تلاسن كلامي حاد ذلك الذي نشأ بين أبو صبري -الذي يرتدي جلابية وسروالا, ويضع على رأسه الحطة والعقال التقليدي للرجل الفلسطيني, وزوجته أم صبري -التي ترتدي جلابية خضراء اللون من النوع التقليدي الذي ترتديه عادة المرأة الفلسطينية البسيطة في بيتها- والتي لا تكل مطالبة زوجها بتوفير احتياجات البيت من أساسيات وكماليات في ظل وضع خانق, فالاحتلال يواصل عدوانه ويفرض حصاره, أما بناتها الستة فقد التفوا حول والدهم وطالبوه بذات الطلبات التي أرهقت جبينه إلى أن بدأ يستصرخ من يجيره.
فجأة تدخل المصلح الاجتماعي أبو صالح لحل الخلاف القائم بين أبو صبري وزوجته، ومن ثم نصح أبو صبري بتوجيه بناته صوب المساجد ليتعلموا القرآن والكلمة الطيبة
والصبر على المحن, شكر أبو صبري جاره المصلح ووعده أن يأخذ بنصيحته.
كانت هذه فقرة فنية قدمتها بإتقان عال وأداء فني مميز زهرات مخيم الصلاح الذي تنظمه جمعية الشابات المسلمات في روضة الصلاح بحي الصبرة في مدينة غزة للفتيات من
سن 7- 12 عاما, وذلك ضمن سلسلة مخيمات “سراج الأقصى” التي تنظمها الجمعية في مختلف مناطق قطاع غزة، وتحظى برعاية ائتلاف الخير.
فن هادف
مشرفة المخيم نسرين عبده قالت لـ”إنسان أون لاين”: “يقدم المخيم الذي تشارك فيه 10 مرشدات, برامج متنوعة للفتيات المشاركات والبالغ عددهن 150 زهرة,
تتنوع ما بين السلوكيات والتعاليم الإسلامية والإرشاد والقصة والتدبير المنزلي والفن الهادف”.
وأوضحت نسرين: “يهدف المخيم إلى الترويح عن الفتيات اللاتي يعانين قسوة الوضع الحالي, فهن فتيات صغيرات لا ذنب لهن فيما يحدث”.
وتابعت: “تتعلم الزهرات العديد من الأشياء المفيدة وذلك من أجل تربية الفتاة تربية إسلامية صحيحة”.
وبينت أن المخيم يحتوي أيضا فقرات الفن وصنع المجسمات من أدوات بسيطة متوفرة داخل كل بيت أو حتى أشياء تالفة مثل الزجاج المهشم والورق الملون.
وتلفت إلى أن الفتيات في هذا المخيم تميزن بالإتقان العالي لفن التمثيل, حيث أجادت الزهرات اختيار المقطوعات التي يقمن بتمثيلها بالتعاون مع مشرفتهن, كما أجدن
تمثيلها بأداء عال يدل على سرعة بديهة هؤلاء البنات, وتميزهن في هذا المجال.
وأضافت: “كل فتاة تختار الدور الذي تشعر أنه يناسبها وأنها قادرة على إتقانه, وتقوم المشرفة فيما بعد بتوفير الملابس الملائمة للأدوار التي تختارها كل فتاة, ثم تبدأ
البروفات التمثيلية لتحفظ كل فتاة دورها وتؤديه بإتقان”.
وتتابع: “في ختام البروفات التمثيلية تؤدي الطالبات عرضهن الفني التمثيلي أمام زميلاتهن المشاركات في المخيم ومن ثم يتم فتح باب النقاش حول الدروس المستفادة من
هذه المسرحية”.
واعتبرت أن أسلوب توجيه الفتيات للسلوك القويم من خلال العروض الفنية فعال ومفيد فضلا عن أنه ممتع ويحقق الهدف الإقناعي أكثر من أسلوب التوجيه المباشر, لكونه
يتضمن قصة كاملة تؤدي الهدف المنشود.
وحول مشاركة الفتيات في المخيم قالت نسرين: “بدأنا بعدد 70 فتاة ومن ثم ارتفع إلى 150 الآن, نظرا لرغبة الفتيات في إيجاد نشاط يساعدهن على التكيف مع
الظروف الحالية وتناسيها ولو بشكل مؤقت”.
وتابعت: “رغم أن مقر المخيم تأثر بالعدوان الإسرائيلي حيث تكسر زجاج نوافذه, فإن الفتيات واصلن المشاركة فيه ولم يدفعهن ذلك لعدم العودة إليه مرة أخرى”.
ترويح
من جانبها، أعربت إحدى المرشدات في المخيم عن سعادتها للمشاركة فيه قائلة: “إنه من بالغ سعادتي المشاركة في نشاط لزهراتنا اللاتي تعبن من الوضع الذي يعانيه
قطاع غزة, ويجب ألا يدفعن ثمن أمور ربما لا يفهمونها”.
وأكدت المرشدة وهي متخصصة في مجال الخدمة الاجتماعية أهمية الأنشطة الصيفية بالنسبة للفتيات لكونها تساعدهن على الانشغال في أمور غير الظروف المعيشة,
إضافة إلى أنها تعد نوعا من الترويح عن النفس يعمل على تعديل الحالة النفسية لهن”.
وتابعت: “من خلال المخيم تعلمت الزهرات أيضا صنع أشياء بأنفسهن مثل صنع المجسمات الصغيرة من أشياء بسيطة وعلب الأقلام من الكرتون وغيرها, كما تعلمن
التدبير المنزلي ومارسنه بإتقان عال وهذا منح الفتيات سعادة بالغة وثقة بأنهن قادرات على فعل أشياء متنوعة”.
