الكفيل.. شرط إسرائيلي لتمكين الأطفال من زيارة الأسرى

لم يتبق أمام المواطنة أم محمود الشمالي من مدينة نابلس بالضفة الغربية سوى يومين فقط للعثور على كفيل لطفليها حتى يتمكنا من زيارة شقيقيهما القابعين في سجون الاحتلال، وإلا فإن أم محمود ستفقد نافذة الأمل الوحيدة التي تطل منها على أوجاع نجليها اللذين أنهكهما القيد.

وكانت أم محمود الممنوعة من زيارة نجليها الأسيرين لأسباب “أمنية” توجهت إلى مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة نابلس قبل أسبوع بغية السؤال عن كيفية ومتطلبات تمكين نجليها الصغيرين من زيارة شقيقيهما، حيث أبلغتها الـموظفة العاملة في المكتب أن هذا الأمر يتطلب منها توفير كفيل يتعهد برعاية الطفلين طوال “رحلة” الزيارة.

وتشترط سلطات الاحتلال، حسب قرار أصدرته بهذا الشأن قبل نحو شهر، وجود زائر بالغ يتعهد بتحمل مسؤولية الأطفال الزوار طوال “رحلة” الزيارة للسجون الإسرائيلية، الأمر الذي يعتبره ذوو الأسرى أمرا شاقا ومعقدا نظرا لقلة عدد الزوار من الكبار، إذ إن سلطات الاحتلال تتعمد رفض طلبات العشرات من ذوي الأسرى بذريعة “الأسباب الأمنية”.

حلم الرؤية

والعثور على هذا الكفيل يعني بالنسبة لأم محمود تمكن طفليها إبراهيم (11 عاما) ومريم (6 أعوام) من زيارة شقيقيهما يوسف القابع في سجن “نفحة” وعبد الرحمن القابع في سجن “مجدو”، والاطمئنان عليهما وإيصال الكسوة الشتوية والأغطية لهما.

وتعيش أم محمود هذه الأيام حالة من القلق بسبب خشيتها من خسارة الزيارة الـمقررة هذا الشهر في حال عدم توفير كفيل لطفليها، وبالتالي فقدان الحلقة الوحيدة للاتصال بنجليها الأسيرين وعدم إيصال الأغراض الضرورية لهما حتى إشعار آخر.

وتقول أم محمود: “هذه طريقة جديدة ابتكرتها سلطات الاحتلال لـمنع الأطفال من الزيارة بعد منع الآباء والأمهات”.

ومنذ فترة طويلة، دأبت إدارة السجون الإسرائيلية على رفض منح المئات من ذوي الأسرى، خصوصا الأقارب من الدرجة الأولى مثل الأم والأب والأشقاء البالغين والزوجة تصاريح زيارة، وذلك بذريعة “الأسباب الأمنية”.

منع وتعنت

وتقول مصادر في “الصليب الأحمر” إن ما يزيد على40% من ذوي الأسرى يتم رفض منحهم تصاريح زيارة لأسباب أمنية، ما يفسر قيام عدد كبير من الأطفال دون سن السادسة عشرة بزيارة ذويهم في المعتقلات الإسرائيلية عبر حصولهم على تذاكر للزيارة.

وتضيف المصادر: هذا الإجراء الإسرائيلي خلق مشكلة حقيقة لأهالي الأسرى الذين يضطرون للبحث عمن يكفل أطفالهم خلال رحلة الزيارة، وإيجاد هذا الشخص ليس بالأمر السهل”.

ويجب على من يكفل أحد الأطفال الزوار أن يمتلك تصريح زيارة إلى الـمعتقل ذاته، وأن يوقع على وثيقة رسمية يتعهد فيها بتحمل مسؤولية الطفل طوال الرحلة التي تمتد من الفجر وحتى ساعات متأخرة من الليل، وفي حال حدوث أي طارئ للطفل يتحمل الكفيل كامل الـمسؤولية.

