مفروشات على الأعشاب.. وملابس معلقة على الأشجار.. وأطفال ونساء لا يملكون إلا السماء سقفا لهم.. مشاهد متكررة في حدائق بيروت العمومية بعد أن أصبحت ملاذا أخيرا للنازحين الهاربين من مناطق القصف الإسرائيلي بعد أن اكتظت المدارس بنظرائهم.
فمنذ بضعة أيام تحولت حديقة “الصنائع” الشهيرة بوسط العاصمة اللبنانية إلى ملاذ لمئات النازحين القادمين من الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي تتعرض يوميا لقصف إسرائيلي عنيف، هذا فضلا عن النازحين من قرى الجنوب
اللبناني.
هنا في “الصنائع” لا يمكن أن تفرق بين النازحين من القرى الشيعية وبين أولئك القادمين من القرى السنية أو المسيحية، “فنحن ساكني الحديقة الذين لا تغطيهم إلا السماء الزرقاء بلهيب صيف بيروت الساخن، في الهم سواء”،
كما يقول “يوسف” القادم من الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويضيف يوسف : “أمام امتلاء المدارس لم يبق لنا إلا أن نلجأ إلى هذا المكان، والنوم تحت السماء دون وجود حمامات.. إننا في أسوأ حال، ولم يعد لنا رجاء في أحد إلا في الله الذي لن يضيعنا”.
“العالم يتفرج علينا”
وخاطبتنا مسنة تمسك بطفل في يدها قائلة: “لا تصوِّرنا.. تصورونا لتضحكوا علينا.. هيك!! لقد مللنا كل ما يجري وكل العالم يتفرج علينا دون أن يحرك له ساكن”.
نظرات اليأس والضياع تملأ وجوه النازحين إلى حديقة “الصنائع” المقابلة لوزارة الداخلية اللبنانية؛ حيث تنتشر مفروشات على الأعشاب، وملابس أطفال معلقة على جذوع الشجر، وأمام خزانين من الماء يتزاحم أطفال من أجل
شربة ماء يملئونها أولا في قوارير بلاستيكية.
أعداد النازحين إلى “الصنائع” بلغ بحسب “سرجون القنطار”، المشرف على مركز الإغاثة، حوالي 3500 شخص.
ومضى موضحا أن “نصف العدد يتركون متاعهم القليل الذي حملوه معهم، ويبحثون عن سكان في المنطقة كي يؤوهم، ثم يعودون صباحا، أما البقية فيقضون ليلهم بين الشجر، ومن حسن حظهم أننا في فصل الصيف، غير أن هذه
الوضعية تبقى مهينة بجميع المقاييس، فلا خصوصية للنساء والفتيات ولا حمامات”.
واستطرد المسئول قائلا: “نسعى إلى توفير بعض الأغذية والدواء، وبالرغم من ذلك تبقى الوضعية بحاجة إلى مساعدات إغاثية عاجلة”.
رغيف خبز
عندما كان “سرجون القنطار” يتحدث فتحت أبواب الحديقة الحديدية، ودخلت شاحنة للأغذية لينتفض واقفا جميع من كان جالسا على الأعشاب والراقد على المفروشات المنتشرة في الحديقة، والتف الجميع حول الشاحنة في
مشهد يذكر كثيرا بمشاهد المجاعات التي ضربت دولا إفريقية، وكثر الضجيج والهتاف والصراع، فكل يسعى للحصول على رغيف خبز.
من بعيد وقفت الحاجة “مهدية ديران” (65 سنة)، النازحة من الضاحية الجنوبية للعاصمة، تنظر إلى المشهد، وقالت : “ما في نفس حتى أدخل أي شيء إلى معدتي، ولو جاءوا لي بأشهى مآكل العالم، أنا لم آكل منذ ثلاثة
أيام منذ أن سمعت أن البيت انهد في الضاحية الجنوبية على ابني وعلى بناته الثلاثة”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72597
