ربما تستغرب الأذن عندما تستمع لكلمة “الضيوف” التي يرددها عشرات الشبان والشابات اللبنانيين عند حديثهم عن عشرات الآلاف من سكان الجنوب وأهالي الضاحية الجنوبية لبيروت الذين اضطروا للنزوح من مناطقهم هربًا من القصف الإسرائيلي.. لكن إن كان للبنان من مبرر للفرح وسط هذا العدوان الذي زرع المأتم ليس فقط في كل شارع بل في كل منزل، فهم هؤلاء الشباب الذين سخروا كل طاقتهم من أجل مساعدة النازحين وتخفيف المعاناة عنهم، وكان شعارهم “وحدتنا خلاصنا”.
ألفان وخمسمائة شخص من النازحين سيتناولون اليوم وجبة غداء أعدّتها أيدي نساء ورجال حوّلوا شقة متروكة منذ سنوات بالقرب من حديقة الصنائع إلى مطبخ “للضيوف”.
فكرة المطبخ انطلقت مع بدء النزوح، ثم حصلت على دعم الهيئة العليا للإغاثة. وكان المشروع قد بدأ بإعداد الطعام لخمسمائة شخص، ثم توسّع وطُوّر ليؤمن وجبات لخمسة آلاف نازح تتضمن الأرز واليخاني، بالإضافة إلى الفاكهة.
رائحة الطعام تمتدّ إلى الشارع المحاذي، الأناقة وأجهزة الطبخ الحديثة لا أهمية لها هنا. المهم هو وجود حوالي اثني عشر قدرًا كبيرًا وغازًا كافيًا لطهو أطباق اليوم. توضح رئيسة جمعية سيدرز عفت إدريس “أحمد لله أننا وجدنا سقفًا يحضن عملنا، وضع الشقة كان تحت الصفر من حيث الجهوزية، لكننا قمنا بطلي الجدران لقتل البكتيريا، ونحرص على نظافة الطعام عبر استعمال مياه الشرب للطهي، وفي الأيام المقبلة سنؤمن مراويل وأغطية للرأس لكل العاملين”، ثم تنهض لتجول على المطبخ المؤلف من خمس غرف مستغلّة بالكامل للتخزين والطهي، بالإضافة إلى غرفة جانبية تستخدم كغرفة نوم لشبان لا يغادرون المكان.
لا يمكن زيارة المكان من دون ملاحظة نشاط عمل المتطوعين من نساء ورجال، هم أعضاء في جمعية “سيدرز”، بالإضافة إلى سيدات اتخذن من حديقة الصنائع بيتًا لعائلاتهن بعد النزوح.
بطون خاوية
الثانية بعض الظهر هو ميعاد مقدس بالنسبة إلى العاملين هنا، فبعد الانتهاء من تحضير وجبات الطعام يتم توزيعها على حديقة الصنائع، بالإضافة إلى 5 مدارس، بناء على تعليمات دقيقة تأتي من قبل هيئة الإغاثة.
الكل يعلم أن بطون مئات الأطفال الخاوية تنتظر وجبة الغداء بفارغ الصبر، ما يحتّم على المتطوّعين بدء العمل عند الرابعة فجرًا يوميًّا. إلا أن انتهاء إعداد الطعام لا يعني انتهاء مهام من قرر التطوّع. فبعد الطبخ يأتي دور التوضيب والنقل، ثم يحين موعد غسل الأواني: “ينتهي الدوام رسميًّا عند الساعة السادسة” يعلق أحد الحاضرين ممازحًا: الكل يؤكد هنا أن عدد المتطوّعين يختلف باختلاف ساعات النهار وقد يتعدّى العشرين أحيانًا.
في غرفة الطهي، يقوم الحاج صالح بتحريك قِدر كبير من الفاصوليا، هو تاجر أصلاً، لكنه يعتبر أن المفاضلة بين الجلوس وراء صندوق البيع والوقوف أمام قدر يغلي يحسم مباشرة لمصلحة الفكرة الأخيرة كجزء بسيط من واجبه الوطني والإنساني: “على كل لبناني أن يساعد إخوانه اللبنانيين، كل بيروت فتحت أبوابها، ويا ليت كل الجمعيات تفعل ما باستطاعتها لتأمين ما هو لازم”.
في زاوية أخرى كانت أحاديث واقع الحال طاغية بين زينب عنوع وميرفت ظاهر. هما سيدتا منزل نزحتا وباتت الحديقة بيتهما الثاني، مهمتهما اليوم تقضي بتقطيع اللحمة بعد ارتداء قفازات بلاستيكية شفافة.
تقول زينب التي اعتادت المجيء إلى هنا منذ فترة قصيرة: “أنا من النبطية وساكنة حاليًّا بالجنينة، لدي ثلاثة أولاد، جئت إلى هنا؛ لأن مشهد الأطفال الجياع بيحرق القلب. آتي إلى هنا عند الحادية عشرة وأغادر عند الرابعة”. زينب تصرّ على ألا تتناول الطعام وهي في المطبخ، تذهب إلى الحديقة وتنتظر أن تأكل وجبة ساهمت في إعدادها: “مثلي مثل غيري”.
