سماح وجهاد من المهد للمعتقل

لا ادري أتتعالى الآمال على الجراح أم تدور رحى قصتهم في غير ذلك، يعيشون أيام طفولة ذاكرتها حرمتهم من كل شيء، من كلمة أمي وأبي، من حضن الأم الدافئ وعاطفة الأب الجياشة.
إن قلنا أن حياتهم تحولت لجحيم فلن نكون منصفين. ليس لأنهم بلا مأوى أو مأكل أو
مشرب، وإنما لأنهم لا يفيقون على كلمة “بابا” ويمسون دون “ماما”.
سماح 7 أعوام وجهاد 8 سنوات، طفلان لم يبق لهم في هذه الحياة إلا الجدة -التي
تقوم على رعايتهم والاهتمام بهم- سلب الاحتلال منهم الأم والأب والعم باعتقالهم قبل
ما يقارب الخمس أعوام، وبهما تتمثل معاني الحرمان الإسرائيلي.
“مشتاق لامي”
تحدثنا سماح وقد اغرورقت بالدمع عينيها، شارحة قصتها ودولاب الأيام الذي لا
يتوقف، أنها تستيقظ مبكرا كي تستعد وزميلاتها للتوجه للمدرسة، ورغم أن شيب الوقار
اعتلى جبين جدتها، وبدت عليها علامات الكبر، إلا أنها هي التي تجهز سماح على أفضل
حال، كي تذهب للمدرسة.
وتقول سماح: “اللحظات التي أتوجه بها للمدرسة، لا يمكن أن تقدر بها سعادتي، إلا
أن هناك شيء أتذكره يوميا، وما زلت أتساءل لماذا؟ فرغم أني سعيدة عند ذهابي إلى
المدرسة، إلا أني أقف مستذكرا أمي عند كل صباح، ومتسائلا لماذا لا توصلني أمي كباقي
الأمهات اللواتي يوصلن بناتهن، فحينها تأبى الدمعة أن تنقطع عن خدي، حتى يبدأ ثم
أصدقائي بالتهوين علي وأتابع سير يومي”.
أما جهاد يقول: “أصعب يوم في حياتي الآن بعد اعتقالي والدي، يوم الزيارة، حيث
أنا نزور مرتان في الشهر، أحدهما نزور ماما والأخرى نزور بابا”.
من المنزل للمعتقل وبالعكس
ويفتتح جهاد –الذي يعكس اسمه مأساته في هذه الحياة- يوم زيارته لأحد والديه
عندما توقظه جدته أم أكرم من نومه الساعة الثانية قبل الفجر، حيث تقوم بإلباسه
الملابس وتحضر لنا سندويشات، وتوصله وشقيقته إلى الباصات التي تكون في الكراج
الشرقي وسط مدينة نابلس.
وتستمر معاناة سماح وجهاد، فالجدان سيعودان أدراجهما إلى البيت، فهما ممنوعين من
الزيارة، لأسباب لا يمكن معرفتها حتى الآن، إلا أنها وكما يقول الاحتلال أمنية،
وربما سيظل هذا المنع الأمني على الوالدين إلى أن يأخذ الله أمانته.
يتابع جهاد في سرد قصة زيارته، التي تبدو وكأنها حكاية “عندما يعود جدي وجدتي
للبيت، وحتى يلتقي أهل الأسرى جميعا، نتوجه إلى أولى محطات العذاب، حاجز حوارة،
فيقوم الجنود بإنزالنا من الحافلة وتفتيشنا وكأننا “نازلين نعمل عملية”، وفي أحيان
كثيرة يغلب النوم علينا أنا وأختي، لكن الجنود هناك لا يهتمون لذلك الأمر، فنفيق
على صراخ الجنود فوق رؤوسنا، “كلو ينزل من الباص”، ونخاف كثيرا منهم، لأنهم سجنوا
“ماما وبابا”.
وما أن يكاد أهالي الأسرى يعودون للحافة مرة أخرى، تعاود الأحداث نفسها، فمن
حاجز إلى آخر، ومن جندي إلى غيره، هكذا يستمر يوم سماح وجهاد، الذين يبدوان بعيدين
كل البعد عن يوم يلتقيان فيه وأبويهما خارج أقفاص الحديد.
قاطعت سماح جهاد وقالت: “تكاد قصتنا في الزيارة تتحول إلى نكتة، وتابعت
والابتسامة تعتلي شفتيها، حدث ذات مرة أن نُسينا أنا وأخي جهاد في الحافلة، عندما
كنا في طريق عودتنا من الزيارة، فقد كنا مرهقين ونائمين، حيث عاد سائق الحافلة
لمنزله، وحين تأخرنا استفقدتنا الجده، واخذوا يبحثون عنا، إلى أن وجدونا داخل
الحافلة، بعد ساعتين من البحث”.
يبكي جهاد قليلا، ثم يتابع حديثه: “عندما نصل إلى المعتقل يقوم الجنود والحراس
بتفتيشنا، مرة ثانية، ويسجلوا أسماءنا، وينادوا علينا واحدا تلو الآخر، وعندما يأتي
دورنا، يقومون بتفتيشنا مرة ثانية، وبعدها نتحدث مع والدنا أو والدتنا، عبر الهاتف،
لمدة لا تتجاوز الخمس عشر دقيقة، ويظل الشبك والزجاج المقوى وغير الواضح أيضا،
حائلا دون أن تلمس كفي كف أبي أو أمي”.
عقاب منهجي
وليس فقط مدة المكالمة وعدم مصافحة والديهما هي العقاب الوحيد لسماح وجهاد. فأم
جهاد التي تجمع الحلوى و”الحسنات” من الكانتينا “دكان داخل المعتقل” كما يقول جهاد،
على مدار أسبوعين كاملين، يحرمان منها، وان رق قلب الحراس في إحدى المرات، فيعطوهم
جزءا منها.
أول وآخر ما يتمناه الطفلان جهاد وسماح أن يفيقا من النوم ويجدان أبويهما بالقرب
منهما، يدفئانهما بحنانهما وعطفهما.
ولا يكتفي جهاد بالحديث عن والديه فقط، فلجدته فضل كبير عليه، فهي التي تعد له
الطعام وتنظف له ملابسه، وتأخذه معها في زيارتها لبيت عمه، ويقول: “جدتي تفعل لي كل
شيء، غير أنها لا تستطيع تدريسي، لأنها لا تعرف القراءة والكتابة، ولا أجد أصحابا
يلعبون معي”.
أما الجده أم أكرم 65 عاما فتقول: “رجعت اربي من جديد، رغم أنني كبيرة في السن،
فسماح تقوم بمساعدتي بترتيب البيت، وتتابع دروسها بنفسها، أما جهاد فمعروف عنه أنه
عصبي، ويبقى يسألني عن والديه، وبدأت أمورا سلبية أخرى انعكست عليه، لأنه يحس
بالحرمان، فيعتقد أن كل شيء يراه هو له، وأكثر ما يكون وقت حزنه حينما يرى الأطفال
من جيله مع أبيهم وأمهم، وهو لوحده”.
هكذا هي حياة سماح وجهاد، كل أسبوعين يروا أحد والديهما مرة، وأحيانا لا يرونهم،
فالاحتلال يقف بالمرصاد دائما، وأمل لهذين الطفلين بأخذ ضمة على صدري والديهما أصبح
مفقود، وحال القيد دون ذلك.