الحواجز …عذاب يومي للفلسطينيين في الضفة الغربية

سطور المعاناة التي تتجسد في الصفحات السوداء التي يطويها يوميا كل فلسطيني لا
تخلو من الفواصل والنقاط وعلامات التعجب والاستفهام، ولا تختلف كثيرا عن العلامات
والفواصل والبوابات الالكترونية والإسمنتية التي شيدها الاحتلال على مداخل المدن
الفلسطينية منذ 7 سنوات .
محمد الشولي من سكان الخضر لم يدخل إلى رام الله منذ عام 2000، وعندما وجد نفسه
مضطرا لتصديق بعض الأوراق من وزارة المواصلات في رام الله علق بالبوابة الالكترونية
فأعلن كفره بكل القوانين الدولية التي نصت على حقوق الإنسان
وتابع الشولي قائلا دعني أقول لك بان الجحيم الذي نحياه انعكس على أطفالنا
فبالأمس التفت حوالي طفلاتي الثلاث وملأن أكواب الماء أمامي لأفهم أنهن يردن أن
نذهب إلى البحر فما كان مني إلا أن أملأ “بانيو” الحمام بالماء وأقول لهن بأن بحرنا
هنا … هكذا هو قدرنا أن نبحر في “البانيو” بعد أن فقدنا كل إمكانيات الذهاب إلى
البحر.
فالحاجز لا يتمثل فقط ببضعة جنود وظيفتهم منعنا من التحرك والحد من حريتنا، بل
أن الحواجز التي يعيشها الفلسطيني اخطر ألف مرة من حاجز قلنديا و”الكونتينر” …
أنها الحواجز المدمرة التي صنعوها في نفسياتنا .. انظر كم عاقبت نفسي وكم أحس
بالكارثة التي نحياها وأنا اسحب أطفالي إلى الحمام لأقول لهم هنا يكمن بحرنا، وهذا
الحوض الصغير هو بحرنا الفعلي بعد أن حرمنا من التنقل والوصول إلى مدننا ففي هذه
البلاد فقط أنت لا تستطيع أن تتنقل ولا تستطيع أن تقود سيارتك.. في هذه البلاد فقط
أنت محاصر وإنسانيتك محكومة بوقف التنفيذ ففي كل أرجاء الدنيا تستطيع أن تستقل
سيارة مستأجرة وان تذهب إلى أي مكان تريده عدا هذه البلاد، فأنت لا تستطيع أن تفعل
ما تريد بل ما يقرره لك جنود الحاجز وما أكثر الحواجز في هذه البلاد….
ممرات أشبه بسراديب الإسطبلات
عشر بوابات الكترونية… جنديان على كل بوابة ومجندات يحملن أجهزة الكشف عن
المعادن يحطن بالبوابات ونقطتان للكشف والتدقيق في بطاقات الهوية الشخصية ومعابر
وممرات أشبه بسراديب الإسطبلات…. تتكدس بها المكعبات الإسمنتية وأكياس الرمل تعزل
الجنود عن مقابليهم من الفلسطينيين الذين يسلكون هذا المعبر الذي من المتوقع حسب
آخر التحديثات من أن يصبح دوليا وعلى أبواب العاصمة العتيدة…. عشرات الغرف
والممرات المعبدة حديثا بالإسفلت وبوابات جديدة يتم تشييدها في المعبر الجديد الذي
اشرف على نهايته والاحتلال قابض على الأرض والإنسان معاً … فأي خارطة طريق بعد أن
شوه الاحتلال الطريق وجعل من مداخل المدن جزر وإسطبلات لا تصلح إلا أقفاصا
للدجاج….؟

حازم موظف بشركة خاصة في رام الله يجب أن يعود الى مدينة الخليل كل نهاية خميس
في نهاية الأسبوع .. يقول لا يضنيني البعد عن الأهل والمكوث في رام الله خمسة أو
ستة أيام دون رؤية أهلي بالقدر الذي اشعر به بالغضب والقرف عندما افكر بالعودة
والوقوف في طابور الانتظار لاجتاز حاجز قلنديا الى موقف السيارات الذي سينقلني
لمدينتي ويزداد الهم والقلق عندما أفكر بأنني سأجتاز حاجز “الكونتينر” أيضا وحاجز
“غوش عتصيون” عندها غالبا ما أفكر بعدم العودة والبقاء لأسبوع آخر في رام الله خاصة
وان عملي متعب ومضني …لا اعرف ان كانت هذه الكلاب التي تراها معي تفكر في حالنا
ولو انها ستقف في الطابور مثلنا اعتقد بأنها ستحتج ستتأجج نار غضبها ويشتد رفضها
لهذا الواقع المؤلم.
