عاني ولا زال الاقتصاد الفلسطيني منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 كوارث أثمرت تدهوراً في الحياة الإنسانية للمواطن الفلسطيني، فالعمال الذين يعملون داخل الخط الأخضر سُرحوا وأضحو في مواجهة الفقر والبطالة لولا بعض المدخرات، بينما بدأ أصحاب المصانع والشركات الخاصة يقلصون من رواتب عمالهم شيئاً فشيئا حتى استقر بهم الحال أيضاً إلى تسريحهم لعدم قدرتهم على الإيفاء لهم برواتبهم نظراً للحالة الإنتاجية المتردية بفعل إغلاق المعابر وعدم دخول المواد الخام لصناعاتهم ولا سيما أيضاً وفقاً لحالة التسويق المنهارة حيث تضاءل الطلب على منتجاتهم وفقاً لتقلص الموارد المالية للمواطنين وركون الآلاف منهم عاطلين عن العمل دون مورد رزق ثابت سوى بعض الإدخارات والمساعدات المالية التي تقدمها الدول المانحة لقطاع العمال ولاسيما كوبونات الإغاثة التي تقدمها الأونروا بالدرجة الأولى والمؤسسات الأهلية والخيرية من بعدها.
معاناة العمال في المصانع الفلسطينية الخاصة كانت أشد وطأة من غيرهم رواتبهم أولاً لا تتعدى مبلغ 800 شيكل ولا يتمتعون بإدخار ولا تأمين ولا أي من الحقوق العمالية المنصوص عليها، أضحوا وحدهم في مواجهة رياح الفقر والعوز والبطالة العاتية التي أثمرت أوضاعاً مأساوية على تفاصيل حياتهم والأسباب أولاً وأخيراً ضغط وتضييق إسرائيلي أغلقت المعابر والحدود فلم يسمح بدخول المواد الخام لصناعاتهم وأهلك اقتصاديات تلك المصانع فأصبحت غير قادرة على تعويض خسارتها المتتالية عاماً بعد عام حتى أدى بها الحال إلى إغلاقها كلياً وتسريح من فيها من عمال دون أدنى حقوق لهم في تعويضات نهاية الخدمة فقط وعود بالعودة مجدداً للعمل في حال تحسن الأوضاع الاقتصادية.
” إنسان أون لاين ” في التقرير التالي يرصد عن قرب معاناة فئة العمال في القطاع الخاص، يرويها بألسنتهم التي تلعثمت قهراً ونجوى لله بأن يفك الكرب ويبسط لهم الرزق من جديد بفضله ورضوانه .
في إحدى مصانع الألبان بمدينة خان يونس ما عادت المكن تدور تصنع الجبن واللبنة ، صمتت وإلى جانبها اتكأ العمال يبكون سوء حالهم يشكون إلى الله فاقتهم وفقرهم الذي سيحول حياتهم وأطفالهم إلى قطعة من الجحيم في ظل عدم إيفائهم بمتطلباتهم لأنهم فقدوا مورد رزقهم الوحيد دون أدنى ذنب يقترفونه يجعل صاحب العمل يستغني عن خدماتهم .
رائد رئيس عمال المصنع كان يمشي منكباً على وجهه باتجاه مديره يسلمه العهدة من مفاتيح ودفاتر حسابات وغيرها، سلمها مودعاً وما زال لدى بانتظار أن يعود مجدداً، يقول :”قبل ثلاثة أعوام من الآن تقدمت للعمل في المصنع بعدما سُرحت من عملي الأول في مقهى إنترنت نظراً لضعف اقتصاديات المقهى واضطرار صاحبه لإغلاقه فهو لا يملك المزيد من الأموال لإجراء صيانة دورية للأجهزة في ظل القبال الضئيل على استخدام الشباب للإنترنت في المقاهي، ويستطرد :”كنت متفائلاً جداً بالعمل خاصة أننا كنا مقبلين على شهر رمضان الكريم ويزداد إنتاجنا في هذه الفترة حيث يزداد الطلب عليها من قبل محلات السوبرماركت ومحال الحلويات والحمد لله سارت الأمور وفق توقعاتي، فقط في الشهر الكريم وما إن انتهى الشهر حتى بدأنا نقلل من كميات الإنتاج فلا أحد يشتري الجبن خاصة أن الكثير من الأهالي ذو الاقتصاديات المتواضعة يعمدون إلى صنعها يدوياً في البيوت مستخدمين حليب الأونروا الذي يوزع في الكابونات الإغاثية “.
