” إنسان أون لاين ” في التقرير التالي يرصد بعضاً من مشاهد الحياة الفلسطينية لن نطرق الأبواب بل سنمشي سوياً بين محافظات القطاع ننقل بعين المشاهد ما يجري على الأرض الفلسطينية .
أطفال بعيون باكية وأمهات بقلوب ثكلى وآباء بألسنة مكلومة وأيادٍ لا تستطيع مع تأمين لقمة العيش لفلذات أكبادهم شيئاً، فقط بعضاً من وعودٍ بأن غداً سيشرق بفجر الأمل في تأمين الاحتياجات الأساسية لهم، ويأتي الغد وبعد الغد ولا تتحقق الأحلام تموت قهراً توأد ظلماً تسجن في مخيلة صانعيها فلا ترتقي إلى حيز الواقع إلا فيما ندر.
تفاصيل الحياة في غزة بدت أكثر صعوبةً وأشد ضرواة مع زيادة الاحتياجات النقص الحاد في الإمكانيات، الأسواق خلت من الزبائن الذين فرغت جيوبهم من الأموال الزهيدة لتوفير احتياجات أسرهم الأساسية، أما المدارس فالمتوقع أن لا تستقبل تلاميذها جميعهم بثيابهم الجديدة مع بداية العام الجديد، وجوه ارتسمت على ملامحها علامات الحزن وأخرى لم تغادر عيونها دمعات الأسى وثالثة اكتنفت إلى جدار الذكريات تستعيد يوماً شقت فيه الابتسامة طريقها إلى قلبها لكنها لم تعد أبداً بسبب المأساة الإنسانية والاجتماعية والنفسية والمادية التي يعانيها القطاع.
” إنسان أون لاين ” في التقرير التالي يرصد بعضاً من مشاهد الحياة الفلسطينية لن نطرق الأبواب بل سنمشي سوياً بين محافظات القطاع ننقل بعين المشاهد ما يجري على الأرض الفلسطينية .
أشارت عقارب الساعة الثامنة من صباح الأربعاء الموافق منتصف أغسطس الحالي، المكان سوق خان يونس المركزي، بدا ضاجاً بالمارة ذهاباً وإياباً ينظرون البضائع المطروحة فاكهة هنا وخضروات هناك وبسطات عريضة من الأزياء المدرسية، تَسَمَّرَ أمامها الأطفال بنظرات حائرة ينتظرون إشارةً من الأم بأنها ستحقق وعدها وتقتني لهم بعضها لكنها تبدد بإشارتها بالإسراع في الخطوات، وما يلبث أن يتوقف أحدهم في السابعة من عمره قليلاً يرجو والدته أن تشتري له بعضاً من الحلوى فلا تستطيع إجابة رغبته وتعده بأنها ستشتريها إذا ما فاض ما بيدها من مال زهيد عن مكونات الطعام الأساسية لهذا اليوم فما يكون منه إلا الانتظار، ويطول الانتظار، تقف الأم أمام بسطة متواضعة عليها بعضاً من أنواع الخضار الأساسية حبات بطاطس وطماطم وبصل وباذنجان لم تكن بذات الجودة لكنها تؤدي الغرض تسأل عن السعر فتراه مناسباً لكنها تفتح يدها تنظر المبلغ بحوزتها قبل أن تقرر الكميات التي ستشتريها، تأخذ فقط كيلو واحد من كل صنف تحمل الأكياس بين أصابع يدها بينما يمسك صغيرها بطرف ردائها وينصرفوا، قالت :” غداً سأجعل والدك يشترك لك الحلوى “، ولا يملك الطفل إلا البكاء لكنها تهدئه تعطيه ما فاض من مالها –نصف شيكل- يفرح به يذهب متطايراً إلى بائع الحلوى فيعطيه القليل القليل منها وفقاً لإمكانياته لكنه يسعد بها، أما الأم فتمسح رأسه فلذة كبدها وتتم ليت الفائض كان أكثر لنشتري لجميع إخوتك لكن الحمد الله وتخبره بألا يخبر أشقائها بشرائه للحلوى بل تجعله ينهي تناولها وهما في طريق العودة، ويزيغ البصر عنهما إلى مشهد آخر.
