أم مروح … موعد مع المعاناة

لا يمكن أن تدخل سوق الخضار في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، دون أن تقع عيناك على “أم مروح” المرأة السبعينية، التي أصبحت ركناً ومعلماً رئيساً من معالم السوق منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
كل من يدخل سوق الخضار، الذي يعرف لدى المواطنين باسم “الحسبة القديمة”،. لا بدّ
أن يشاهد أم مروح صاحبة البشرة السمراء، تجلس على كرسي بلاستيكي صغير متواضع، وهي
تدخن سيجارتها التي لا تكاد تفارق شفتيها، وتضع أمامها وعاء بلاستكياً متهالكاً،
يحوي ما تبيعه من نباتات بريّة كالعلك والخبيزة.
تجدها منهكة بترتيب نباتاتها بيديها النحيلتين الراجفتين، علّها تلفت أنظار
المتسوقين.
ملامحها وتجاعيد وجهها وإحمرار عينيها وتنهيداتها العميقه عند إجابتها على كل
سؤال، تعبر عن ألم كبير وحزن عميق سكن قلبها نتيجة الحياة القاسية التي عاشتها ولا
زالت تعيشها.
بدأت مسيرة حياتها الصعبة منذ طفولتها، بعد أن هجّرت وأهلها عنوة من مدينتها
بيسان إبان النكبة عام 1948، ليحط بها المقام مع أخويها وعمها في مدينة جنين، أقرب
المدن إلى مسقط رأسها.
أم مروح تسكن منذ أكثر من ثلاثين عاماً وحيدة في بيت متواضع في أحد الأحياء
الفقيرة التي لا تبعد عن السوق أكثر من عشرات الأمتار، وذلك بعد وفاة زوجها وجميع
أقاربها وزواج ابنها الوحيد الذي يسكن داخل أراضي 1948، والذي لم يزرها ولو لمرة
واحده منذ زواجه، ولم يبق لها إلا الله كما تردد باستمرار.
فالسوق بالنسبة لها باتت كل حياتها، كونها تعمل فيها أكثر من تسع ساعات يومياً
من أجل أن توفر قوتها اليومي، إذ تبقى جالسة على كرسيها دون أن تفارقه طوال هذه
الساعات، ولولا عملها هذا لماتت من الجوع كما تقول.
عمل أم مروّح بالكاد يكفي مصاريفها اليومية المتواضعة، ولا يعود عليها بأكثر من
خمسة عشر شيكلاً في أحسن الأحوال، فكثيراً ما يصيب التلف بضاعتها وتضطر إلى رميها،
وتكتفي برغيف من الخبز تسدّ به جوعها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
تمارس أم مروح عملها هذا على أحد الأرصفة في سوق الخضار، حيث تفترش الأرض لنفسها
ولبضاعتها وتلتحف السماء، وتبقى عرضة للبرد والمطر شتاء ولأشعة الشمس صيفاً، ومع
ذلك فهي راضية بما كتب الله لها ، بل إنها تعتبر هذا المكان مملكتها التي لا يمكن
أن تتنازل عنها.
وتشتري المرأة السبعينية بضاعتها، من نساء من القرى المجاورة، يجمعن النباتات
البرية من الجبال والوديان القريبة على أمل توفير ما يسد رمق العيش الكريم
لأسرهن.
أم مروح لا تلاقي حرجاً من عملها هذا وسط باعة جلّهم من الرجال، وتعتبره مقدساً
لأنها لا تمد يدها لأحد وتكون سيدة نفسها ، وهي تقول إن العاملين في السوق بمثابة
أخوة وأبناء لها ولا تجد منهم إلا العون.
وتقضي أم مروح يومها ما بين البيت والسوق، فهي لم تغادر مدينة جنين منذ أكثر من
ثلاثين عاماً، بسبب هذا العمل الذي يأخد منها كل وقتها وحياتها.
صبيحة هذا اليوم الشتوي البارد نسبياً، يعج السوق بالباعة ولا ينقصه سوى
المتسوقين، فأصحاب المحلات والبسطات منهمكون في ترتيب بضاعتهم على أمل أن يكون
يومهم أفضل حالاً من أيام كثيرة مضت، ويصرفون ما لديهم من بضاعة قبل أن تتلف وتعود
عليهم بالخسارة.
أم مروح ظلّت متمسكة في المكان الذي ألفته وألفها في هذه السوق التي تعني لها
الكثير، رغم نقل البلدية لسوق الخضار إلى مكان آخر، ضمن حملة لتنظيم الأسواق في
المدينة، الأمر الذي أثر سلباً على نسبة مبيعاتها.
وما حال أم مروح وحياتها الصعبة التي تحياها إلا حال آلاف النساء في فلسطين ،
ممن يكافحن لتأمين لقمة عيش كريمة لهن ولأسرهن.