وتقول أم محمود (45 عاما): ذهبت إلى مكتب الصليب أكثر من مرة كي أبحث عن كفيل لطفلي ولكن دون جدوى، فجميع من أعرفهم من الأهالي الذين حصلوا على تصريح زيارة لـمعتقلي مجدو أو نفحة تكفلوا أطفالا آخرين في وقت سابق، والآن طلبت من جميع الجيران والأقارب مساعدتي في العثور على كفيل لأطفالي.

وبينما تحاول أم محمود على جميع الجبهات لتوفير كفيل لطفليها قبل حلول موعد الزيارة الأربعاء القادم، لم يتعب طفلاها إبراهيم ومريم من سؤال عشرات الأطفال الذين شاركوهم زيارات سابقة لمعتقلي نفحة ومجدو، إن كانوا يعرفون أحد الزوار الكبار الذي لـم يكفل طفلا للزيارة بعد!!.

ومنذ اعتقال نجلها يوسف قبل أربع سنوات والمحكوم بالسجن25 عاما، لم تتمكن والدته أم محمود ووالده من زيارته سوى ثلاث مرات فقط، وذلك بعد حصولهما على تصريح صالح لزيارة واحدة فقط تمنحه إدارة السجون للمرفوضين أمنيا، فيما يستغرق الحصول على تصريح آخر أكثر من ستة أشهر لمن يحالفهم الحظ.

أما نجلها الآخر عبد الرحمن والـمعتقل منذ تسعة أشهر فلـم تتمكن من زيارته حتى الآن.

محرومون من الزيارة

ويقول فؤاد الخفش، مدير مكتب وزير شئون الأسرى: إن أكثر من 50% من أمهات وآباء وزوجات الأسرى مرفوضون أمنيا حسب التصنيف الإسرائيلي وبالتالي فهم محرومون من زيارة أبنائهم الـمعتقلين”.

من جانبها، انتقدت مؤسسة “بتسيلـم” الإسرائيلية وهي مؤسسة تعنى برصد الانتهاكات التي يتعرض لها الرازحون تحت الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، القيود والإجراءات الـمرتبطة بعملية إصدار تصاريح الدخول إلى إسرائيل.

وقالت المؤسسة في تقرير أصدرته في سبتمبر الماضي: “لا يستطيع الكثير من الفلسطينيين زيارة أبنائهم الأسرى إلا مرة كل بضعة أشهر. كما أن الكثيرين منهم محظور عليهم زيارة أبنائهم ، إلى جانب ذلك فإن الزيارة بحد ذاتها هي رحلة عذاب ومشقة قد تستمر يوما كاملا بسبب سلسلة طويلة من الإجراءات والقيود”.

وكان تقرير إحصائي صادر عن وزارة الأسرى والمحررين الفلسطينية في يوليو الماضي، أشار إلى أن سلطات الاحتلال تحتجز في سجونها أكثر من 9850 أسيرًا موزعين على أكثر من 30 سجنا ومعتقلا ومركز توقيف، منهم 720 أسيرًا من قطاع غزة، والباقون من أنحاء الضفة الغربية والقدس، ودول عربية أخرى، وأن هناك أكثر من 553 معتقلا منذ ما قبل سبتمبر 2000.

وأكد التقرير، أنه لا يزال في سجون الاحتلال 359 من الأطفال الأسرى، أي ما نسبته 3.7% من عدد الأسرى، من أصل 4000 طفل اعتقلوا منذ سبتمبر 2000، بينهم 3 من الإناث. كما أن هناك 105 أسيرات لا يزلن رهن الاعتقال، من حوالي 500 أسيرة اعتقلن خلال السنوات الخمس الماضية؛ أي ما نسبته 1% من إجمالي عدد الأسرى، منهن 97 أسيرة من سكان الضفة الغربية، و5 أسيرات من سكان القدس، و3 أسيرات من محافظات غزة.