تبدو منطقة أم القبا في السفوح الشرقية للضفة الغربية، هادئة جميلة في فصل
الربيع، سرعان ما يضيف سطوع الشمس عليها في الصباح إشراقة خاصة، غير أن شيئاً من
هذا لا يعكس ما سيكون عندما تدور رحي حرب يشنها الجيش الإسرائيلي في الجبال.ليس
هناك ما يوحي بأن جيشين يتقابلان في معركة حربية, لكن الحرب بكل هيأتها قائمة فعلاً
في السفوح الشرقية للضفة الغربية.ويتعرض السكان في المنطقة لحرب إسرائيلية “صامتة”
على مدار العام, بالرغم من أصوات القذائف التي تدوي في الأراضي الغائرة والأودية
السحيقة.المشهد أشبه بحرب تدور رحاها في مناطق قريبة من تجمعات سكانية حضرية وأخرى
رعوية شمال شرق الضفة الغربية.وينفذ الجيش الإسرائيلي, بتشكيلاته المختلفة مناورات
عسكرية واسعة في المنطقة التي تحولت إلى ساحة حرب.وقال عارف دراغمة, رئيس تجمعات
المالح الرعوية “هذه الحرب مستمرة على مدار السنة” في إشارة منه إلى التدريبات
العسكرية المستمرة.ونفذ الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع الماضية أوسع حملة مناورات
عسكرية، تركزت في مناطق واسعة من منطقة السفوح والغور.
أرتال طويلة من السيارات العسكرية الإسرائيلية, ومعسكرات مؤقتة على قمم الجبال
تعلوها أعلام ملونة على سوار عالية, وجنود راجلة يظهرون للناظر بصعوبة بالغة لأنهم
يختبئون خلف الشجيرات وبين الأعشاب الكثيفة، ويطلون وجوههم بألوان ضاربة إلى الون
الأخضر.وعلى طول الطريق المنحدر من أعالي السفوح الشرقية باتجاه منطقة الغور، كان
الجيش يحشد قواته وسط حقول فاقعة الخضرة.تردد أصوات دوي إطلاق النيران في مناطق
جبلية واسعة أمر مألوف، و”إطلاق النار في كل مكان تقريباً في هذه المنطقة” قال
دراغمة.وتجري المناورات العسكرية الإسرائيلية في ساحات المنازل مع عدو وهمي من
الكرتون والصخور وشجيرات الذرو والدحنون التي تزهر في هذه الأيام.وبدأت إحدى
المعارك القوية في منطقتي خلة البد وأم القبا اللتين تتخللهما أراضٍ مستوية تخترقها
أودية نبتت على حوافها الشجيرات.والدخول إلى هاتين المنطقتين يعني الدخول بين حجري
رحى تدور دون توقف.
تبدو المنطقتان خاليتان من البشر إلا من أعداد كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي
الذي يروحون ويجيؤون في سهول مزروعة بالقمح.وفي المكان قرب أشجار خروب، بدت عبوات
الرصاص النحاسية منثورة على مساحة واسعة في خط مستقيم يؤشر للمكان الذي كان يصطف
فيه الجنود أثناء عمليات الرماية.من على بعد يمكن النظر إلى الجيش وهو يقوم
بتدريباته على هضاب صغيرة لكن الاقتراب منها خطر للغاية.قال دراغمة “بينما كان جنود
يتدربون على الزحف فوق أرض صخرية كثيفة الشجيرات، منع الجيش الإسرائيلي أي أحد من
دخول المنطقة.وتساءل الرجل عن طبيعة هذه الحياة التي يكون فيها السكان في مرمى
النيران؟.
وفي هذه اللحظات، سمع أزير الرصاص المتطاير فوق قمم الجبال المحيطة, وكلما أطلقت
رشقات من الرصاص تردد صداها في المكان.وفي مكان مجاور هناك آليات عسكرية قديمة
صدئة، تركت منذ سنوات لتكون أهدافاً للجنود.وفي الشتاء يقضي السكان حياتهم ملطخين
بالوحل، وفي الصيف تلتصق بهم طبقات من الغبار بفعل التراب الناعم الذي تحمله زوابع
الصباح والمساء.لكن التدريبات العسكرية الإسرائيلية، أكثر ما يقلق راحتهم، كما قال
أحد الرعاة ويدعى أحمد البدوي.عندما كان البدوي يصف كيف يغلق الجيش المنطقة
للتدريبات العسكرية، كانت مجموعة من الجنود توجه آلية عسكرية اصطدمت بصخرة على سفح
جبل أقدامه عند واد سحيق.ويستغل الجيش الإسرائيلي منطقة السفوح الشرقية للضفة
الغربية، مستفيداً من تضاريسها الجبلية الوعرة وأوديتها وخلوها تقريباً من التجمعات
السكانية.وأغلق هذا الجيش مساحات واسعة من منطقة السفوح والغور منذ العام 1967 تحت
ذريعة أنها مناطق عسكرية مغلقة.وقال سكان من المضارب الرعوية “إن هذه المناورات حرب
لا تعرف حدوداً, فالجيش ينتقل يومياً من مكان لآخر ويغير أهدافه”.
وقال دراغمة “إن الجيش يتجاهل وجود سكان في المنطقة يتحركون في مراع مفتوحة وراء
قطعان مواشيهم، ما يعرض حياتهم للخطر في أي لحظة”.وسقط العشرات وبترت أطراف بعضهم
بسبب الألغام الأرضية التي زرعها الجيش في المنطقة، التي تعتبر أكبر حظيرة طبيعية
لقطاع المواشي، الذي يعتبر عماد حياة السكان.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72804