إلى جانبها، كانت ميرفت تتحدث عن بيتها الذي تهدم بالكامل في حارة حريك، بالضاحية الجنوبية، باتت اليوم جارة زينب، أي أنها باتت “تملك الشجرة المجاورة لشجرتي في الحديقة”، تعلق عن سبب مشاركتها في إعداد الطعام، قائلة: “عندما أراهم يأكلون أشعر كأني أنا من آكل، الحضور هنا مفيد، أحس بالقرب من الآخرين، كما أن مشاركتي واجب إنساني”.
المسئول عن المطبخ يؤكد أن هناك نوعين من الصعوبات أولها غياب بعض المواد من السوق، وثانيها ضعف الإمكانات المادية وهاجس انقطاع الغاز، إلا أن العمل حتى الآن يسير بشكل جيد.
لـ”غد أجمل”
“وحدتنا خلاصنا”، هذا الشعار الذي يعوّل اللبنانيون عليه في أيامنا العصيبة هذه، اعتمدته مجموعة من الشباب المتطوعين في جمعية “فرح العطاء”، فلبست قمصانًا تحمل هذا الشعار، وتحركت صوب الحدود في العريضة.
هؤلاء الشباب والشابات، هم جميعًا طلاب جامعات. تطوعهم لا يقتصر على نقل المساعدات الإنسانية من الحدود إلى مراكز الإغاثة وأماكن وجود النازحين في كل المناطق اللبنانية، بل إن عملهم التطوعي منوّع وعلى صعد مختلفة.
“عندما بدأ العدوان على لبنان، أحسست أنه عليّ فعل شيء مفيد لوطني، تعبيرًا عن رفضي لما يعانيه لبنان. فنحن الشباب لا نستطيع أن نوقف الحرب ولا الغارات، لكن على الأقل نستطيع الاهتمام بالنازحين وتأمين المواد الضرورية واللازمة لهم ليعيشوا بكرامة، وليستطيعوا إمرار هذا الوقت القاتل ريثما يعودون إلى بيوتهم وقراهم”، هذا ما تقوله منال قاعي، الشابة النشطة المتطوعة في جمعية “فرح العطاء”.
منال ليست وحدها، فهي واحدة في مجموعة من حوالي 30 شابًّا وشابة، “لا جامعات اليوم وعلينا الاستفادة من الوقت بالمساعدة بدلاً من البقاء في المنازل وانتهاء الأزمة. لبنان اليوم في حاجة إلى عدد كبير من الشباب للتطوع على كل الأصعدة والمساعدة في تخفيف المعاناة، وبالتالي تأكيد على الصمود”. وتدعو منال قاعي جميع الشباب للتطوع ولو بساعات قليلة من أوقاتهم، “وبالتالي نساهم في تعزيز الوحدة وتخفيف الآلام وتأكيد دور الشباب اللبناني في بناء الوطن”.
شعور بالنخوة
جمعية “فرح العطاء”، تسعى منذ تأسيسها عام 1985، لجمع شمل العائلة اللبنانية، فهي تعتمد على شعار “فرحك فرحي ووجعك وجعي”. العمل التطوعي للجمعية لا يقتصر على نقل المساعدات والإيواء؛ إذ قدّمت جامعة القديس يوسف إلى الجمعية مطبخ كلية إدارة الفنادق في الجامعة في مار روكز، وبدعم من رئاسة الجامعة أصبح كل الجهاز الأكاديمي الذي يعلم الطهي ومدير الكلية فيليب فتال وجميع الطلاب في الجامعة متطوعين، ويساهمون في هذا المطبخ مع شباب متطوعين من الجمعية. يقدّم المطبخ يوميًّا 1600 حصة ووجبة ساخنة للنازحين في المراكز الثلاثة التابعة للجمعية وفي مركز الأشرفية بإدارة “كاريتاس”، وفي مركز في الحازمية وفي المدرسة الرسمية في المنصورية وثمة عائلات تعيش حول المدرسة.
في مطبخ “مار روكز” لا فرق بين أستاذ وطالب، الجميع يعمل بيده. الجميع سعيد بما يقدمه. المطبخ أصبح فعلاً خلية عمل وفي حركة دائمة. فالمتطوعون لا يهدءون ويتوزعون بين تنظيف الخضراوات وتقطيعها والطهي والجلي ونقل الوجبات إلى المراكز في الوقت المحدد.. ويحاول ملحم خلف مدير الجمعية تفسير هذا الحماس قائلاً: “علينا أن نعرف أن الغد أجمل من هذه الأيام، علمًا أننا سنمرّ في أوقات عصيبة وصعبة؛ لذا علينا وضع خطة لنستطيع جميعًا التغلب على الألم والوجع لاحقًا. فاليوم يعتبر حالة طوارئ، والوجع متروك للغد”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72610
