عام كسائر الأعوام لكنه الأشد والأقسى على طلبة فلسطين، حيث لم يترك الاحتلال بقعة من ارض فلسطين إلا وترك فيها أثرا لممارساته العدوانية التي حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم خانق.
ومع اقتراب العام الدراسي الجديد تبدو ممارسات الاحتلال جلية في الركود الاقتصادي وحالة الفقر التي يعاني منها الفلسطينيون مما يؤدي إلى عجز آلاف الأسر عن توفير متطلبات العام الدراسي الجديد، إذ يجد الأطفال الفلسطينيون أنفسهم يذهبون لمدارسهم بلا زي مدرسي، أو حقائب أو دفاتر وأقلام، فأغلب معيليهم يعيشون تحت خط الفقر وغير قادرين على رسم الابتسامة على شفاه أبنائهم الطلاب.
هذا وقد ظهرت آثار الحصار المفروض على المدن الفلسطينية على الأسواق التي أصبحت شبه خاليه، بائعون وتجار جالسون على ناصية الطريق، يتجاذبون أطراف الحديث بينهم، حيث لا توجد حركة تسوق للمواطنين.
من البالة
تقول أم علي فارس أرملة، ذهبت إلى سوق البالة (الملابس المستعملة) للتبضع لشراء ملابس وكسوة لأبنائي السبعة، بسبب عدم قدرتي على توفير الملابس الجديدة وأقوم بإعادة ترتيبها وتهيئتها لكي تصبح ملائمة للاستخدام والأمر صعب للغاية إلا انه يسد حاجة.
وأضافت أم فارس “اشتريت الملابس والأحذية من سوق البالة، ولدي بضع من المال كي اشتري بعض القرطاسية لأبنائي، وتكاد تكون هذه هي حياتي وحياة أسرتي مع بداية كل عام دراسي”.
وأوضحت أم علي أن زوجها الذي توفى عنها في حادث عمل لم يترك لها من المال شيئا، بل أن كل ما تركه لها هو مجموعة من الأطفال لا تكاد تقدر على توفير قوتهم اليومي، مشيرة الى أن الأوضاع الراهنة وسوء الحال الاقتصادي لم يعد يساعدها، “حيث لجأت لسؤال الناس حتى استطيع جمع بعض المستلزمات لأبنائي في المدرسة”.
وأردفت أم علي قائلة: “بعد ان توفى زوجي كنت اعمل باحدى مشاغل الخياطة، وكنت ايضا اساعد نساء الحي في اعمال منازلهن، وكنت احصل على بعض المال، ولكن الان وعندما اصبتي بمرض السكري لم يعد باستطاعتي ان اقوم بعمل كما كنت بالسابق، فاقتصر عملي داخل منزلي، وأنا ابذل كل جهدي من اجل توفير أي مبلغ من المال حتى أجده عندما احتاجه”.
أما مهند عبد الله 10 سنوات فيبتاع الحلويات في منطقة دوار الشهداء في مدينة نابلس ويتجول بين المكاتب والعمارات.
وفي حديث لإنسان اون لاين قال مهند: “اعمل طوال فترة الصيف كي استطيع ان أوفر لوازم المدرسة لي ولشقيقي محمد لان والدي مريض ولا يستطيع العمل”.
ويتابع محمد ببراءة الطفولة التي تبدو على وجنتيه ان أجمل يوم في المدرسة هو اليوم الأول عندما يذهب هو وشقيقه بالملابس الجديدة، “هي مرة واحدة اشتري بها ملابس جديدة للمدرسة، واقضي بها العام كله، وانا أحافظ على نظافتها كي استطيع ان البسها يوميا”.
ينتظر من يشتري منه
لكن الطفل سعيد عوده فقد جلس أمام إحدى المكتبات في مدينة نابلس وقد ارتسمت في عينيه ملامح الألم والحزن وهو يراقب الأطفال وهم يتزودون بمستلزماتهم الدراسية بينما هو يحمل بين يديه بعض الحلوى يبحث عمن يشتري منه ليساعد في إعالة أسرته التي لن تتمكن من شراء احتياجاته المدرسية، والسبب كما يقول عجز والده عن العمل وعدم توفر أي مصدر دخل للعائلة، فوالده عاطل عن العمل منذ سنوات بعد إصابته بقدميه أثناء العمل في إسرائيل.
أما فاطمة محمود فقد باعت ما تبقى من مصاغها حتى تتمكن من توفير المستلزمات المدرسية لأبنائها.
