المخيمات .. وجع فلسطيني ممزوج بالألم

نافورة شقراء من الشعر المشعث تعلو رأسها، هو أول ما تراه من رغد، ابنة الثلاثة أعوام من مخيم البريج وسط قطاع غزة، تهبط بناظريك، لتصادف عينين خضراوين تنظران إليك بفضول يقول لك من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟ فهذا الزقاق بالكاد يتسع لخطواتي الصغيرة، مما دفعنا إلى التجول في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين داخل قطاع غزة، لنرصد واقعها المأساوي من خلال هذا التقرير
تعددت الأسباب
تتعدد استخدامات أهالي المخيمات لأزقتها، فهذا المتر الواحد _وهو عرض الزقاق_ خُصص لمرور سكان المخيم وزائريه، ولأطفاله ومراهقيه، ولنسائه إذ يجففن الملابس بعد غسلها بنشرها على أبواب منازلهن، فترسم للزقاق لوحةً لن تراها إلا في مخيمات الفلسطينيين سواء داخل فلسطين أم خارجها، ليس هذا فحسب؛ بل إن لهذا الزقاق بمتر عرضه قدرة عجيبة، إذ يتسع أيضا لقنوات مكشوفة للصرف الصحي الذي يخرج من المنازل ليصب في قناة مكشوفة تتوسط الزقاق…
مما يجعل سكان المخيم عرضة الأوبئة والأمراض التي تتسبب بها هذه القنوات، ناهيك عن الروائح الكريهة، والأطفال؛ يلعبون… فهو متنفسهم الوحيد.
ليست رغد الطفلة الوحيدة في المخيم، ولكنها أول من صادفناه، إذ رفضت الانصياع لأوامر والدها بالدخول إلى المنزل، لتقف أمامنا بأعينها الفضولية ترقُب ما ستلتقطه الكاميرا فكانت أول من صورناه…
أما إسلام ابنة الثمانية أعوام من سكان مخيم النصيرات، أجابت على سؤالنا بسؤال، حيث قالت:”ها وين بدي ألعب؟؟!”، فيما وقف بقية الصبية ينظرون إلينا بأعين فضولية.
مشاهد حية
وعند محاولتنا التحدث لأحد شبان مخيم البريج وهو خارج من منزله رجع هارباً بعد أن وقعت عيناه على الكاميرا، إلا أننا استوقفنا إحدى السيدات وهي تنشر غسيلها أمام المنزل، وبادرناها بالسؤال لما تنشرين الغسيل في الشارع؟ فقالت:”ليس لي سطح أجفف الملابس عليه، فمنزلي ضيق من الداخل، فلا يتسع للغسيل”.
وفي مخيم النصيرات استضافتنا عائلة العايدي حيث التقينا مسنة على مشارف السبعين من العمر، منَ الله على أولادها واستطاعوا أن يبنوا لهم منزلاً على أطراف المخيم أفضل حالاً من منزل أبيهم الذي استدعوه هو ووالدتهم للعيش معهم، فرفضت الأم وبشدة، مفضلة منزلها القديم ذو السطح “الزينجو” بالرغم من أننا في فصل الشتاء.
وعن سؤالنا للعائلة كيف تتعايش مع هذه الأزقة الضيقة التي تمر بها كل يومٍ، صبح مساء، قال أبو مازن _مدرس_:” وماذا نفعل؟ هكذا هي المخيمات”، مما يدفعك إلى التساؤل هل هو رضاً بقضاء الله وقدره، أم حالة تعود نتيجة طول الزمن؟؟!
منازل المخيم
لو زرت المخيم، لوجدت منازل أشبه بعلب الكبريت، فهي صغيرة الحجم متراصة، إن عطس أحدهم سمعه الجيران من الجهات الأربع، وكأنهم يعيشون في منزل واحد، فكيف هو الحال عندما كان ينقطع التيار الكهربي لأكثر من ثمان ساعات يومياً، إثر تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي لمحطات توليد الكهرباء في القطاع قبل بضعة أشهر، أي مع مطلع فصل الصيف في قطاع غزة الساحلي المشهود له بالرطوبة العالية.
عطا أبو ناموس الأخصائي الاجتماعي في جمعية الوداد للتأهيل المجتمعي، عرج على هذه الزاوية، حيث قال:” شباب المدن كانوا يفرون من عتمة منازلهم للتسامر على الأرصفة قبالة منازلهم، وهو الأمر الذي حرم منه شباب المخيم”، موضحاً أن هذا الأمر انعكس سلبا على سلوك سكان المخيمات أكثر من غيرهم.