الفن الإرشادي
التقت الطالبة نور التي كانت ترتدي زيها المدرسي بزميلتها ضحى في الشارع, فصافحتها كفا بكف, وبدأت تهزأ بزميلاتها الأخريات, ثم قالت لضحى “احكي لك
نكتة”.. قالت نور النكتة وضحكت بصوت مرتفع في الشارع.
ضحى التي استاءت من موقف زميلتها احتفظت بلباقتها في الحديث حين قالت لنور إنه من غير اللائق النميمة على الناس كما أنه محرم في الدين الإسلامي, كما أنه من غير
المناسب الضحك في الشارع بهذه الطريقة التي تجعل الناس تلتفت إلى الفتاة وتنظر إليها على أنها غير محافظة في تصرفاتها.
نور جادلت ضحى بعض الشيء ومن ثم اقتنعت بكلامها المهذب وقالت لها: “كلامك صحيح يا ضحى سوف أعمل من الآن فصاعدا على تعديل هذه التصرفات السيئة
وأستبدل بها السلوك الحسن”.
كانت هذه فقرة أخرى من عرض تمثيلي رائع قدمته زهرات مخيم الصلاح اللاتي بدا عليهن الانسجام التام في هذا العمل الفني الراقي المنفذ بأسلوب محترف رغم أنه بسيط
الإمكانيات.
“إنسان أون لاين” التقت الزهرة ضحى اللوح (12 عاما) التي أدت دور أبو صبري في المسرحية الأولى، وتحدثت ضحى عن غرامها بفن التمثيل: “أحببت
التمثيل وكنت أشارك في الأعمال الفنية التي كانت تنظم في المدرسة, كنت أشعر أنها طريقة سهلة وبسيطة ومقنعة وممتعة لتعليم زميلاتي سلوكا قيما أحبه لنفسي ولهن في
آن واحد”.
وتابعت: “صعوبة الظروف الحالية دفعتني وزميلاتي إلى المشاركة في نشاطات صيفية تخفف عنا ما نشعر به, صحيح أنني لا أخاف القصف فقد تعودت عليه, لكن
الوضع العام خانق جدا”.
وأضافت: “كما أنني أود توجيه رسالة إلى كل من يقرأ هذا الموضوع أننا أيضا أطفال من حقنا أن نعيش بحرية وسلام وأن نلعب كباقي أطفال العالم”.
وتابعت: “صورة الطفلة هدى غالية لا تغيب عن خيالي أبدا, وحلمت بها في منامي أكثر من مرة, ما أريد قوله أن أطفال فلسطين لا يطلبون الكثير فقط يريدون
اللعب والعيش بأمان, هل هذا كثير خاصة أن أطفالا غيرنا ينعمون بأضعاف ذلك بكثير, ألسنا أطفالا مثلهم؟”.
سؤال توجهه ضحى وتشاركها فيه زميلتها نور عبده (11عاما) التي قامت بأداء دور أم صبري متقمصة شخصية الأم كثيرة المطالب بمستوى فني يصل إلى حد
الاحتراف.
تقول نور: “صحيح أنني تعلمت في المخيم العديد من الأشياء المفيدة والنافعة التي أشكر المرشدات والمشرفة عليها, لكن أكثر شيء أحببته هو التمثيل الذي يستهويني
دائما, فهو قبل كل شيء فن جميل وشيق، يسلي الأطفال ويؤثر في سلوكهم”.
ثم تابعت: “لا يمكن ألا تؤثر الظروف الحالية في حياتنا، كل يوم نرى مشاهد دمار وخراب, نحن كأطفال نناشد كل العالم وكل الناس أن يتدخلوا لإنقاذ أطفال
فلسطين, لا نريد أشياء كثيرة, نريد فقط أن نلعب كباقي أطفال العالم”.
أما الزهرة نيفين الشوا (11عاما) والتي قامت بدور أبو صالح المصلح الاجتماعي فتحدثت: “ما أردت قوله من خلال دوري هو ضرورة أن يساعد الناس بعضهم
البعض وأن يقدموا النصيحة لجيرانهم, وألا يبخلوا عليهم, كما أنني أريد من كل الأطفال أن يفهموا الظروف السيئة التي يعيشها أهلهم وألا يكثروا الطلبات, لأن هذا
ليس بأيديهم, إنه بسبب الاحتلال, فلو كان أهلنا يملكون شيئا فلن يبخلوا علينا, لكن الاحتلال يضغط عليهم, فما ذنبهم, علينا أن نساعدهم”.
وتابعت: “صحيح أن الظروف الحالية تخيف الأطفال لكني تعودت عليها, لم أعد أخشى صوت القصف المرعب لكن أخشى أن يكون القصف أدى إلى قتل أو إصابة
أناس أبرياء لا ذنب لهم”.
وناشدت نيفين كل العالم التدخل لإنهاء معاناة أطفال فلسطين، وأضافت: “كما أنني أتمنى استمرار الأنشطة الترفيهية والتعليمية للأطفال ليتمكنوا من مواجهة هذه الأشياء
التي لا ذنب لهم بها”.
طالبة أخرى كانت تقف إلى جوار المشغولات اليدوية التي أبدعتها زهرات المخيم قالت: “أحببت المخيم كثيرا وأتمنى المشاركة في كل الأنشطة”. حين سألناها عن
رأيها في المخيم، قالت بخجل وبراءة الطفولة: “حلو”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72628
