أخذت السيدة “أم يوسف” ترتب شتلات النعناع والريحان على بسطتها البالية في سوق الزاوية الشعبي بمدينة غزة، بحرص واهتمام، وهي تنادي على استحياء رواد السوق القلائل، علها تنجح في تحصيل ما يمكنها من توفير قوت أطفالها الصغار.
“أم يوسف” التي لم تتجاوز الأربعين من عمرها، أجابت على مضض أحد المارة عن سعر شتلاتها “بشيكلين، شيكلين بس، خوذ يا خوي بتكسب ثواب”.
وعلى ما أبدته “أم يوسف” من استجلاب للمشتري، فإنه أدار ظهره لها ومضى في طريقه، بعد تفحصه للشتلات التي ذبلت من حرارة الشمس وظلت بانتظار الفرج كما صاحبتها.
وفيما بدا الإعياء والإرهاق جليا على وجه “أم يوسف”، إلا أنها بقيت ثابتة أمام بسطتها، وإن قاربت الشمس على الغروب “خوفا من العودة لزوجها المريض وأطفالها بيدين فارغتين”.
ودفعت الظروف الاقتصادية المتردية في الأراضي الفلسطينية النساء إلى الخروج للعمل بنسب متزايدة، ودفعت بالعروس ( مريم ، ص ) المتزوجة منذ خمسة شهور فقط، إلى العمل لدى محل تجاري لبيع الملابس النسائية بالقرب من منزلها “بهدف مساعدة عريسها على تسديد ديون زواجهما المتراكمة”.
وتقول مريم: “نعم ما زلت عروسا لكن زوجي الموظف مثقل بالديون، فهو لم يتوقع توقف الرواتب، وبدلا من الانتهاء مثل اليوم من تسديد ديونه بعد جدولتها، تضاعفت ديونه بسبب توقف راتبه”.
ولا تملك مريم إجابة حول مدى نجاحها في تسيير أمورها العائلية “خاصة أنها مستجدة” وبين متطلبات عملها، وما يزيدها حيرتها في ذلك أنها بانتظار مولودها البكر بعد عدة أشهر.
ولم يتقاضَ 160 ألف موظف يعملون بالسلطة الفلسطينية أجورهم منذ مارس الماضي؛ بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الفلسطينيين ووقف المساعدات المقدمة للسلطة.
خروج اضطراري
وتظهر إحصاءات وزارة العمل الفلسطينية، الصادرة حديثا، أن مشاركة النساء بسوق العمل سجلت ارتفاعا كبيرا وصل إلى ما نسبته 40% من النساء مقابل 60% من الذكور.
وإذا كانت الأوضاع الاقتصادية المتردية أدت إلى خروج النساء بمعدلات متزايدة، فإنها تركت آثارا خطيرة على العلاقات الأسرية وعادت عليها بأوضاع نفسية متفاقمة.
وتقول نبيلة جمال -34 عاما- بنبرات من الضيق عن هذا: “حياتنا أصبحت لا تطاق… فقر ومذلة وكمان مشاكل ما بتخلص.. بسبب هالحالة”.
وتشير جمال، إلى أن أهم المشاكل التي تعاني منها هي الفقر وعصبية زوجها الذي يعمل في وزارة الأوقاف، ولم يتقاض راتبه منذ 8 شهور، “لذلك لم يعد طبيعيا في ظل احتياجاتنا المتزايدة من جهة والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى”.
أما الاقتصادي مازن سنقرط، فقد حذر من كارثة اجتماعية، قد تكون الأسوأ في تاريخ المجتمع الفلسطيني”، معبرا عن خشيته من كارثة اجتماعية واقتصادية، إذا ما استمر الوضع على حاله.
وقال سنقرط لوكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”: كنا دائما نعول على التكافل الاجتماعي الذي يحد من الفقر المدقع ومن الظواهر السلبية المنبثقة عنه، لكن في هذه الأزمة بدأ التكافل يتضاءل، وشملت الخسارة الجميع، وأصبحت القدرة الشرائية في أسوأ أحوالها، وفقدت السيولة النقدية، واستهلك الناس معظم مدخراتهم، وفقدوا جزءا من أمانهم بسبب الحاجة.
وأضاف: “نحن نتحدث عن أرقام صاعقة وغريبة ومخيفة عند الحديث عن الوضع الاقتصادي، فهناك حوالي 2.7 مليون مواطن، يعيشون دون خط الفقر، حيث يصل دخل الفرد اليومي إلى دولارين أو أقل، مع بقاء نسب غلاء المعيشة على حالها”.
ضغوط اجتماعية
من جانبها ، تحذر الأخصائية النفسية نادية بدوان، من تأثير الأوضاع الاقتصادية السلبي والخطير على الأسرة الفلسطينية، “حيث أدت إلى ضغوط نفسية كبيرة يعاني منها كافة أفراد الأسرة”.
وتضيف بدوان: “الأوضاع الاقتصادية زادت من العصبية لدى الأزواج نتيجة لعدم قدرتهم على توفير متطلبات أسرته، وإحساسه بالتقصير تجاهها، مما انعكس على علاقاتهم الزوجية، وبالتالي زيادة العنف الأسري والذي أصبح أحد المشاكل الكبيرة التي تعاني منها الفلسطينيات”.
وتشير بدوان إلى أن الظروف الاقتصادية الحالية تزداد صعوبة وتعقيدا، بسبب زيادة عدد الأسر التي تعاني من جراء هذه الظروف، “فبعد حرمان العمال من عملهم بسبب الإجراءات الإسرائيلية، أضيف إليهم الموظفون الذين يعانون بسبب انقطاع رواتبهم”.
وأضافت: “سابقا كانت العديد العائلات تتعاون في سد رمق الأخرى من خلال عمل الموظفين الحكوميين، ولكن الآن أصبح الموظف والعاطل في خندق واحد، تجمعهما الظروف الاقتصادية الصعبة، مما ينعكس على حياتهما الأسرية”.
أرقام مفزعة
وحسب أرقام الجهاز المركزي للإحصاء، فإن 65.8% من الأسر الفلسطينية تعاني من الفقر، بواقع 54.6% في الضفة الغربية و87.7% في قطاع غزة، فيما تعاني ما نسبتها 55.5% من مجموع الأُسَر من الفقر الشديد.
وتوقع جهاز الإحصاء، أن تبلغ معدلات الفقر في صفوف الأُسَر التي يعمل أربابها في القطاع العام حوالي 75.8% خلال الربع الرابع من العام الحالي، ما يعني انضمام حوالي المليون وربع المليون مواطن إلى معسكر الفقراء.
وحذر تقريران صادران في سبتمبر 2006 عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد) والبنك الدولي من خطورة الوضع الحالي بالأراضي الفلسطينية.
فتقرير اليونكتاد أشار إلى أن الدخل الفردي في الأراضي الفلسطينية سيتدهور في العام المقبل إلى أدنى مستوياته منذ 25 عاما. وحذر التقرير من أن البطالة ستطول نصف اليد العاملة الفلسطينية الفعلية نهاية هذا العام، وأن أسرتين من ثلاث ستعيشان من دون خط الفقر.
أما البنك الدولي فقد توقع حدوث هبوط كبير في أداء الاقتصاد الفلسطيني خلال العام الجاري، كما يتوقع تراجعا في الناتج المحلي الحقيقي للفرد في الأراضي الفلسطينية بنسبة 27% مع نهاية العام، وانخفاضا في الدخل الشخصي للفرد بنسبة 30%.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72677
