غزة تتجرع العطش .. وتنتظر الأسوأ

صرخت المواطنة أم وئام -(45عاما) من حي الرمال بمدينة غزة- في وجه الموظف العامل بمحطة المياه طالبة منه أن يرسل (تنكا) من المياه إلى بيتها الذي تنقطع عنه المياه لليوم الخامس على التوالي, لكنه اعتذر لها بالقول إن المحطة متوقفة عن العمل, فبئر المياه يعمل على الكهرباء المنقطعة منذ عدة أيام، أما الحل البديل فهو عمل المولِّد على الديزل الذي فرغ مخزونه صباح أمس.

المواطنة أم وئام -وهي أم لتسعة أطفال- ليست الوحيدة التي تعاني هذا الحال, فهي إحدى سكان غزة الذين انقطعت عنهم المياه منذ اليوم الأول لقصف محطة توليد الكهرباء في المدينة المكتظة بالسكان.

العملية الإسرائيلية المسماة “أمطار الصيف” على ما يبدو أنها أمطرت على المواطنين الفلسطينيين كارثة يخشى معها أن تغرق القطاع بأكمله في كارثة.

مصيبة بالجملة

” إنسان أون لاين ” زارت حي الرمال الحيوي الذي ازدحم بالعشرات من سكانه، الذين خرجوا للشارع باحثين عن أي مكان تتوفر فيه المياه، بعدما نفذت آخر القطرات التي كانوا يختزنونها في بيوتهم, ولكن الحل بدا مستحيلا.

وبمزيج من العصبية واليأس، قال أحد المواطنين: “لا يمكن احتمال انقطاع المياه أكثر من ذلك, إننا لا نستخدمها إلا للاستهلاك الآدمي، ورغم ذلك فقد نفدت, ما العمل؟ ينبغي على العالم الذي يتفرج على معاناتنا التدخل لتخفيفها”.

أزمة المياه التي يعانيها قطاع غزة أصلا تفاقمت بعد أن قصفت طائرات الاحتلال الحربية قبل عدة أيام مولِّد الكهرباء الرئيسي لمدينة غزة, وجسرا يربط بين شمال وجنوب القطاع، مما أدى إلى انفجار أحد الخطوط الرئيسية الناقلة للمياه.

في حي الشيخ رضوان الذي يعتبر أكثر اكتظاظا، قالت المواطنة أم أشرف الهمص (50 عاما) وهي أم لثمانية أبناء: “نحن أيضا نعاني انقطاع المياه منذ عدة أيام, المياه لا تصل منزلنا إلى ما يعادل بضع ساعات يوميا, وفي هذه الساعات تكون الكهرباء مقطوعة, أي إننا لا نستطيع تشغيل المولد لرفع المياه إلى بيوتنا, بالتالي أصبحت مصيبتنا بالجملة، أزمة انقطاع مياه , وأزمة انقطاع كهرباء، إنني لا أستعمل المياه حتى لتنظيف المنزل رغم أهمية ذلك, وأكتفي بالاستخدام البشري لها, ماذا يمكن أن نفعل أكثر من ذلك؟”.

سؤال غريب تسأله أم أشرف ويسأله ربع مليون مواطن يعيشون في قطاع غزة، أكثر بقاع الأرض ازدحاما بالسكان، والذين أصبحوا بالكاد يتمكنون من العثور على ما يروي ظمأهم من المياه المالحة، وليس العذبة.

المياه للشرب فقط!!!

صورة ضبابية تخيم على المواطنين الفلسطينيين الذين يحاولون الحفاظ على أدنى متطلبات الحياة الآدمية في ظل الحصار الشامل الذي يعانيه قطاع غزة.

سلطة المياه الفلسطينية لا يبدو أنها تملك الكثير من الحلول للمشكلة. المهندس حسن السردي المستشار الإعلامي لسلطة المياه لم يستطع أن يخفي قلقه من هذه الأزمة، قائلا :”صحيح أن موضوع أزمة المياه ليس بجديد, لكن الممارسات الإسرائيلية التعسفية التي تصاعدت خلال الأيام الأربع الماضية خاصة بعد قصف محطة توليد الطاقة التي تزود الآبار بالطاقة اللازمة لعملية الإنتاج أدت إلى تفاقم هذه الأزمة.

ويعتبر الخزان الجوفي المصدرَ الرئيس للمياه في قطاع غزة , حيث يقدر معدل التغذية للمياه الجوفية بحوالي 50-60 م.م3/ سنة, في حين ما يتم استهلاكه حوالي 120-140 م.م3/ سنة , وهو ما يعني أن معدل العجز السنوي يصل إلى ما يقارب 60 مليون متر مكعب بالوضع السابق، قبل قصف مولد الكهرباء”.