ويتابع :” بدأ أصحاب السوبر ماركت يقللون أيضاً من الكميات التي يطلبونها حتى تقلصت إلى النصف، كنا أحياناً نضطر إلى إبقاء الحليب مبستراً دون تصنيع أياماً وأحياناً يتلف ويتم إعدامه، ومع الخسارة المادية التي تكبدناها اضطررنا إلى تقليص كميات الحليب التي نأخذها من أصحاب مزارع الأبقار والسبب عدم وجود صفقات لتصنيع وتوريد منتجاتنا للسوق المحلية بسبب الضائقة الاقتصادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني ” ، ويضيف :”ما أدى بصاحب العمل إلى تقليص أجورنا بدايةً ومن ثم عمد إلى تقليص عدد العمال واكتفى بذوي الخبرة والكفاءة في الانتاج والتسويق معاً ، وأخيرا بقينا ثلاثة عمال في المصنع بعدما أن جاوز عددنا العشرة لكن الأوضاع أخذت تزداد سوءً وأخيراً انقضى الأمر بإغلاق أبواب المصنع تماماً فلم يعد قادراً على تسديد ثمن إيجار المكان وصيانة المكن لقلة الإنتاج وعدم وجود إيرادات تغطي الاجتياجات الضرورية، أخبرني صاحب العمل أنه يريد أن يغلق المصنع مع وعد بإعادة فتحه تالياً إن تحسنت الأوضاع وما زلت أنتظر تحسن الأوضاع دون جدوى ” .
ويواصل رائد الحديث عن أيام الصعبة كما يصفها :”أصبحت أعاني الفقر والفاقة لا أملك توفير احتياجات أطفالي الثلاثة ركنت إلى جدران أحزاني قليلاً وما لبثت أن عدت مجدداً بحث عن عمل وكان أن حصلت مؤخراً على عمل في إحدى شركات المقاولات الخاصة إلا أنني لم أستمر إلا لأشهر ثلاثة فقط مدة مشروع إنشائي لم يكتمل بعد توقف بسبب إغلاق المعابر وعدم قدرة الشركة على إدخال المواد الخام الخاصة بالمشروع من أسمنت وحصى ومواد بناء ” ، يبتسم ساخراً :”هكذا هي حالة العمال في القطاع الخاص موقوفة رهن الظروف السياسية التي تؤثر على مختلف مناحي الحياة اليومية فإما أن ترتقي بها وتزهرها وإما أن تدنيها أرضاً وسطة عتمة الإغلاق والحصار الصهيوني والغالب الوصف الأخير ” .
المقاول.. عامل عاطل عن العمل
في مخيم الشاطئ يعيش إبراهيم وهو رجل في بداية الأربعينيات من عمره، لم يكن من أولئك العمال المسرحين من أعمالهم داخل الخط الأخضر، فهو مقاول سابقاً كان يشغل لديه أنفار باليومية أما الآن فأضحى عاملاً مثلهم تماماً يعمل يوماً في نقل الاسمنت ويوماً آخر في قصارة الجدران وثالثاً في خلط الرمال بالإسمنت ونقلها للعامل الذي يبني الجدار .
يقول الرجل :”كنت ميسور الحال أعيش وأسرتي في بيت متواضع بمخيم الشاطئ بغزة، لم أعمد إلى العمل بنظام الأجر اليومي من قبل وقد اضطررت إليه مؤخراً بعدما زاحمني في العمل الكثير من العمال المسرحين من أعمالهم داخل الخط الأخضر فبات العمل قليلاً شحيحاً لا يفي بالأعداد الكبيرة من الباحثين عن فرص عمل سواء عمال أو جامعيين ساءت بهم ظروف الحياة فباتوا بحاجة لفتات يؤمن لهم أدنى الأساسيات المعيشية، ويضيف :”لم أترك عملاً بالأجر اليومي إلا وقد مارسته لأوفر لأطفالي الأربعة لقمة الخبز عملت في مجال القصارة والبناء “.
يعيش أبو إبراهيم تفاصيل حياة قاسية لكنه ما زال يتحدها وأسرته بالرضا بالمقسوم أولاً ثم بإرادته وعزمه على المواصلة وعدم الوقوف عاجزاً، أطفاله الأربعة على الرغم من أنهم يتطلعون لغيرهم إلا أنهم قانعون بما لديهم يوماً يأخذون المصروف اليومي وأيام عشرة لا يرونه أبداً وفقاً لأيام عمل أبيهم، غير أنهم غير متذمرين بل إنهم لا يطلبونه أبداً لعلمهم بحال والدهم، يقول أحدهم :”لا أستطيع أن أرى أبي تألم لتقاعده عن العمل في بعض الأيام وأزيد ألمه بمطالبتي له بالمصروف أو حتى كتاب مدرسي أعمد إلى استعارته من زميل لي لحين توافر النقود مع والدي “، أما الأم فعليها تقع مسئولية التوفير والتدبير الكبرى تقول الزوجة :”عندما يعمل زوجي ويجلب لي المال أذهب إلى السوق أشتري الأساسيات من الخضروات والبقول التي تكفينا لمدة طويلة حتى إذا ما تعثر العمل أجد ما أطهيه لأطفالي ناهيك عن المساعدات المالية والعينية التي نتلقاها من وكالة الغوث والمؤسسات الخيرية الأمر الذي يخفف قليلاً من الأعباء”.