تقول فاطمة لإنسان اون لاين: “اضطررت إلى بيع آخر جزء من مصاغي بعد ما بعته قطعه تلو الأخرى خلال سنوات الانتفاضة، حيث فقد رب الأسرة مصدر رزقه نتيجة الحصار”.
وعلى الرغم من الوضع المأساوي الذي تمر به الأسر الفلسطينية خلال هذه الأيام إلا أن الأمل ما زال يحدق بمثل هؤلاء الناس للوصول الى هدفهم ومبتغاهم وعلهم يجدون من ينظر إليهم.
وعلى مدخل إحدى البنايات قرر المواطن ابو مؤمن من احد مخيمات مدينة نابلس أن يبتاع قرطاسية ولوازم مدرسية لجميع فئات الطلبة وقواميس لغات وغيرها.
وأشار ابو مؤمن الى أن إقبال المواطنين على شراء هذه القرطاسين قليل جدا وذلك بسبب الأزمات التي تمر بها الأسر الفلسطينية في ظل هذه الأوضاع.
وقال ابو مؤمن لإنسان اون لاين: “اشتريت بضاعة بمبلغ زاد عن الألفي دولار، وأخشى أن تبقى هذه البضاعة متكدسة لدي، خاصة أن هناك كثير من المواطنين قاموا باستصلاح شنط قديمة لديهم، وبعضهم لجا الى المؤسسات الخيرية للحصول على مستلزمات أبنائه المدرسية.
ضاف ابو مؤمن ” في كل عام أقوم بشراء قرطاسية ومستلزمات للطلبة وابتاعها في فترة وجيزة، ولكن هذا العام ورغم عمل عروضات على هذه البضائع إلا أنني لا أجد من يشتري مني، وهذا سيضعني في مأزق لأني اعتمد على أرباح هذه المبيعات في توفير أقساط الجامعة لابني الكبير وأولادي بالمدارس”.
وأوضح ابو مؤمن ان لديه بيع ولكن ليس بالمستوى المطلوب، حيث يضطر الى البيع بنفس الثمن الذي اشترى به، مشيرا الى ان ذلك يجهد وقته ويبذر ماله في سبيل الحصول على بضع دولارات تكون كافية له ولأطفاله في ظل الاقتراب من العام الدراسي الجديد.
ليست فقط هذه الاسر التي تعاني من تفاقم الأوضاع الاقتصادية وسوء حالها، وإنما هذه الاسر هي بمثابة نموذج من بين عشرات بل مئات النماذج الفلسطينية التي أصبحت تعاني الأمرين في ظل هذه الظروف الصعبة.
أوضاع اقتصادية سيئة
وما لا شك فيه أن الأوضاع الاقتصادية الراهنة وظروف الحصار قادت الى خلق مشاكل اجتماعية وإنسانية للكثير من الفلسطينيين.
وفي حديث مع الخبير الاقتصادي إبراهيم ابو الهيجا قال: “تؤكد المؤشرات الصادرة عن البنك الدولي والأنروا ومركز الإحصاء الفلسطيني تزايد نسبة الفقر في المجتمع الفلسطيني إلى مستويات خطيرة جداً، حيث تؤكد أن أكثر من 65% من الفلسطينيين يعيشون على أقل من دولارين يومياً وهو معدل الفقر النسبي، كذلك فإن حوالي 20% يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم وهو مستوى الفقر المدقع، أو بعبارة أخرى 20 % من المجتمع الفلسطيني يعيش في مجاعة”.
واضاف ابو الهيجا “كذلك بلغت مستويات البطالة حوالي 70% خاصة بين الشباب الخريج والذين يقدر عددهم بأكثر من خمسين ألف خريج جامعي عاطل عن العمل، يضاف إليهم سنوياً حوالي 45000 طالب عمل جديد ومن بينهم 10000 خريج جامعي”.
وأوضح ابو الهيجا ان ظروف الاسر الفلسطينية سيئة للغاية، وخاصة في هذه الايام، حيث ان الحصار وعمليات الإغلاق الممنهجة التي تتبعها إسرائيل أعاقت تطور وتقدم حياة الفلسطينيين في كثير من أمورهم.
وأشار ابو الهيجا الى أن زيادة نسب البطالة والفقر نتج عنها مشاكل اجتماعية خطيرة مثل، زيادة نسب التسرب من المدارس والتعليم العالي، زيادة نسب الجريمة، عمليات السطو المسلح، سلب الممتلكات العامة والخاصة، والاعتداء على القانون العام وانتشار ظواهر الفلتان الأمني وخطف الأجانب العاملين في فلسطين، “كل هذه تحديات كان واضحاَ أنها تشكل عبئا ثقيلا على كاله المواطن الفلسطيني الفقير”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72884
