معاناة الفلسطينيين تشتد في رمضان و70% من العائلات صارت تحت خط الفقر

في سوق بيع الخضار في طولكرم وقف محمد وراء بسطته يصرخ بأعلى صوته، محاولا إغراء المارة بالشراء، ولكن من دون جدوى، ويعلق على ذلك قائلا بالعامية: “الناس بطلوا يوكلوا”، مشيرا بإصبعه إلى عدد من بسطات الخضار المعدودة، ويضيف كان السوق يعج بالعشرات من هذه البسطات، وغالبيتهم من العمال الذين فقدوا أعمالهم في الداخل، إلا أنه في الأيام الأخيرة خفت حركة البيع بشكل كبير جدا، على عكس أشهر رمضان السابقة، حين يكثر إقبال الناس على شراء الخضار.
ويضيف قائلا إنه بدلا من أن يشتري الزبون 3 أو 4 كيلوجرامات، كما كان في السابق، فإنه صار اليوم يشتري كيلوجراما واحدا فقط أو حتى نصف كيلوجرام، ولهذا يتبقى الخضار عندنا عدة أيام، وبعضه يتلف، بينما كنا في السابق نبيع نفس الكمية في ساعة أو ساعتين فقط، ولهذا اضطر عدد كبير منا إلى ترك بسطاتهم، والبحث عن عمل آخر، رغم قلة الأعمال، وبعضهم فضل المغامرة واختراق الحواجز العسكرية الإسرائيلية، بحثا عن عمل داخل فلسطين المحتلة عام 1948.
ويقول رئيس جمعية حماية المستهلك الفلسطينية في مدينة رام الله ماهر الدسوقي: إن أوضاع الأسرة الفلسطينية خلال شهر رمضان الحالي أضحت صعبة جدا؛ لدرجة أن هناك أسرا فلسطينية لم يعد لديها أي مصدر دخل على الإطلاق منذ 7 أو 8 أشهر، وهي تعتاش الآن على بعض الإعانات العاجلة وبعض المساعدات من هنا وهناك، تقدمها بعض اللجان الشعبية والأهلية.
وأضاف: الفقر والبطالة في الأراضي الفلسطينية في ازدياد، إضافة إلى الحصار المشدد والتضييق من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين وأسرهم؛ وهو ما يحد من حركة المواطن الفلسطيني في طلب العمل، فضلا عن أن كثيرا من الأماكن وبعض القرى الفلسطينية بدأت تعاني من نقص خطير في المخزون الغذائي بسبب الطوق المفروض حولها.
وأوضح أن الجميع رفع شعار القضاء على البطالة والفقر، إلا أن الانتفاضة كشفت المستور، وتبين أنه لم يكن هناك أي خطة لمتابعة هذه المواضيع، ولا خطة طوارئ لمتابعة أوضاع المواطنين بشكل عام، والفقراء والمحتاجين بشكل خاص.
ودعا الناشط الاجتماعي إلى وقفة جدية، مشيرا إلى أن هناك أسرا فلسطينية لا تجد على مائدة الإفطار إلا الماء وبعض الشوربات، وربما قليلا من الشاي أو القهوة “ويكونون شاكرين لله”.
وأشار إلى أن جمعية حماية المستهلك بدأت حملة في شهر رمضان لإيصال أكبر قدر من المواد الغذائية والملابس وحليب الأطفال إلى الأسر المحتاجة والفقيرة، ولا تزال الحملة في أوجها.
وقال إن الفلسطينيين لم تخلق لهم بعد بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية، من أجل تحقيق التنمية الاجتماعية، كما ورد في العناوين العشرة التي دعت إليها قمة كوبنهاجن، والتي صدرت في عام 1995، ووقّعت عليها السلطة الفلسطينية، ولا توجد عندنا سياسات ولا خطة طوارئ لمواجهة هذه الأوضاع.
وأضاف أن مكافحة الفقر والبطالة هي التزام وطني من جانبنا، وليس اشتراطا خارجيا. وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يعاني من مشكلتين: الأولى هي الاحتلال، وما يفرزه من حصار وإغلاق. والثانية تتمثل في عدم وضوح ترتيب أوراقنا الداخلية؛ وهو ما يخلق إشكاليات كبيرة أمام المواطنين، داعيا إلى البحث عن حلول سريعة لهذه الإشكاليات؛ إذ ليس من المعقول أن يدفع المواطن الفقير دمه وقوت يومه وبيته، ويستمر في دفع هذه الفواتير الباهظة، بينما البعض لا يلتفت إليه.
ويؤكد عاملون اجتماعيون واقتصاديون فلسطينيون أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة فرضت نفسها خلال شهر رمضان على المواطن الفلسطيني، ولا سيما على موائد الإفطار التي اختفى منها كثير من أصناف الطعام التي اعتاد الفلسطينيون على إعدادها خلال هذا الشهر؛ وهو ما يشير بوضوح إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الفلسطينيون، بسبب الحصار الخانق والإجراءات المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي المحتلة منذ 14 شهرا؛ إذ منع أكثر من مائتي ألف عامل فلسطيني من الالتحاق بأعمالهم في فلسطين المحتلة عام 1948؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر.
ويقول منسق الفريق الفلسطيني لمكافحة الفقر في وزارة التخطيط والتعاون الدولي الدكتور محمد غضية: إن نسبة البطالة في صفوف الفلسطينيين زادت عن 36%، بسبب منع الدولة العبرية العمال الفلسطينيين من العمل في مصانعها، وكذلك فصل عشرات الآلاف من العمال من المصانع المحلية بعد أن أغلق المئات منها أبوابها؛ لعدم توفر المواد الخام أو لقيام سلطات الاحتلال بمنع منتجات هذه المصانع من الدخول إلى أسواق المدن الفلسطينية الأخرى أو تصدير منتجاتها إلى الخارج، وكذلك بسبب تضاؤل القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني.
وأضاف الدكتور غضية أن 64% من الأسر الفلسطينية صارت اليوم تحت خط الفقر، مقابل 25% عام 1998، وارتفعت هذه النسبة اليوم لتصل إلى 70%؛ بسبب اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي للمدن الفلسطينية.