المسعفون في غزة.. صديقي الموت رفقا بنا

مع توالي الاحتياجات والتوغلات الإسرائيلية للمدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، يبدو دور أطقم الإسعاف الفلسطينيين أشبه من يرقص على حافة الخطر، حيث يخوض رجال الإسعاف بشكل شبه يومي صراعا متجددا مع قوات الاحتلال، يشكل نموذجا مصغرا للصراع بين الحياة الموت، فطواقم الإسعاف تجاهد لإنقاذ حياة جريح أو إغاثة مصاب بينما لا تتواني قوات الاحتلال عن منع ذلك بكل ما تملك من قوة، حتى ولو كان ذلك عن طريق استهداف رجال الإسعاف أنفسهم.
وتكشف الإحصائيات عن أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت 25 من أفراد الأطقم
الطبية وأصابت العشرات منهم، بينما دمرت حوالي 85 سيارة إسعاف تدمير كلي في أكثر من
ألف وثلاثمائة توغل إسرائيلي في الضفة وغزة منذ بداية عام 2000.
وخلال الهجوم الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، كان للعديد من رجال الإسعاف
روايتهم التي تسجل ما يتكبده الإنسان الفلسطيني بفعل عمليات القصف والتوغلات
المتتابعة للقطاع، ويشير المسعف إيهاب تمراز، وهو مسرع باتجاه سيارة الإسعاف لإنقاذ
مصاب جديد أصيب في غارة جوية في بلدة بيت ناهيا شمال القطاع، إلى أن هدفه الوحيد هو
إنقاذ المصابين قبل أن يفارقوا الحياة، ويمضي قائلاً: إن سلامتي هي آخر ما أفكر به
فعندما أخرج لإنقاذ المصابين فكل همي هو أن أكون الأسرع في الوصول إليهم من الموت.

ويعمل تمراز كمسعف متطوع في طاقم إسعاف شمال القطاع منذ أربع سنوات، موضحاً أنه
قد تعرض للموت خلال هذا الاقتحام عدة مرات وبأكثر من طريقة.
ويقول تمراز: بالأمس أطلق قناص إسرائيلي النار على سيارتنا، ولكن إرادة الله
شاءت لنا النجاة، فنحن معتادون على مثل هذه الظروف وهذا هو واجبنا وعملنا وعلينا أن
نقوم به.
وبدت سيارة الإسعاف التي يستقلها تمراز وكأنها بركة دم، ورائحة الموت تفوح منها
وبداخلها ضمادات وقطن مغموس بالدماء منتشر في أرجائها، حيث كانت السيارة أشبه بغرفة
عمليات صغيرة.
ويضيف تمراز وهو يغسل سيارته من دماء احد الشهداء الذي فارق الحياة قبل وصوله
إلى مستشفى كمال عدوان شمال القطاع: خلال الأربع سنوات التي عملت بها كمسعف متطوع
لم أشهد أعنف وأقسى من هذه العملية الإسرائيلية، لقد شاركت في العديد من الاجتياحات
والتوغلات، ولكن هذا الأسوأ على الإطلاق.
ويستهجن تمراز من عدم احترام الجنود الإسرائيليين للقانون الدولي ومعاهدات حقوق
الإنسان التي تضمن لهم حرية التنقل في كافة الأماكن لإنقاذ أرواح المصابين.

ويتهم المسعفون بمستشفى كمال عدوان قوات الاحتلال باستهدافهم وإطلاق النار على
سيارات الإسعاف، لكن مع ذلك يؤكدون أن ذلك لن يثنيهم عن أداء مهامهم وواجبهم الوطني
والإنساني.
ويقول خليل الصيداوي، مسئول إسعاف محافظات شمال قطاع غزة، إن الاعتداءات
الإسرائيلية على أطقم الإسعاف تعتبر خرقاً واضحاً للمعاهدات والقوانين الدولية التي
تكفل الحماية لتلك الأطقم.
وأضاف الصيداوي انه يوجد 6 سيارات إسعاف بمستشفيات الشمال وما يقارب 16 مسعفاً
وسائق إسعاف، مؤكداً أن هذا الكم غير كافٍ في مثل هذه الأوضاع.
مثل تمراز يوجد العديد من المسعفين وسائقي الإسعاف الفلسطينيين اللذين يركبون
المخاطر وسط التوغلات الإسرائيلية لإنقاذ حياة المدنيين غير آبهين بتلك المخاطر
التي في الغالب قد تودي بأرواحهم.

بلدة بيت لاهيا عاشت خلال الأيام الماضية أصعب أيامها خلال السنوات الست
الماضية، حيث تساقط العشرات ما بين قتيل وجريح في مشهد درامي مروع، حيث بلغ عدد
الضحايا منذ الخميس 6-7-2006 ثلاثين قتيلا وأكثر من ثمانين مصابا بينهم 27 طفلا
وامرأة.
وانهمكت سيارات الإسعاف والمواطنون الموجودون في المناطق التي تعرضت للقصف في
جمع الأشلاء التي تناثرت على جانبي الطريق حيث كان هم كل من وجد في المكان في هذه
اللحظة أن يحاول إنقاذ الجرحى على الرغم من أن هناك خطورة بالغة على حياته هو نفسه.
وقال المسعف محمد أبو سمرة من مستشفى العودة: كنا ندرك خطورة دخولنا إلى منطقة
العملية العسكرية للجيش الإسرائيلي ولكن رسالتنا السامية كانت تحتم علينا إنقاذ
الضحايا بكل السبل.
ويضيف أبو سمرة قائلا: “المشهد كان صعبا.. أشلاء كان يصعب علينا تمييز أصحابها
لأن الصواريخ التي أطلقت كانت شديدة الانفجار حولت أجساد الضحايا إلى أشلاء
متناثرة”.
المشهد الأكثر إيلامًا تمثل في اكتشاف الأطباء عندما كانوا يستقبلون أشلاء قتيل
وصلت إلى مستشفى العودة أن هذه الأشلاء تعود لشخص معاق.
وقال مسعف ممن أحضروا جثمان القتيل: “لقد كان على كرسي متحرك وقد أطلقت المدفعية
الإسرائيلية عليه قذيفة، مما أدى إلى تفتت جسده”.
مشهد آخر أكثر إيلاما يرويه زياد عبد الدايم سائق سيارة إسعاف في مستشفى بيت
لاهيا قائلا: “قمنا بسحب الشهيد مصباح العطار (24 عامًا) من فوق الطابق الثاني بعد
أن أطلق علينا الجيش الإسرائيلي نيرانه بكثافة لمنعنا من نقل الشهيد، حيث قام أحد
أقارب الشهيد بربطه وسحبه من فوق الطابق الثاني لنقل جثمانه للمستشفى”.
ويضيف عبد الدايم “الوضع حتى للطواقم الطبية صعب للغاية، ولا يمكننا العمل على
هذا الحال لأن استهدافنا بات مؤكدا من جيش الاحتلال”.