في مستشفى بيروت الحكومي، تعج الممرات بالضحايا وبالقصص الحزينة الموجعة.. هنا أطفال ونساء وشبان نقلوا إلى بيروت بعد إسعافهم في مستشفيات الجنوب.. يصمتون طويلاً بعيون شاردة كمن يستعيد ألم الشظايا والحروق، يطلقون آهات مسحوبة من أعماق القلب، يسترجعون اللحظات المشئومة بصمت…
ملّوا الكلام في جمهور يسمع ولا يتصرف.. يسألون عن ذويهم ومعظمهم لا يعلم مصيرهم، يسألون ولا يعرفون أن غيابهم سببه رحيلهم الأبدي. هنا الطفلة هويدا خالد (سبعة أعوام) وإلى جانبها فاطمة خليل (12 عاما)، يفرق بينهما ممر ضيق وتجمعهما المحنة.. لا تستطيع فاطمة تحريك ذراعيها أو ساقيها، جسدها الصغير المحروق مغطى بشرشف أبيض.. تقول بصوت خافت: “أنا وعائلتي من قرية بليدا، كنا في الملجأ وسط البلدة برفقة خالتي وأولادها وقصفنا الطيران الإسرائيلي”، تقترب منها لتستمع لما تقول، فتسارع إلى الهمس بصوتها المنهك: “انتبهوا لا تهزوا السرير كثيرا”. حتى النسمات تسبب الألم لجسد فاطمة الصغير المحروق، التي بقيت سبع ساعات متتالية تحت تأثير المخدر.
نفد الكلام من جعبتها، تفتح عينيها الدامعتين وتقول: “أرجوك، هل أستطيع أن أطلب منك خدمة؟”. ترد بالإيجاب علك تستطيع المساعدة، فيحزنك الطلب الذي يشي بزيف فرحها بالنجاة وحقيقة عجزها: “أنفي يرعاني كثيرا، اعملي معروفا مرري إصبعك إلى جانب عيني”.
تقترب منها، فتسمح لك برؤية الشظايا التي حاولت تهشيم الوجه الأبيض الطري، وتترك المجال أمام الرعب كي يتسرب خارج مقلتيها. طوال الوقت تداري فاطمة دموعا تعرف أنها لا تستطيع تجفيفها بيديها، عند سؤالها بما تفكر تجيب: ” أفكر بجسدي المحروق، وأفكر بوالدي الذي بترت قدماه، كان والدي يريد نقلنا؛ لأن عيد ميلادي غدا (اليوم). لقد أصر على أن يحمينا في الملجأ، لكنهم قصفونا جميعا”.
رحلوا الأحبة
على السرير المجاور، تنام هويدا وتستفيق.. ضمادة العين اليمنى لا تخفي جرحا يمتد من الجبين حتى أسفل الذقن، مقطبا قطبا “غير تجميلية”.. والسبب المستشفى الذي استقبلها بادئ الأمر، نفدت منه الخيوط المناسبة. هي تسأل: “أين أحمد وعبلة؟ بدي بابا وماما”.
عمتها التي تهتم بها منذ أيام تحيد نظرها عن العين الخضراء الجميلة، تبكي وتهمس: “لقد انتهت عينها اليمنى تماما، لقد وجدوا داخلها حصى. والدها وأخوها الصغير (سنة وثمانية أشهر) وأختها الكبيرة (10 سنوات) استشهدوا ولا نستطيع إخبارها بذلك، هي تتحدث مع والدتها عبر الهاتف؛ لأن أختها الثانية مصابة أيضا”.
تتطلع هويدا وتقول: “نحن من جديدة مرجعيون، بابا وأحمد وعبلة كانوا عم يلعبوا برا، وأنا وأمي وأختي كنا بالبيت”.
ليس هناك من يريد إخبار هويدا أن كل من كان “برا” لم يعد. هي لا تريد شيكولاتة ولا بسكويتا ولا حتى الجيلو الأحمر الموضوع أمامها. ابنة السابعة لا تبتسم ولا تتكلم.. ترفض حتى أن تأكل “كلي يا حبيبتي كي تتحسني وتطلعي عالبيت”، ترد: “بشوف أخواتي؟”.
أسئلة حائرة
في الغرفة المجاورة أم عليّ على السرير تعاني من جروح في مختلف أنحاء جسدها، وتعاني من آلام أخرى. هي زوجة أحمد علي خليل الذي بترت رجلاه، ووالدة فاطمة الصغيرة المحروقة، وعلا ابنة السنة التي لم تصب إلا ببعض الشظايا السطحية في رأسها، وآية ابنة السنوات الثلاث التي فقدت إبهامها “ماما ليش عملت إسرائيل فينا هيك؟”.
في مساعي آية للاستسلام للنوم، تحاول وضع إبهامها في فمها من دون طائل، الإبهام الطري دفن مع ركام الملجأ.
على الرغم من تعبها والآلام، تبدو أم علي متماسكة إلى أبعد الحدود. لكنها تنهار فجأة عندما جاء من يخبرها أن هناك من قام بدفن رجلَي زوجها في الضيعة “لم يقصفوا على مواقع حزب الله بل على البيوت مباشرة، هذا كله كذب، لقد قصفوا الملجأ، كان حجابي يعصر دما، كما أن ثيابي كانت ممزقة، ومع ذلك خرجت إلى الشارع وناديت من يسعفنا وإلا لكنا بقينا تحت الركام. كانوا يلمون قطع الدم واللحم من جسم ابنتي فاطمة”.
يقول أبو علي، رب الأسرة المنكوبة: إنه يحرص على زيارة أولاده مرة في اليوم، على الكرسي النقال الذي ينقله من الطابق الأول حيث غرفته. يتوقف أبو علي عن الكلام، ينظر إلى سقف الغرفة مصرًّا على إخفاء دمعة كادت تفيض: “حتى ابني سألني، بابا رح يعطوك رجلين؟”.
يؤكد طاقم العمل في المستشفى أنه سيتم استدعاء طبيب تجميل للأطفال من أجل الاهتمام بفاطمة وهويدا، علما بأن الحاجة الحقيقية تكمن في حضور مختصين قادرين على معالجة الصدمة التي يعاني منها المصابون، أو يساهمون على الأقل في تهيئتهم لتلقي أنباء استشهاد أحبائهم.
نقلا عن صحيفة السفير اللبنانية في 24-7-2006.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72591
