البنغالي يونس ‘مصرفي الفقراء’ .. سلام من نوع خاص

فاز بنك جرامين في بنجلاديش ومؤسسه محمد يونس بجائزة نوبل للسلام لجهودهما في إبعاد خطر الفقر عن الملايين؛ وهو ما أكسب البنك لقب “بنك الفقراء”.
وأسس يونس نمطا جديدا من البنوك عام 1976 يمنح القروض لفقراء بلاده خاصة النساء
ليمكنهن من إدارة مشروعات أعمال صغيرة دون ضمان، مرسيا نظاما جديدا للقروض
المتناهية الصغر اقتبس في جهات شتى من العالم.
وقالت اللجنة النرويجية المكونة من 5 أعضاء في بيان إعلان اقتسام يونس وبنك
جرامين جائزة نوبل للسلام لعام 2006 مناصفة: إنهما منحا الجائزة “عن جهودهما لخلق
التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا… يونس وجرامين أثبتا أن أفقر
الفقراء بوسعهم العمل لتحقيق التنمية”.
وقال أولي دنبولت مجويس رئيس لجنة نوبل النرويجية: “السلام الدائم لن يتحقق إلا
إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفقر. والقروض الصغيرة من الوسائل
التي تحقق ذلك. وتنمية القطاعات الدنيا تخدم في دفع الديمقراطية وحقوق الإنسان
قدما”.
وجاء فوز جرامين ومحمد يونس من بين 191 مرشحًا مفاجأة، ويتقاسمان الجائزة التي
تبلغ قيمتها 10 ملايين كرونة سويدية (1.36 مليون دولار)، وسيتم تسليم الجائزة في
أوسلو في العاشر من ديسمبر في ذكرى وفاة مؤسس الجائزة السويدي ألفريد نوبل مخترع
الديناميت.
دعم الحلم
وأعرب الفائز محمد يونس في تصريحات إذاعية عن سعادته “لدعم حلم إيجاد عالم خال
من الفقر”، وأضاف يونس: “في بنجلاديش حيث لا ينجح شيء ولا توجد كهرباء نجح نظام
القروض الصغيرة وعمل بانضباط كالساعة”.
وفى تصريحات أخرى للتلفزيون النرويجي من منزله في دكا عاصمة بنجلاديش قال:
“الجائزة أبرزت المهمة الهائلة لكي يتخلص العالم من الفقر.. الآن ستشتد الحرب على
الفقر في شتى أنحاء العالم. سيتعزز النضال ضد الفقر من خلال القروض الصغيرة في
غالبية الدول”.
وأوضح أن بنك جرامين لديه 6.6 ملايين مقترض، وأن 96% من المقترضين من النساء.