معبر دولي وبطاقات ممغنطة
تساؤلات حازم لا تختلف كثيرا عن تساؤلات الآلاف بل عشرات الآلاف الذين يصطفون
يوميا على هذا الحاجز الذي من المنتظر ان يصبح معبرا دولياً، وستسري تأشيراته على
المقدسيين أولا والذين لن يتم السماح لهم بدخول رام الله التي تعتبر شريان الضفة
الغربية الا ببطاقة ممغنطة أشبه بتلك التي يحملها العمال الفلسطينيون من سكان الضفة
الغربية والتي تتيح لهم الحصول على تصريح دخول لاسرائيل او لمستوطناتها.
مقر الادارة المدنية الجديد الذي يحتوي على غرف تفتيش واستراحات ومواقف سيارات
وحواجز داخلية يظهر جليا ان حدود السلطة الوطنية الفلسطينية لن تتجاوز حدود مخيم
قلنديا ولن تتجاوزها الى الرام سوى بنفق ارضي أو جسر لا يلامس الأرض التي وضعت
عليها الدبابة الاسرائيلية جنازيرها ….
أمل من الطور لم تخف قلقها من القادم وقالت لا أتخيل نفسي أطلب تصريح دخول الى
رام الله.. هذه جريمة ولا أعرف كيف يخيم الصمت على هكذا اجراء … يوميا أنا أجتاز
هذا الحاجز وأتوجه الى عملي في رام الله .. نصمد ونتحمل لان الأمل يحذونا بان تلقى
هذه المأساة طريقا للحل لكن ان اذهب لأحصل على بطاقة ممغنطة لأدخل لرام الله فهي
فعلا كارثة جديدة ستحل بالفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة وهم الذين لم يبق لهم
متنفس للضفة الغربية سوى هذه المدينة التي نرتبط بها بذكريات ونتعايش معها في حياة
لن تنتهي حتى وان عظمت وكبرت وتضاعفت الحواجز … اذكر مرة بان حاولوا التيقن من
عدم وجود ما أخفيه بعد ان رنت آلة الكشف عن المعادن ونظرا لرفضي احتجزت على هذا
الحاجز حتى السادسة مساءا رغم برودة الطقس وانهمار المطر كنت أراهم يستمتعون اي
الجنود والمجندات باحتجازي وللحقيقة شعرت بالمتعة وانا ارفض التفتيش الداخلي
والانصياع لرغباتهم …..انظر معي الى هذه البوابة أنهم يوزعون الابتسامات تارة
وأخرى يوزعون زعيقهم وتارة أخرى يصوبون بنادقهم الى راسك او صدرك هكذا هو الحال
ويجب ان نصمد لان بصمودنا فقط نفشل مخططاتهم لأنه باعتقادي هم فقط يريدون أن نشعر
بالاذلال وهذا ما يجب ان لا نشعرهم به … نعم أنا أمر على هذا الحاجز ولكن مرفوعة
الرأس وأنا أدرك بان الزمن سيتغير …..
ما ان تحط قدميك على عتبات الحاجز حتى تجد نفسك بين سربين يمتدان على طول الحاجز
من المتسولين فعشرات المتسولين والمتسولات وجدوا بهذه النقطة التي يعمل الاحتلال
لرسمها حدودية وجدوا لهم أمكنة ومواقع للكسب السريع مستغلين الكثافة العددية التي
تجتاز الحاجز ذهابا وايابا ومنهم من يحمل عكازا ومنهم من يبسط منديلا ومنهم من يحمل
صحناً أو وعاءً معدنيا وجميعهم يدعون لك بالخلف الصالح والآخرة الحسنة واخراج ما في
جيبك من نقود .