ما بين حصار وجدار .. صيف فلسطين بلا أفراح

اعتاد الفلسطينيون على تأجيل حفلات الزفاف والأعراس إلى شهور الصيف حيث يكون الأبناء قد فرغوا من الامتحانات، كما أن الطيور المهاجرة دائما ما تعود إلى أرض الوطن خلال هذه الفترة في كل عام، وبحضورهم تصبح الفرحة فرحتين، لكن يبدو أن الفلسطينيين مقدمون على صيف “خال من الأعراس”؛ فالحصار الدولي الذي منعهم حتى جرعة الدواء سرق الفرحة من العيون، كما أن جدار الفصل العنصري الذي يتلوى كالثعبان ممزقا الأرض والجسد الفلسطيني الواحد إلى كانتونات معزولة، جعل من لقاء الأهل والأحبة مهمة بالغة الصعوبة إن لم تكن أمنية عصية على التحقق.

وإزاء تلك الظروف القاسية اضطر العديد من الشبان المقبلين على الزواج إلى تأجيل مواعيد زفافهم؛ بسبب عدم قدرتهم على توفير مستلزماته، وأصبحت واجهات المحلات في مدينة رام الله بالضفة الغربية، تمتلئ بملابس السهر والعرائس، والملابس الخاصة بالمناسبات بسبب قلة الإقبال عليها.

وامتد ذلك ليشمل محال الذهب الذي ارتفعت أسعاره بصورة جنونية، بحيث لم تعد المبالغ المرصودة لشراء ذهب العرس تكفي لشراء قطعة واحدة.

وأربك الوضع الاقتصادي الجديد العائلات الفلسطينية بصورة واضحة، وأصبح التردد سمة واضحة في سلوكهم، حيث لم يعد الكثير منهم يدري ماذا يفعل إزاء الالتزامات التي قطعها على نفسه، فمنهم من حجز قاعة وحدد موعدا لزفاف ابنه، ومنهم من قرأ الفاتحة لخطبة ابنه وأجّل الاحتفال للصيف لحين وصول الأحبة، لكنه لا يعرف كيف يتدبر أموره.

أزمة الرواتب

قرر الشابان رنا ومحمد تأجيل زواجهما 6 أشهر قادمة، حيث حسما أمرهما وأبلغا العائلة بهذا القرار، ويقول محمد: “كيف أتزوج وأنا وزوجتي نعمل لدى السلطة الوطنية، ولم نحصل حتى الآن على الراتب، وعلى فرض أننا تمكنا من تجهيز احتفال صغير بهذه المناسبة؛ فمن أين لنا أن نتدبر أمور معيشتنا اليومية؟”.

من جهتهما قرر رامي وخطيبته نسرين تأجيل زواجهما قليلا، على أمل أن تنخفض أسعار الذهب قليلا، لتتمكن نسرين من شراء الذهب، ولكنه يتخوف من أن ترتفع أسعاره أكثر.

ولفت رامي إلى أن أصدقاءه أشاروا عليه وضع المبلغ المخصص للذهب في وديعة باسمها، و”لكن كيف يقنع أهلها بهذا الاقتراح، وكيف يمكن ألا تلبس زوجته الذهب الذي تتباهى به النسوة”، حسب قوله.

من جهته، يقول صاحب قاعات للأفراح إنه استبشر خيرا منذ بداية العام، حيث تم حجز القاعة بصورة كاملة طوال أيام الصيف، لكن المفاجأة بدأت تنهال عليه، حيث هناك الكثير من الشبان ألغوا زواجهم.

وأضاف أن هناك محاولات لتأجيل موعد الزفاف حتى أواخر الصيف، قائلا: “من المتوقع أن يتم تمديد الموسم طوال شهر سبتمبر القادم إذا عادت الرواتب تصرف من جديد، ولكن إذا استمر الحال على ما نحن عليه فبالتأكيد سنفقد الكثير من الحجوزات ولن يكون الوضع أفضل مما كان عليه سابقا”.

من جهته، يؤكد أبو مجد مصور الأعراس الذي يتعهد تصوير الأعراس في منطقته في الأرياف انخفاض الاتصالات به لتحديد موعد للأعراس، قائلا: “كنا عادة نغلق محال التصوير أيام الجمعة والإثنين مبكرا من كثرة المواعيد، ولكن الآن أصبح لدينا فراغ حتى في يوم الجمعة”.

ويتساءل أبو مجد، من سيدفع تكاليف الزواج؟ مؤكدا أن غالبية العائلات سوف تلجأ إلى إتمام مراسم الزواج بدون حفل وبدون أي شيء، خاصة لمن أجّل حفل زفافه من العام الماضي ولا يستطيع تأجيله لعام قادم.

هدايا مؤجلة

ولا يقف الأمر فقط عند تأجيل مراسم الاحتفال، بل هناك الكثير من المواطنين من قرر الاعتذار لأقاربه في الأردن عن السفر إليهم للمشاركة في حفل زواج أقاربهم وذويهم بسبب هذه الظروف المالية.

وقررت أم رندة وهي متزوجة وعندها 6 بنات اصطحاب ابنتها الوسطى والصغيرة فقط إلى حفل زفاف أخيها؛ لأنها لا تملك مصاريف لتزيين كل بناتها، مضيفة أنها لن تشتري هدية لأخيها وستؤجلها إلى وقت لاحق؛ لأن زوجها لم يتلق راتبه منذ 3 أشهر، والقرض البنكي الذي حصل عليه ستبقيه لاحتياجات الأسرة.

من جهتها تشير المواطنة أم علاء إلى أنها انتظرت هذا الصيف طويلا؛ لأنها المرة الأولى منذ 10 سنوات التي سيتاح لها مغادرة الأراضي الفلسطينية لمشاركة شقيق زوجها فرحته بزواج ابنه.

وأضافت أن الظروف الاقتصادية منعتها من تحقيق هذه الرغبة التي انتظرتها طويلا، بعد توقف راتب زوجها، وتخفيض راتب ابنها الذي لم يمر على عمله سوى أشهر معدودة، والذي ساهم في تحسن وضع الأسرة المالي، ودفعها للتفكير بالسفر بعد أن ألغت هذا البند من حساباتها لسنوات.

ويعاني الشعب الفلسطيني من حصار دولي خانق عقابا له على خياره الديمقراطي، حيث لم يتلق 165 ألفا من الموظفين رواتبهم منذ 3 أشهر؛ وهو ما أدى إلى تراجع النشاط التجاري والصناعي بصورة ملموسة بسبب قلة السيولة ومحاولة الحفاظ على المدخرات لأطول وقت ممكن، من أجل الحفاظ على حياة العائلات وتأمين احتياجاتها بالحد الأدنى.

وجمدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية بعد فوز حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة. وعرضت بعض دول وجهات عربية وإسلامية تعويض هذا الفارق، ولكن الولايات المتحدة أحبطت محاولاتها بنقل الأموال إلى الفلسطينيين.