من شيتاجونج إلى تينيسي وبالعكس
ولد محمد يونس عام 1940 في مدينة شيتاجونج Chittagong، التي كانت تعتبر في ذلك
الوقت مركزًا تجاريا لمنطقة البنغال الشرقي في شمال شرق الهند، كان والده يعمل
صائغًا في المدينة، وهو ما جعله يعيش في سعة من أمره فدفع أبناءه دفعًا إلى بلوغ
أعلى المستويات التعليمية، غير أن الأثر الأكبر في حياة يونس كان لأمه “صفية خاتون”
التي ما كانت ترد سائلاً فقيرًا يقف ببابهم، والتي تعلّم منها أن الإنسان لا بد أن
تكون له رسالة في الحياة.
في عام 1965 حصل على منحة من مؤسسة فولبرايت لدراسة الدكتوراه في جامعة
فاندربيلت Vanderbilt بولاية تينيسي الأمريكية، وفي فترة تواجده بالبعثة نشبت حرب
تحرير بنجلاديش (باكستان الشرقية سابقا) واستقلالها عن باكستان (أو باكستان الغربية
في ذلك الوقت)، وقد أخذ يونس من البداية موقف المساند لبلاده بنجلاديش في الغربة،
وكان ضمن الحركة الطلابية البنغالية المؤيدة للاستقلال، التي كان لها دور بارز في
تحقيق ذلك في النهاية. وبعد مشاركته في تلك الحركة عاد إلى بنجلاديش المستقلة حديثا
في عام 1972 ليصبح رئيسًا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، وكان أهالي بنجلاديش
يعانون ظروفًا معيشية صعبة، وجاء عام 1974 لتتفاقم معاناة الناس بحدوث مجاعة قُتل
فيها ما يقرب من مليون ونصف المليون.
إحراق السفن الجامعية
كانت تلك المجاعة هي المعلم الذي تغيرت عنده حياة يونس إلى الأبد، فبينما كان
الناس يموتون جوعاً في الطرقات، كان يونس يعلم تلاميذه النظريات الباهرة في
الاقتصاد، وأحس بكراهيته لنفسه لشعوره بمدى عجرفة أمثاله من أساتذة الاقتصاد
لادعائهم امتلاك الإجابة على الأسئلة الصعبة: “لقد كنا -نعم- نحن أساتذة الاقتصاد
نتميز بشدة الذكاء، لكننا لم نكن نعرف شيئًا عن الفقر الذي كان يحيط بنا من كل
جانب”.
أمضى يونس بعد ذلك العامين التاليين يقود طلابه في رحلات ميدانية إلى قرية
جوبراJobra القريبة من الجامعة، لقد كان من السهل رؤية المشكلة، لكن أين يكمن الحل؟
هذا ما كان يحاول استكشافه، وبينما كان يحاور امرأة هناك كانت تقوم بتصنيع كراسٍ من
البامبو (حيث تنبت أشجار البامبو في كل مكان على أرض بنجلاديش) لمعت في ذهنه فكرة
الحل؛ فقد علم من المرأة أنها لا تملك رأس المال الخاص بها، ومن ثم فهي تلجأ
لاقتراضه من أحد المرابين في القرية لشراء البامبو الخام، وتظل تعمل طوال 12 ساعة
يوميا في تصنيع الكراسي لرد القرض وفوائده ثم لا يبقى لها بعد ذلك إلا الكفاف لتعيش
منه.
وبمساعدة طلابه استطلع “يونس” أحوال الفقراء في 42 قرية أخرى محيطة، واكتشف أن
الوضع القائم لا يتيح للفقراء توفير قرش واحد ومن ثم لا يستطيعون تحسين أحوالهم
مهما بلغ جدهم واجتهادهم في العمل، ومن ثم اكتشف أنهم لا يحتاجون سوى رأس مال يتيح
لهم الاستفادة من عوائد أموالهم، ومن ثم فقد أقرض 42 امرأة من الفقراء مبلغاً بسيطا
من المال من جيبه الخاص بدون فائدة، ودونما تحديد لموعد الرد. ولأنه رأى عدم
إمكانية الاستمرار في ذلك فقد مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية
لوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، وهو ما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن
أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، وعبثاً حاول إقناعهم أن يجربوا، ومن
ثم فقد اقترض قرضاً خاصا ليبدأ به مشروعا في قرية جوبرا بمساعدة طلابه أمضى في
متابعته ودراسته من عام 1976 حتى عام 1979 في محاولة لإثبات وجهة نظره بأن الفقراء
جديرون بالاقتراض، وقد نجح مشروعه نجاحا باهرا وغير حياة 500 أسرة من الفقراء، وفي
عام 1979 اقتنع البنك المركزي بنجاح الفكرة وتبنى مشروع “جرامين” أي “مشروع
القرية”.
وفي عام 1981 زاد من حجم المشروع ليشمل 5 مقاطعات، وقد أكدت كل مرحلة من تلك
المراحل فاعلية نظام القروض المتناهية في الصغر حتى وصل عملاء البنك “المشروع” عام
1983 إلى 59 ألف عميل يخدمهم 86 فرعا، وفي تلك المرحلة قرر يونس إنهاء حياته
الأكاديمية وأن يمضي في طريقه حيث تم اعتماد بنك جرامين في ذلك العام كمؤسسة مستقلة
لترتبط حياته بهذه المؤسسة التي كانت حلمًا فصارت واقعًا واعدًا منذ تلك اللحظة
وإلى الأبد.
وفي عام 1997 تأسست مؤسسة جرامين التابعة للبنك وكونت شبكة عالمية شملت 52 شريكا
في 22 دولة قدمت العون لنحو 11 مليونا في آسيا وإفريقيا والأمريكتين والشرق الأوسط.

والشرط الوحيد للإفادة من خدمات بنك جرامين هو أن يقدم المستفيدون الطلب ضمن
مجموعة لا تقل عن 5 أشخاص وأن يتكاتفوا من أجل دفع الأقساط.