كما لو كان ينقص قطاع غزة الذي يعاني الاحتراق بحرارة الصيف ليلا ونهارا بعد قطع التيار الكهربائي عنه، أن تقطع عنه كذلك كافة المشتقات البترولية، وذلك في حلقة أخرى من حلقات الخنق التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في القطاع، بحيث بات المواطن لا يجد حتى ما يكفي للعودة إلى الطبخ على الحطب أو إضاءة ظلمة ليله بقنديل، كما كان يفعل في أواسط القرن الماضي.
نقص المحروقات أثر على المواطن الفلسطيني في مختلف قطاعات عمله وأينما تواجد،
فهو يعتمد على المحروقات في مختلف مناحي حياته حتى في وجود الكهرباء، فما بالنا بعد
قطع الاحتلال الإسرائيلي الكهرباء عنه ثم الوقود، خاصة ونحن في فصل الصيف؛ حيث لا
غنى للمواطنين عن هذه الأشياء؟.
صدق أو لا تصدق
المواطن جمال عطية (40 عاما) من حي الشيخ رضوان، ملَّ البحث عن محطة بترول
لتعبئة أنبوبة الغاز التي فرغت منذ عدة أيام دون جدوى، قال: “لقد تكلفتُ ما يعادل
ثمن أسطوانة الغاز وأنا أبحث عن محطة للتعبئة دون أن أجد”.
وبعصبية ويأس ومرارة، أضاف عطية وهو أب لخمسة أبناء: “هذا ما كان ينقصنا في قطاع
غزة! أن يقطعوا عنا آخر شيء كان يمكننا تصريف شئون حياتنا ولو بشكل شبه طبيعي من
خلاله”.
جارته المواطنة نورا صالح (45 عاما) -وهي معيلة لأكثر من عائلة بسبب الحصار
وانقطاع الرواتب، بينهم إخوتها وأبناء إخوتها- شرحت المعاناة التي يعيشها سكان غزة
قائلة: “حتى لو أردنا الطبخ على الحطب فهذا أيضا غير ممكن، فالحطب غير متوفر، هل
نسينا أن أراضي قطاع غزة تم تجريفها على يد قوات الاحتلال، بحيث تحول القطاع إلى
قطعة خرسانية من المباني السكنية؟!”.
انتظار “فرج الله”
على غير عادتها بدت محطات البترول التي تفقدها مراسل “إنسان أون لاين” خاوية على
عروشها، أما أصحابها فقد جلسوا في انتظار “فرج الله”. ويقول الحاج محسن الخازندار،
صاحب إحدى أكبر محطات البترول في مدينة غزة: “حاليا لا يوجد لدينا أي نوع من مشتقات
البترول، سواء البنزين، أو الغاز، أو الجاز الأبيض، أو السولار”.
وتابع: “منذ أسبوع لم نتلق من إسرائيل أي نوع من المحروقات؛ بالتالي تم استنفاد
ما لدينا من كمية وقود احتياطي، واليوم فرغت الكمية بأكملها”.
وأوضح الخازندار أن إسرائيل عملت منذ أربعة شهور على تخفيض كمية المحروقات التي
توردها لقطاع غزة بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، ومضى مضيفا: “لقد خفضت حكومة
الاحتلال ربع الكمية التي توردها لقطاع غزة، وذلك نوع من الضغط على الشعب
الفلسطيني”.
الإعلام الذي يلعب دورا بارزا في نقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم الخارجي
لم يكن بمنأى عن هذه الأزمة. يقول مصور قناة العربية الفضائية الصحفي محمد جحجوج:
“انقطاع الكهرباء عن البرج الذي نبث منه جعلنا نستبدل ذلك بالمولِّد الذي يعتمد على
الديزل، لكن انقطاع المحروقات حاليا يهدد عملنا بالتوقف، فما لدينا من كمية محروقات
سواء لأجهزة البث أو شحن الكاميرات أو حتى بنزين للسيارات لا يكفي أكثر من ثلاثة
أيام”.
