معبر رفح .. المعاناة من جديد بوتيرة أكثر ألما

الحديث عن المعاناة التي يعيشها آلاف الفلسطينيين العالقين على معبر رفح منذ 12 يوم لا تكتبها كلمات ولا تصورها كاميرات.

أطفالا ونساء وشيوخ بلا سكن ولا مال ولا طعام ولا أدوية، هم في الغالب مرضى عادوا من مستشفيات القاهرة بعد إجراء عمليات جراحية أو مغتربون حلموا بقضاء أيام الإجازة الصيفية بين ذويهم في غزة ،الكل يعرف أن معاناة هؤلاء بدأت عندما أعلن الاحتلال الإسرائيلي إغلاق كافة معابر قطاع غزة ومنعت المراقبين الدوليين من الوصول للمعبر لأداء أعمالهم خاصة ، لكن لا أحد يستطيع أن يتصور بدقة كيف يعيش هؤلاء بالعراء والمرضي والعجائز بينهم ، وكيف لأم أن تدبر أمور أطفالها في العراء والحر ودون دورات مياه ودون الكثير من الخدمات الأساسية والإنسانية.

” إنسان أون لاين ” تحاول أن تلقي الضوء على ما يحدث في معبر رفح الحدودي لآلاف الفلسطينيين العالقين هناك

الحاج أبو خالد داود -78 عاما – تمكن من الصمود 12 يوما على هذا المعبر وأمله الوحيد أن يعود إلى بيته في قطاع غزة ، يعود ليشارك أسرته ألمها في التصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلي التي تجتاح الكثير من المناطق ، لكن إرادة الله – جل وعلى – حالت دون تحقيق هذا الحق البسيط حيث وافته المنية هناك ، بين آلاف النساء والأطفال والرجال الذين تكدسوا في بعضة أمتار وأنظارهم توجه صوب بوابة العبور المغلقة بأمر من قوات الاحتلال الإسرائيلي ، هل تتخيل كيف فاق الأطفال والنساء على وفاة هذا العجوز بينهم ، جميعهم بكوا واعتصروا ألما على حاله وحالهم دون أن تربطهم به صلة قرابة .

أبو خالد –رحمه الله – توفي بسبب الظروف اللانسانية التي وجد بها طيلة أيام الإغلاق والتي لن يتحملها جسده الضعيف المريض ، والعالقين على المعبرون يرون لنا مقتطفات من هذه المعاناة حيث يتمكنوا بين الفنية والأخرى من الاتصال المحدود عبر الهاتف النقال بوسائل الإعلام يستغيثون ويناشدون الكل بحل أزمتهم ، فهذا أحمد عيسي يقول عن أيامه الـ12 :” أننا نعيش أياما سوداء بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. نقودنا نفذت وبتنا نشتهي الطعام وملابسنا اتسخت وبتنا لا نشتم سوى رائحة بعضنا الكريهة فنحن لم نستحم مند أيام طويلة ” ويستمر الرجل يتكلم والألم واضح في نبرة صوته :” في الليل يأكلنا البعوض فنحن لا نجد مكانا نبيت فيه سوى الخلاء ” ، الرجل الذي بدا صوته يزيد تحشرجا عندما قال ما أوصاه به العالقين على المعبر وهو توجيه مناشدات للكل ما يستطيع أن يذك اسمه فقال :” يا أمة العرب ويا أيها العالم الذي تدعي الحرية … انقدونا “.

تبدد الفرحة

إن كانت معاناة المرضي والمسنين أكثر ألما ، فهذا لا يعني أن المغتربين الفلسطينيين الذي ظلوا يحلمون لسنوات بانسحاب الاحتلال الصهيوني وزيارة ذويهم في أيام الأجازة الصيفية كان الأمر هينا عليهم ، هؤلاء منعوا من تحقيق هذا الحلم لكنهم آثروا أن يذوقوا المعاناة وأن لا يعودوا من حيث أتو أملا في تحقيق الحلم ، من بين هؤلاء العالقين على المعبر كانت سوسن رمضان الفلسطينية التي قدمت مع أسرتها من السعودية لحضر حفل زفاف شقيقتها ، لكن هدفها لم يحقق فقد حال إغلاق المعبر دون أن تكون في غزة وقت العرس ، ومع مرور موعد الزفاف أصرت هذه الفلسطينية على أن تبقي عالقة على معبر رفح بانتظار الفرج والدخول إلى أهلها لتقديم تقديم الهدايا والتهاني لشقيقتها وزيارة ذويها ، وقالت هذه السيدة بصعوبة فهي لت تريد التحدث :” أين المسئولين الفلسطينيين لماذا لا يتحركوا لحل أزمتنا ، نحن هنا في وضع خطير جدا ، أبنائنا سيموتون من سوء الوضع “.

حل المعاناة بأزمة أكبر

مربع التعنت الإسرائيلي فيما يتعلق بمعبر رفح عاد من جديد ، ومفاده أن دولة الاحتلال تضغط في اتجاه عودة الحالات الإنسانية الفلسطينية العالقة في الجانب المصري من معبر رفح إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم ، وهذا ما يعني أن يكون المنفذ الوحيد في قطاع غزة بيد دولة الاحتلال.

مدير دائرة المفاوضات الفلسطينية صائب عريقات أكد أن السلطة لم تعطي موافقتها لدخول المسافرين الفلسطينيين العالقين منذ أسبوعين على معبر رفح في الجانب المصري للعبور عبر معبر كرم أبو سالم التجاري شرق مدينة جنوب قطاع غزة، وقال عريقات في تصريح صحفي أن موقف السلطة الثابت يتمثل في فتح معبر رفح واستمرار العمل فيه وعدم نقل أي مواطن فلسطيني إلى معبر كرم أبو سالم ، وأوضح عريقات أن الحديث كان حول الحالات الإنسانية وأن الصليب الأحمر عبر عن استعداده لنقل الحالات الإنسانية من المرضي المحتجزين في الجانب المصري من المعبر عبر أتوبيسات عن طريق معبر كرم أبو سالم دون تدخل السلطة الوطنية ولم نبدي حتى الآن موافقتنا لهذا الطرح.

وهذا ما أكده أيضا الناطق باسم حركة فتح في القطاع عبد الحكيم عوض في بيان صدر عن حركته جاء فيه :”إننا ندرك جيداً حجم المعاناة التي يتعرض لها أبناء الشعب الفلسطيني العالقين في الجانب المصري، ولكننا ندرك تماماً أن معركتنا مع الاحتلال معركة إرادة وصبر، وما يهدف إليه الاحتلال على الدوام هو كسر هذه الإرادة ، وبالتالي تمرير الاحتلال لمخططاته، ورفض عوض كافة أشكال الضغوطات الإسرائيلية المتواصلة لنقل معبر رفح إلى منطقة الدهنية، أو تنقل الفلسطينيين على معبر كرم أبو سالم، وأكد عوض على تمسك الشعب الفلسطيني بالمرور الآمن عبر معبر رفح، كونه مظهراً أساسيا من مظاهر السيادة الفلسطينية.