كان الطقس يميل إلى الاعتدال في صبيحة هذا اليوم الشتوي، وكانت خيوط الشمس الدافئة تعانق رطوبة الوادي في تلك المنطقة السهلية المحاطة بالجبال والمعروفة بـ ” وادي دعوق ” جنوب مدينة جنين على شارع نابلس شمال الضفة الغربية، والتي وصلنا إليها لاستطلاع طبيعة تجارة الحديد التي أوجدها الحصار الاسرائيلي.
دقت عقارب الساعة، العاشرة صباحاً عندما وصلنا هناك قادمين من المدينة، حيث في
تلك البقعة من الأرض، تتجسد مرارة الواقع وآثار الحصار والإصرار على محاربة الفقر،
إذ تتوافد سيارات من أنحاء مختلفة من المحافظة تختلف في أنواعها و تتشابه في
حمولاتها، لتفرغها، مشكلة أكواماً كبيرة من الحديد المهترئ منتهي الصلاحية، تم جمعه
على مدى ساعات من البحث والتنقيب.
و” تجارة الحديد المستعمل ” مهنة جديدة لاقت اقبالاً ملحوظاً من قبل الفئات
المحتاجة والفقيرة في جنين، ممن ساءت أوضاعهم الاقتصادية إلى حد لا يطاق، واضطروا
مكرهين للتصدي لغول الفقر الذي يلاحقهم على مدار الساعة بهذا السلاح البسيط.
هناك كان يوجد حديد يكسوه الصدأ وألمنيوم لم يحمل من صفاته إلا الإسم وأسلاك
نحاسية وبطاريات تالفة ، كلها مكدسة على ساحة أعدت خصيصاً لذلك تزيد مساحتها عن
ثلاثة دونمات تحيط بها عدة مركبات جاءت محملة بأشياء لا تعدوا سوى نفايات بما تعني
الكلمة، كانت تلاقفتها أياد من مختلف الأعمار بعد أن فعل بها الفقر ما فعل لتبيعها
إلى تاجر متجول أملاً بالقليل الذي قد يؤمن الحد الأدنى من متطلبات طفل أو
أسرة.
وفي أحد أحياء بلدة كفر راعي قرب المدينة تتجول يومياً كما في باقي بلدات وقرى
المحافظة، عدة مركبات وجرارات زراعية من أنواع مختلفة، وغالباً ما تكون هذه
المركبات مشطوبة أي غير قانونية تنتقل من شارع إلى آخر وينادي سائقوها بمكبرات صوت
مثبتة عليها ” إلي عندوا حديد خربان للبيع، قطع حديدية مستعملة للبيع”.
أحد الأطفال من البلدة، لم يتجاوز عمره خمس سنوات، خرج من بيته مسرعاً باتجاه
الشارع ملوحاً بيده لإحدى المركبات المتجولة هناك، حاملاً بيده الأخرى قطعة حديدية
متآكلة من غاز منزلي، ومدها نحو السائق الذي تناولها ورماها على حمولته العشوائية
فيما أعطى الطفل المتهور شيقلاً واحداً ثمن قطعته المعدنية، التي كادت أن تودي
بحياته تحت عجلات المركبة.
لمست فرحة وسعادة حقيقيتين على وجه ذلك الطفل الذي باع وقبض مبلغاً من التاجر،
وكأنه ملك الدنيا وما فيها، ووقف بعفوية تامة ويديه الصغيرتين تفتح كيساً من الشيبس
ابتاعه من إحدى البقالات القريبة، وبدأ يلتهم ما فيه حبة تلو الأخرى ويضعها في فمه
الصغير بكل حيوية ونشاط.
وبعد أن أنهى الطفل وجبته من عرق جبينه عاد مرة أخرى إلى البيت، بعد أن تمكن من
تأمين بعض كماليات الطفولة المفقودة لديه التي حرمته منها ظروفنا القاهرة، فأطفالنا
شركاؤنا في الغنى وفي الفقر وفي التصدي له وتحمل آثاره القاتلة.
ويتكرر هذا المشهد يومياً عشرات المرات، فأصحاب المركبات يتجولون ساعات طويلة
لشراء الحديد، كما أن مئات المواطنين يقومون بجمعه من أماكن متفرقة ومن مكبات
النفايات وعلى جنبات الطرقات، يبحثون عن أي شيء أصله من الحديد أبواب، شبابيك هياكل
مركبات متهالكة قديمة ومستعملة أسلاك شائكة مقطعة.
وفي منطقة “وادي دعوق ” مكان التجميع، لفت انتباهي أعداد كبيرة من محركات خربة
وهالكة، انهكت بفعل استخدامها الطويل على مدى سنوات من التشغيل على طرق وعرة صعبة
تجنباً للحواجز العسكرية التي أتى بها الحصار، و لم يعد بمقدورها الاستمرار.
وبين الكومة والأخرى من الحديد الذي فقد جزءاً من خصائصه المعروفة بالقوة و
الصلابة، يقف هشام الحويطات صاحب المكان، وكان يلوح بيده لسائق جرافة تقوم بلملمة
قطع الحديد المتناثرة عشوائياً وتجميعها أمام آلة أخرى مجنزرة تسمى (باجر) وهي
عملاقة ومزودة بخرطوم حديدي طويل في مقدمته ما يشبه أصابع اليد تقوم بالتقاط كمية
كبيرة من الحديد والمواد الأخرى وكبسها بشدة وتحويلها إلى مكعبات من الحديد المضغوط
فيصغر حجمها بنسبة ملفتة للنظر تساعد التاجر على تحميل كميات أكبر في عملية الشحن
الواحدة.
وفي هذه المنطقة يعمل الحويطات وآلاته بعد شراء الحديد بسعر يعادل (550) شيقلا
للطن الواحد، على تهذيب الحديد وقولبته في أحجام متساوية تمهيداً لتحميله من جديد
في شاحنات نقل من أجل بيعه لمصانع إسرائيلية تعمل على صهره وإعادة هيكلته من
جديد.
معظم المركبات المتجولة تبيع حمولاتها للحويطات الذي استرق دقائق معدودة من
زبائنه المتصلين على هاتفه النقال الذي أكثر الرنين في تلك اللحظات، ليخبرنا عن
طبيعة عمله الذي تراجع كما قال بنسبة 80% في الفترة الأخيرة، بسبب الاجراءات
والقيود الاسرائيلية المفروضة على عمليات النقل.
توقفنا بالقرب من ميزان أرضي إلكتروني كبير تصعد فوقه المركبات المحملة بالحديد
لتسجيل أوزانها وحمولاتها قبل أن تفرغها في الأماكن المخصصة، والتي تراجعت الكميات
التي يزنها من (200) طن يومياً إلى (40) طناً تقريباً.
هذه المهنة الصعبة يعتبرها البعض ربحاً بدون رأسمال، فيما يراها البعض الآخر
مشقة حقيقية سرعان ما تتلاشى إذا تحسنت الأوضاع الاقتصادية ورفع الحصار ، لكنها
تعكس حقيقة الأوضاع الصعبة التي يعيشها البعض ممن اضطروا لامتهانها، بعد أن تقطعت
بهم السبل في ظل تفاقم البطالة وانعدام فرص العمل، لكن على الرغم من قساوتها إلا
أنها تعود بشيء من الفائدة، وأن المتضرر الوحيد في هذه العملية هو الحديد الذي يجمع
ويضغط ويكبس بلا رحمة، ليعاد تعذيبة وصهره بالنار من جديد، بعد أن أمضى سنوات عديدة
في خدمة إجبارية.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72755