ويؤكد السردي لـ”إنسان اون لاين” أن كمية المياه التي كانت تنتجها الآبار التي كانت تعمل على الكهرباء لا تكفي الاستهلاك الطبيعي للمواطنين, أما بعد قصف مولد الكهرباء الرئيسي قبل عدة أيام فقد تم الاعتماد على الديزل لتشغيل الموتورات, بالتالي تقلص حجم إنتاجها إلى النصف.

ويرسم السردي صورة أكثر سوداوية لما ينتظر قطاع غزة خلال الأيام القادمة، خاصة مع نفاذ مخزون المحروقات لدى شركات البترول في القطاع ورفض الجانب الإسرائيلي تزويدها بكميات أخرى, إذ يقول: “هذه الموتورات سوف تتوقف بالتأكيد خلال أيام قليلة فقط”.

ويتابع: “إن المولدات التي كانت تعتمد على الكهرباء أصبحت الآن تعمل على الديزل بعد قصف المحطة, وما هو متوفر من مخزون الديزل لا يكفيها لأكثر من عدة أيام, ولا نعرف متى يمكن أن تحل أزمة المحروقات, رغم أن ذلك ليس حلا؛ لأنها عملية مكلفة جدا”.

ويوضح السردي أن البلديات بالتعاون مع سلطة المياه عملت بنظام توزيع حصص، بمعنى أن المياه تصل إلى كل منطقة لعدة ساعات يوميا فقط, مؤكدا أن هذا ليس حلا؛ فما يصل إلى المواطنين أقل من الحد الطبيعي للاستهلاك الآدمي عشرات المرات, لكن هذا كل ما هو متاح في ظل هذه الظروف.

كارثة منتظرة

وحذر السردي من كارثة بيئية سوف يعانيها قطاع غزة لا محالة في حال استمرار الوضع على ما هو عليه خلال الأيام الثلاثة المقبلة, قائلا: “الأخطر أن لدينا محطات معالجة تحتاج لطاقة مستمرة مدة 24 ساعة، وانقطاعها يؤدي إلى كوارث بيئية، وانتشارٍ للذباب والأوبئة, قد تصيب كل قطاع غزة بالأمراض، خاصة ونحن في فصل الصيف الذي يسهل خلاله انتشار الأمراض والحشرات وتتفاقم خطورتها”.

وأوضح السردي أن هذه المحطات كانت مصمَّمة أصلا لتخدم عددا قليلا من السكان ولم تكن تعمل بكفاءة عالية, بالتالي فإن انقطاع التيار الكهربائي سيزيد وضعها سوءا.

وبيَّن أن ما زاد الوضع المائي سوءا في قطاع غزة هو ضرب طائرات الاحتلال الحربية لجسر السكة الذي يمتد من منطقة المغراقة ويغذي نحو 50% من سكان المنطقة الوسطى بالمياه, بالتالي فإن كل من كانوا يستفيدون من هذا الخط انقطعت عنهم المياه.

وأكد المهندس حسن السردي أن انقطاع المياه يؤثر بشكل سلبي على مختلف نواحي الحياة في قطاع غزة؛ فهو يتعلق من ناحية بالاستخدام المنزلي للمواطنين, وأيضا يتعلق بحياة المرضى في المستشفيات والزراعة, كذلك تعتمد عليه المصانع والورش وباقي الصناعات.

وناشد السردي المواطنين التعامل مع ما هو متاح من المياه وتحمل أعباء المرحلة الحالية, قائلا: “حتى من كان يستحم مرة يوميا، فإن ممارسة ذلك في ظل الظروف الحالية يعتبر منتهى الأنانية, فالمياه المتوفرة بالكاد تكفي الاستخدام الآدمي للبشر, ونحن معنيون قبل كل شيء بالحفاظ على حياة الناس, إلى أن يتم إيجاد حل لهذه الكارثة التي تعتبر الأسوأ من نوعها”.

وطالب السردي كذلك كافة الجهات الحقوقية والدولية التدخل لدى الجانب الإسرائيلي لإجباره على وقف ممارساته التي تهدد مختلف نواحي الحياة في قطاع غزة, قائلا إنه لم يعد لدى المواطن الفلسطيني شيء, وكل ما يحدث هو جرائم ترتكب بحق المواطنين, فأين المجتمع الدولي من هذه الكارثة.