رزق البحر أنقذنا
في مخيم الشاطئ بمدينة غزة كان الحال مشابهاً تماماً في اختلاف بعض التفاصيل التي ترويها ابتسام في الثلاثينيات من عمرها وأم لخمسة أطفال، تقول :” لولا موسم الصيف ورزق البحر لما استطعنا العيش بهذا المستوى المتواضع أصلاً “، فالزوج يعمل في القطاع الحكومي ومثله مثل غيره من الموظفين لا يتقاضى راتبه بشكل متواصل شهرياً وفقاً لإجراءات الحصار والخناق الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الفلسطينيين، وتتابع :”الأشد من ذلك أن زوجها كان قد اقترض من البنك مبلغاً لتسيير أمور حياته لكنه أثمر عليه إرهاقاً مادياً ونفسياً عانت من تبعاته أسرته جميعها مستكملة ما إن ينزل له راتب حتى يعمد البنك إلى استقطاع غالبيته ولا يبقى له إلا القليل من الأموال لكنها لا تسد رمق أطفاله الخمسة ولا تؤمن احتياجاتهم الأساسية “.
لم يملك الأب أن يرى في عيون أطفاله نظرة الحاجة للقمة العيش الكريم فما كان منه إلا استئذان صديقه الذي يملك قارباً للصيد بأن يعمل به في ساعات المساء في نقل المصطافين في نزهة بحرية يتقاضى منها القليل من الأموال يستطيع من خلالها تأمين رمق أطفاله، المقابل لا يتجاوز يومياً العشرون شيكلاً لكنها بالكاد تكفي لتوفير مائدة الطعام اليومية خاصة الغداء، تقول ابتسام :”لولا بعضة الشواقل تلك لما استطعنا العيش في ظل زيادة احتياجاتنا من إيجار للمنزل الذي نقطنه وتراكمات البقالة التي أوشكت إغلاق دفتر الديون لكن حب التكافل والتعاطف مع الناس يمنع صاحبها إلا بالمطالبة بسداد أجزاء بسيطة يستطيع من خلالها توفير المزيد من البضائع التي يحتاجونها “.
حائرة مع رضيعها
تسير بنا الخطى لرصد المزيد من مشاهد الحياة الفلسطينية داخل قطاع غزة، استوقفنا مشهداً عند باب أحد مؤسسات الرعاية الصحية في مخيمات الشمال، أم بدت في نهاية العشرينيات من ربيع عمرها لكنها ذابلة الوجنتين والعيون منهكة الجسد نحيفة قاتمة الملامح تماماً كالرداء الأسمر التي تتشح به.
وقفت حائرة تنظر تارةً إلى رضيعها الذي تحمله بين ذراعيها وتارةً أخرى ترمق ورقة العلاج الذي وصفه لها الطبيب له، وما لبثت أن ارتكنت إلى الحائط تبكي تسللت إليها خلسة فما كان منها إلا المزيد من الدموع، قالت أن رضيعها مصاب بفقر الدم ويحتاج إلى تغذية إضافية عوضاً عن الرضاعة الطبيعية، الطبيب وصف لها نوع من الحليب يساعد الأطفال الرضع على النمو لكن ثمنه غالياً يتجاوز العشرين شيكلاً ” الدولار يقارب 4.3 شيكل ” لكنه يفيده لأسبوعين على الأقل بالإضافة إلى الرضاعة الطبيعية، الأم لم تملك حتى ثمن المواصلات لتعود إلى منزلها الذي يبعد عن المستوصف مئات الكيلو مترات فكيف ستملك له على الأقل كل أسبوعين عشرون شيكل كان ذلك ضرباً من ضروب المستحيل، قالت :”أنها كانت تعمل في إحدى رياض الأطفال لكن مديرة الروضة قد استغنت عن خدماتها أما زوجها فحاله حال العمال عاطل، أحيانا يعمل في الطوبار ” البناء ” لكنها أيام وتنقضي ويعود الحال على ما هو فقر وبطالة وحاجة ماسة لتوفير أكثر الاحتياجات ضرورة لإنعاش حياة عشرة أطفال يحتاجون المزيد من الرعاية الغذائية والصحية ليشبوا يافعين لكنها لا تستطيع .
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72873
