطات الاحتلال إدخالها.

ويضرب د.نعيم مثلاً المساعدات الأردنية التي جاءت في شكل قافلة هي التي تم إدخالها فقط، فقد دخل إلى الضفة الغربية 10 شاحنات و17 أخرى إلى قطاع غزة وبقيت مساعدات أخرى عينية من جهات مختلفة لم يسمح لها بالعبور.

ويضيف: “هذه المساعدات استطاعت أن تبقينا قادرين على الاستمرار في تقديم الخدمات ولكنها لم تخرجنا من الأزمة، وبالتأكيد إذا لم تحل بشكل جذري ويتم فتح المعابر أمام المساعدات الصحية ستتفاقم الأمور إلى الأسوأ”.

ويبيِّن د.نعيم أنه يقوم يومياً بالتحرك من خلال الإعلام والاتصال مع المؤسسات، بالإضافة إلى الاجتماع مع السفراء العرب ووضعهم أمام مسئولياتهم، لمواجهة الحصار.

وحول موضوع التنسيق مع الجانب الإسرائيلي لا ينفي د.نعيم وجود هذا التنسيق لكن هو على المستوى الفني وذلك في إطار حل المشاكل اليومية، مشيرا إلى أنه لا يمانع في لقاء نظيره الإسرائيلي إذا تطلب الأمر ذلك بما ينسجم مع مصلحة شعبنا وحل المشاكل الصحية الموجودة على اعتبار أن الاحتلال يتحمل مسئولية قانونية لاحتلاله لشعبنا.

سوء التغذية

من جانبه حذر الدكتور معاوية حسنين، مدير عام الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة من ارتفاع معدلات سوء التغذية لدى الأطفال والحوامل والنساء وكبار السن والمرضى المزمنين جراء الحصار الإسرائيلي، وانتشار البطالة وعدم مقدرة المواطنين على توفير مستلزمات أسرهم، مشيرا إلى أن الشلل أصاب أقسام غسيل الكلى والعناية المركزة وأقسام العظام والعمليات في بعض مستشفيات وزارة الصحة، بعد نفاد الأدوية جراء الإغلاق الإسرائيلي.

ونوه إلى النقص الشديد في دواء “إبريكس” الذي يستخدم في عمليات الغسيل، ويقوم بدور إفراز وتصنيع الدم للمرضى، وهو ضروري جدا ولا يمكن الاستغناء عنه؛ حيث يساعد المريض على رفع نسبة دمه، ويعطيه النشاط والحيوية وينشط ذاكرته، ويفتح الشهية.

يشار إلى أن مرضى الكلى الذين يخضعون للغسيل 3 مرات أسبوعيا يحتاجون نحو 900 شيكل (الدولار يساوي 4.44) في الأسبوع، لشراء هذا الدواء في حال انقطاعه من المستشفى ووجوده في الصيدليات. وأشار إلى بدء التناقص في الكميات المتوفرة من أدوية “بروغراف” و”سلسبت” التي تساعد زارعي الكلى على منع حدوث فشل كلوي لهم وتقوي جهاز المناعة لديهم، وعبوته التي تحتوي 100 حبة يقدر ثمنها من 1500 إلى 2000 شيكل في الصيدليات، وتتكفل وزارة الصحة في علاج هذه الحالات مجانا.

وكانت مؤسسات صحية، قد حذّرت في بيان أصدرته من كارثة إنسانية وصحية في الأراضي الفلسطينية، في ظل استمرار سياسة الحصار الإسرائيلي الخانق وانعدام الموارد المالية، مشيرة إلى نفاد الأدوية في الأراضي الفلسطينية، مما يهدد حياة الآلاف من المواطنين الذين يعانون من أمراض مزمنة.

انهيار خدمات الصحة

يذكر أن عجز وزارة الصحة عن القيام بمهامها سيؤدي إلى انهيار 56.5% من خدمات الرعاية الصحية الأولية في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل عام، كذلك سينعكس سلبا على مجالات تدريب العاملين وتعزيز قدراتهم، وسيؤدي إلى توقف أعمال الصيانة والتطوير في المراكز الصحية.

ففي المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة فإن 413 مركزا للرعاية الصحية الأولية وحوالي 140-252 مركزا للأمومة والطفولة ستتأثر أو سيتوقف عملها مما سيقود إلى تخفيض مهم وكارثي في مجال تقديم الخدمات الصحية.

ففي مجال تطعيم الأطفال تغطي الوزارة ما نسبته 35% من أطفال قطاع غزة و85% من الأطفال في الضفة الغربية، كذلك فإن برامج تدعيم العناصر الغذائية الدقيقة كالفيتامينات والحديد للأطفال والنساء الحوامل ستتأثر حيث أن 72.4% من أطفال الضفة الغربية و47.9% من أطفال القطاع الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أسابيع و12 شهرا وكذلك 78.9% من النساء الحوامل في الضفة و71.9% في القطاع يستفيدون من تلك البرامج.

وستتأثر أيضا برامج الأمومة والطفولة ومراقبة نمو الأطفال، حيث يستفيد من تلك الخدمات ما نسبته 96.5% من مجمل النساء الحوامل قبل الولادة و33.5% من النساء بعد الولادة. وبالنسبة للخدمات التوليدية فإن الوزارة تغطي ما نسبته 55.2% من مجموع الولادات. ناهيك عن تأثر برامج التعزيز والتثقيف الصحي.