أزمة مواصلات
شوارع قطاع غزة عانت على مدار اليوم أزمة مواصلات حادة، واصطف العشرات من
المواطنين على أرصفة الطرقات العامة في انتظار السيارات التي كانت تنقلهم إلى
مقاصدهم، فالعشرات من السائقين ملوا البحث عن محطة لتزويد سياراتهم بالوقود دون
جدوى فاضطروا للعودة إلى منازلهم، ويقول السائق جمال أحمد (34 عاما) وهو أب لخمسة
أبناء: “ما لدي من وقود يكفيني حتى نهاية هذا اليوم، ولو لم أجد غدا فلن أغادر
البيت”.
أما الأزمة الأخطر، فهي تلك التي تعانيها وزارة الصحة؛ حيث أكد الدكتور معاوية
حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ لـ “إنسان أون لاين” أن المخزون المتواجد لدى
الوزارة من سولار وديزل، والذي يستخدم لتشغيل المولدات الكهربائية بعد انقطاع
التيار الكهربائي، ولعمل سيارات الإسعاف، بالكاد يكفي ثلاثة أيام”.
القطاع سيحترق
وحول أزمة المحروقات في قطاع غزة يقول د.محمود الخازندار، نائب رئيس مجلس إدارة
جمعية شركات البترول والغاز لـ”إنسان أون لاين”: إن المخزون لدى القطاعين العام
والخاص في قطاع غزة هو صفر، باستثناء السولار الصناعي، الذي تختزن الهيئة العامة
للبترول نحو 120 ألف لتر منه، وهو لا يكفي لأكثر من أربعة أيام، فضلا عن أنه مخصص
فقط لتشغيل محطة توليد الكهرباء التي تم قصفها قبل عدة أيام.
وأشار الخازندار إلى أن قطاع غزة كان يستورد شهريا 100 ألف لتر من الجاز الأبيض،
أما حاليا فحاجتنا تعتبر أكبر بسبب انقطاع التيار الكهربائي، إضافة إلى 12 مليون
لتر من السولار شهريا، وحاجتنا الآن 20 مليونا بعد قصف محطة توليد الكهرباء، فضلا
عن 4 ملايين لتر من البنزين شهريا، أما الغاز فكنا نستورد منه 50 ألف طن سنويا.
وأضاف الخازندار: “من الواضح أن المشكلة آخذة في التفاقم، وأنه لا حل لها سريعا،
مشيرا إلى أن المشكلة الكبرى تتعلق بمضخات المياه التي لا يتوفر لها من السولار إلا
ما يكفيها ليومين فقط”.
كما أن أثر انقطاع المحروقات يبدو كارثيا على القطاع الصحي؛ فمثلا ما هو موجود
لدى مجمع الشفاء الطبي يكفيه مدة أسبوع واحد، أما المستشفى الأوروبي فيمكن أن يكفي
مخزونه ستة أيام، لكن بالنسبة للمستوصفات فإن مخزونها لن يكفيها أكثر من ثلاثة
أيام.
وأوضح الخازندار أن مشكلة المحروقات سوف تؤثر على كافة مناحي الحياة في القطاع،
فما هو متوفر لدى محطات المعالجة في البلديات يكفيها لثلاثة أيام فقط، وبالنسبة
لشركتي الاتصالات وجوَّال فيمكنهما الصمود حتى ثلاثة أو أربعة أيام.
وحذر الخازندار من أن غزة مقبلة على كارثة بيئية خطيرة ووضعٍ إنساني سيئ للغاية،
وهو ما يؤكد الحاجة لتدخل دولي جدي وفاعل يجبر الجانب الإسرائيلي على التراجع عن
ممارساته، أو السماح لنا بالاستيراد المباشر من الجانب الإسرائيلي، وتجاهل اتفاقية
باريس الاقتصادية التي تلزمنا عدم استيراد المحروقات إلا من حكومة الاحتلال.
وتابع: “قبل شهر نظمنا كأصحاب محطات بترول إلى جانب السائقين تظاهرة، حملنا
خلالها صهاريج البترول الفارغة وتوجهنا إلى مبنى الأمم المتحدة في قطاع غزة ليفهموا
رسالتنا، وأننا نعاني أزمة حادة، لكنهم لم يستجيبوا، وتركوا الوضع كما هو، إلى أن
وصلنا لهذه الحال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72576
