تزاور الفلسطينيين.. مشاركة في الهم وتقاسم للقوت

تراجع التزاور بين الأهل والأحباب والجيران والأصدقاء؛ بسبب الاندماج في الحياة
العملية، وكثرة المشاغل، والاستهانة -في بعض الأحيان- بقيمة هذه السنة المحمدية،
وأثرها في المجتمع.
وعلى أرض فلسطين، يتعامل الفلسطينيون مع هذه السنة تعاملهم مع الفروض الشرعية؛
لأنها سبيلهم إلى التواد والتراحم في ظل الظروف القاسية التي يعانيها هذا الشعب
أمام تحديات الاحتلال، الذي لا يتوانى عن اغتيال البشر والشجر والحجر.
ويرتكز الفلسطينيون في تزاورهم -خاصة في الأزمات- على مبدأ التراحم الذي أوصى به
الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم،
كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى”.
يشير فادي زقوت (32 عامًا) إلى أن سُنّة التزاور من أولوياته، وقد أضفت على
حياته الكثير من الإيجابيات، وأضاف: “يزيد التزاور من روابط المحبة بيني وبين أبناء
جلدتي وشركائي في همِّ الوطن، والأهم أن هذه السنة موجبة لرضا الرحمن ورسوله”.
ويبين زيادة زياراته لمعارفه في الفترة الأخيرة جراء ما يتعرض له الشعب
الفلسطيني من انتهاكات على يد الاحتلال: “هناك أسر للشهداء والجرحى والأسرى؛ يجب أن
نزورهم ونقف إلى جانبهم.. فالتزاور مسألة في غاية الأهمية لا يجب التغافل
عنها”.
وتلمح أم رائد الحداد (34 عامًا) إلى أهمية التزاور في حياتها، وتابعت: “الحمد
لله أذهب للاطمئنان على أقاربي وجيراني، ونتزاور فيما بيننا”.
ورغم انشغال كثير من المسلمين عن القيام بهذه السنة فإن الفلسطينيين حريصون
عليها، تقول أم رائد: “التزاور موجود بيننا ولا نكاد نستغني عنه.. فنحن كالجسد
الواحد لا انفصال بيننا.. وصحيح أنها عادة اجتماعية دأبنا على اتباعها؛ إلا أن
الكثير ممن يقومون بالتزاور يبغون الحصول على الأجر والثواب”.
“إذا كان التزاور سنة فهو في فلسطين فرض”؛ بهذه العبارة بدأ الحاج أبو عامر
الزهارنة (62 عامًا) حديثه إلينا، ومضى قائلاً: “نحن في أشد الحاجة إلى التزاور،
لزيادة الترابط الاجتماعي والتكافل بيننا، فنحن نعيش في ظل ظروف تتطلب منا أن نكون
صفًّا واحدًا كما أمرنا رسولنا الكريم. فما إن يُصاب أحدنا حتى نسارع إلى تطبيب
جراحه ومؤازرته، إنها سُنّة رائعة تولد المحبة والألفة في
المجتمع”.
مشاركة الهم
يؤكد درداح الشاعر -أستاذ علم النفس والمحاضر بكلية التربية بجامعة الأقصى
بمدينة غزة- على أن التزاور يوثق العلاقات الاجتماعية، ويقوي صلة الرحم. واستدرك:
“التزاور بين أفراد المجتمع، سواء في أفراحهم أو أتراحهم يعمل على خلق مجتمع مترابط
تسوده الألفة ولا يسوده التشتت والانقسام”.
ورأى الشاعر أن التزاور يضيف على الحياة البهجة والسعادة، وأضاف: “الإنسان يطمئن
حين يشعر بأنه ليس وحيدًا في المجتمع. فالمسلمون جميعهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى
عضو يجب أن تتداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”.
غير أن الشاعر لفت إلى أصول التزاور في الإسلام، وحث على طلب الاستئناس
والاستئذان. واستدرك: “لا يمكن أن نذهب للتزاور كل يوم أو في اليوم أكثر من مرة، أو
نعود المريض عشرات المرات.. فالأصل القيام بهذه السنة بطريقة مهذبة لائقة حتى يتحقق
المطلوب؛ ألا وهو التكافل وزيادة الصلة، والتواصل بين
المسلمين”.
تكامل وتكافل
يوضح د. ماهر السوسي -أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
بغزة- أن التزاور في الإسلام، يرتكز على مبدأ التكامل الاجتماعي. وقال: “الأصل في
المسلمين أن يكونوا كمثل الجسد الواحد، والمسلم مطالب بأن يشارك أخاه المسلم أفراحه
وأتراحه، ويسأل عنه، ويتحسس شئونه وهمومه”.
وشدد على أن الكثير من النصوص الشرعية والأحاديث حثَّت على التكافل الاجتماعي
وعلى التزاور. واستدرك: “لا يمكن أن يعيش المجتمع المسلم دون تكافل وترابط اجتماعي،
يعمل على تقوية نسيجه وتقوية دعائمه، وإلا فإن هذا المجتمع سيتحول إلى مجتمع مادي
تسوده البغضاء والمشاحنة”.

وضرب السوسي مثالاً على المجتمع الفلسطيني: “لولا التزاور بين الفلسطينيين،
وزيادة جرعات التكافل الاجتماعي فيما بينهم في هذه الأوقات العصيبة التي يعيشها تحت
الحصار الاقتصادي والمالي الخانق، لانهار هذا المجتمع وتفككت روابطه”.
وأشار إلى أن حق المسلم على المسلم أن يعوده وهو مريض، وأن يسأل عنه وأن يتفقده،
ويشاركه الحياة الاجتماعية؛ إذ يتميز المجتمع المسلم عن المجتمعات الأخرى بالتكامل
والتكافل.
وطالب السوسي الأسرة بتربية أبنائنا وحثهم على مبدأ التكافل الاجتماعي
والمسئولية الاجتماعية، كما دعا المساجد والمدارس والإعلام إلى تضافر الجهود؛
لتبيان فائدة التزاور، ومدى تأثيره الإيجابي.