وتشرف وزارة الصحة الفلسطينية على جزء كبير من الخدمات الصحية الأراضي الفلسطينية إلى جانب وكالة الغوث والمؤسسات الأهلية الصحية التي تقدم جزء من الخدمات الصحية الأولية، والذي سيؤثر على البرامج العلاجية والتأهيلية، وذلك من خلال تقليص أو إغلاق خدمات الرعاية الصحية الثانية المتمثلة بالمستشفيات والعلاجات التخصصية، وسيتأثر بذلك خاصة الخدمات التوليدية (47% من مجمل أسرة الولادة تتبع لوزارة الصحة)، كذلك فإن 61% من أسرة المستشفيات العامة تديرها وزارة الصحة، و72.4% من العمليات الجراحية يتم إجرائها في مستشفيات وزارة الصحة وكذلك هناك 482 مريضا يتابعون غسيل الكلى في تلك المستشفيات، بالإضافة إلى الخدمات التخصصية الأخرى وخدمات الطوارئ (26.84% من مجموع السكان يستفيدون من خدمات الطوارئ في مستشفيات الوزارة).

ابتزاز اقتصادي

يحدثنا محمد زعرب الذي يعمل في مستودع للأدوية بخانيونس قائلا: “نقوم بإدخال الأدوية عن طريق المعابر الإسرائيلية مع قطاع غزة سواء من الضفة الغربية أو من إسرائيل أو من الخارج فتقوم سلطات الاحتلال بإدخال الأدوية الإسرائيلية والأجنبية والتي تعتبر غالية الثمن بالنسبة للمواطن الفلسطينية وبذلك تمارس سلطات الاحتلال الابتزاز الاقتصادي لإجبارنا على إدخال أدوية إسرائيلية وهذا مكلف للمواطن الفلسطيني في ظل الحصار الاقتصادي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني”.

ويضيف زعرب وعلى الرغم من ذلك نضطر في حالات عدة لإدخال الأدوية الإسرائيلية استجابة لرغبة المواطن لعدم توفر بديل.

في حين يرى وسام غطاس من شركة بيرزيت للأدوية إننا نواحه أزمة خانقة ومستمرة تتجدد وتشد مع الإغلاق الإسرائيلي “من خلال النقص الشديد في الأدوية وخاصة حليب الأطفال وفي ظل الطلب العالي وقلة اليد نقف حائرين أما هذا الوضع، فالطفل والمريض يدفعان ثمنا كبيرا في حال عدم توفر حليب الأطفال أو الأدوية”

وتضطر بعض شركات الأدوية الفلسطينية إلى دفع مبالغ كبيرة للشركات الإسرائيلية التي تقوم بنقل البضائع، والتي يتأخر إدخالها لشهور، ما يُحمِّلهم أعباء كبيرة.

الخروج من الأزمة

ومن أجل الخروج من الأزمة يقول د.باسم نعيم وزير الصحة بأنه بدأ بالتحرك “لمعالجة هذه الأزمة والخروج منها بحيث لا تنكشف الوزارة أمام الجمهور وتظهر عاجزة عن تقديم الخدمة الصحية المطلوبة، وقد تمكنا بفضل الله أن نحصل الكثير من الردود الإيجابية من المؤسسات العربية وحصلنا على دعم مالي وعيني ولكن نصطدم بأن الدعم العيني لا نستطيع إدخاله بسبب وجود الحواجز والإغلاقات المتكررة، والمعونات المالية كان أيضا في إدخالها صعوبات لكن الوزارة استطاعت أن تتجاوز هذه العقبة من خلال توريد أدوية لغزة على أن يتم الدفع المالي في خارج فلسطين”.

ويضيف قائلاً: “تمكنا خلال شهر من الحصول على ما يقارب من سبعة إلى ثمانية ملايين دولار من جهات مختلفة مثل ائتلاف الخير، واتحاد الأطباء العرب، ونقابة الأطباء المصريين، والجمعية الشريعة.

وكان من ضمن جهود الوزارة الاجتماع مع السفراء العرب لدى السلطة الفلسطينية ووضعهم أمام مسئوليتهم بالضغط على الدول الأوربية وأمريكا ودولة الاحتلال الإسرائيلي لفتح المعابر على الأقل أمام الأدوية، ويوضح الوزير: أما ما دخل من مساعدات فقد أبقى الوزارة قادرة على تقديم الخدمة بالحد الأدنى.

ويشير إلى أنه إذا لم تحل هذه المشكلة بشكل جذري، وتدخل المساعدات الصحية وتتراجع إسرائيل عن قرارات وقف المساعدة المالية عن الشعب الفلسطيني فقد ندخل في القريب العاجل في كارثة إنسانية صحية، إضافة إلى أن وزارة الصحة تحتاج لنفقات تشغيلية شهرية تزيد عن أربعة ملايين دولار يجب أن تتوفر شهريا كي تستمر الوزارة في خدماتها.

ونضيف بالقول: إنه إذا لم تتكاثف الجهود العربية والإسلامية من أجل إدخال المساعدات المالية والعينية إلى الأراضي الفلسطينية فسنلتقي في كارثة صحية جديدة، لأنه لا يمكن انتظار المساعدة من الاحتلال في ظل سياسته العدوانية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.