وفاء 25 عاماً تقول :”تأخرنا في إحدى زياراتنا لخالتي في مخيم النصيرات مما اضطرنا للمبيت هناك فكانت الكارثة”، موضحة أنها وأسرتها ناموا في غرفة تطل على زقاق، وأضافت:” استغربت من إغلاق النافذة في هذا الحر_الصيف_ فقمت بفتحها ونمت، لأستيقظ بعد ساعتين وفراشي الأبيض تغزوه حشرات سوداء طائرة”، لتصمت هنيهة ثم تتابع القول:”إنها صراصير”.
هذا ما كان يحدث في الصيف، فكيف هي الحال الآن ونحن نعيش فصل الشتاء؟؟!، لا وجود إلا لمشهد واحد فقط، اتصالات كثيفة تتهافت على مقرات الدفاع المدني تطلب النجدة، بعد ساعة أو اثنتين من هطول موجة غزيرة من الأمطار.
اللافت للنظر أن الأمطار لا تقتحم منازل المخيمات كما العادة في سائر المنازل، بل ما يحدث هو العكس تماماً، إذ تخرج المياه من الداخل إلى الخراج، والسبب في ذلك هو تدفق مياه الصرف الصحي داخل هذه المنازل، وهو ما حدث في مخيم الشاطئ _غرب مدينة غزة_ قبل بضعة أيام، إذ استيقظت سيدة المنزل على الرائحة لتجد صغار نائمون على فراش بللته مياه الصرف الصحي التي اجتاحت غرف المنزل كافة.
خطة مع وقف التنفيذ
يتنازع مهمة العناية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين، وتقديم الخدمات لهم، كلٌ من: وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا” التي تأسست عام 1949م، ووزارة شؤون اللاجئين التي أُستجدت عام 2006م إضافة إلى بعض المؤسسات الحقوقية التي تهتم هي الأخرى بشئون اللاجئين، مما يثير التساؤل بداخلك، كيف يعيش اللاجئون الفلسطينيون أوضاعاً مأساوية في ظل وجود أكثر من جهة تُعنى بشؤونهم؟
المفوض العام “للأنروا” كارن أبو زيد، عزت الأوضاع المأساوية في مخيمات القطاع إلى عدم وجود تغطية مالية للخطة التي وضعتها “الأنروا” منذ العام 2004م، مؤكدة وجود مشاريع لاحقة تهدف إلى تحسين الوضع المعيشي للاجئين، والعمل في البطالة لدى الفلسطينيين.
من جانبه، قال مدير إدارة التنسيق والمتابعة بوزارة شئون اللاجئين حسام أحمد :”شرعت الوزارة بزيارة مخيمات الداخل بدأً من مخيم خانيونس للإطلاع على أوضاع اللاجئين هناك”، موضحاً أن الهدف من هذه الزيارات هو دفع “الأنروا” والجهات المعنية، باتجاه تحسين أوضاع المخيمات، وأن هناك من سيتولى مهمة زيارة مخيمات الضفة الغربية، والشتات.
وفي معرض رده على سؤالنا، ما إذا كانت وزارة اللاجئين هي الجهة الواجب عليها تحسين أوضاع اللاجئين بدلاً من اللجوء للمنظمات الدولية؟ قال أحمد:”الوزارة لا تلجأ لأحد، وإنما قرارات الأمم المتحدة ساهمت بتشتيت الشعب الفلسطيني مما يجعل أمنه واستقراره مسؤولية دولية”، موضحاً أن الحصار الاقتصادي المفروض على الحكومة الحالية، جعل من الصعب عليها تحمل شئون المخيمات وحدها.
وأشار أحمد أن الوضع المأساوي في المخيمات يدلل على قصور “الأنروا” بالرغم من جهودها، والجدير بالذكر أن الطرق الرئيسة في المخيمات معبدة نوعا ما، ألا أن المخيمات عامة ومنذ نشأتها، تعيش داخل قطاعات يسمى الواحد منها “بلوك”، حيث المنازل الضيقة والمتراصة، والتي لا فاصل بينها إلا الأزقة ومن جهة واحدة فقط.
واعتبر أحمد تنصل “الأنروا” من بعض الأمور المتعلقة بشؤون اللاجئين وإيكالها “لجهات أخرى” من منظمات إنسانية وحقوقية، يؤثر سلباً على اللاجئين، مطالباً الجميع ببذل قصارى الجهد في سبيل تحسين أوضاع المخيمات.