إبراهيم أكد أنه تضرر كثيراً بفعل انقطاع الرواتب فعلى الرغم من عدم علاقته المباشرة بالرواتب إلا أن انقطاعها أثر عليه إذ أن الكثير من الموظفين الذين أنجز لهم أعمال باليومية لم يقاضوه أجرته حتى الآن ما انعكس سلباً عليه وأسرته التي تعيش على الفتات اليومي على حد تعبيره، وأضاف أنه اضطر للانسحاب من جمعية كان قد عملها وبعض أصحابه وجيرانه على أن يأخذها الأول لعمل أعمال صيانة في منزله والسبب قلة العمل اليومي وعدم دفع المستحقات له من قبل الناس.
إغلاق 85% من مصانع غزة
الأوضاع المأساوية التي يعانيها القطاع الاقتصادي منذ بداية الانتفاضة الثانية ازدادت حدتها في العامين الأخيرين ،المصانع الخاصة لم تستطع مواجهة الإجراءات الإسرائيلية في إغلاق المعابر والمنافذ التجارية خاصة بعد الخسائر الهائلة التي تكبدتها فأغلقت وسرحت عامليها يعانون البطالة والفقر.
فتقرير “أوتشا” مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة يؤكد أن عقوبات الحصار المفروض على القطاع خيمت تبعاتها على المصانع الغزية حيث أغلق 85% منهم أبوابهم في وجه عامليهم والسبب عدم توفر مستلزمات الإنتاج من المواد الخام في ظل إغلاق المعابر والحدود والمنافذ التجارية بشكل متواصل ، وأضاف التقرير أن70 ألف عامل منهم 35 ألف عامل كانوا يعملون في قطاع التجارة والبناء والخدمات العامة سرحوا وباتوا يواجهون البطالة إضافة إلى الفقر الذي يعانونه على الدوام بفعل تضاؤل حجم الرواتب الخاصة بهم في ظل غلاء الأسعار وارتفاع مستوى المعيشة، لافتاً إلى أن خسارة المصانع بلغت عشرات ملايين الدولارات حيث تجاوزت 160 مليون دولار نتيجة إغلاق معبر المنطار.
فيما أشار تقرير صادر عن منظمة يونكتاد التابعة للأمم المتحدة أن العام الماضي 2006 شهد انخفاض في نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي بنسبة 15% فيما انخفض أيضاً الناتج المحلي بنسبة 6.6% وتزايدت نسبة العجز التجاري بنسبة 73% حيث بلغت الذروة على طول السنوات الثلاثين الماضية وفقاً لما جاء في التقرير، وعلى الجانب الآخر أدى الأإغلاق والحصار إلى رزوح الآلاف من الأسر الفلسطينية خاصة أسر العمال في الداخل والعمال في المصانع الخاصة تحت خط الفقر بنسبة 53% كما رزح تحت خط الفقر ما نسبته 71% من أسر الموظفين الذين انقطعت عنهم رواتبهم بفعل المقاطعة الدولية والأوروبية لحكومة حماس اقتصادياً وسياسياً ووصل عدد الأفراد الذين عانوا من الفقر المدقع في القطاع وفقاً لسياسات الاحتلال حوالي مليون شخص.
الاقتصاد مرهون بالحل السياسي
من جهته لفت د. نافذ أبو بكر الخبير والأكاديمي الفلسطيني والمحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية أن النماء الاقتصادي مرهون بالحل السياسي، وأضاف :” أنه إذا مما أعيد فتح المعابر والحدود وتقلصت سياسة العقاب الجماعي التي تدمي بها إسرائيل قلوب الفلسطينيين وتعجزهم عن تحقيق متطلبات أسرهم في ظل الفقر والبطالة وانعدام الموارد المالية فإن ذلك سينعكس على الحياة الاقتصادية بالإيجاب مطالباً دول العالم خاصةً بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى الدول العربية تحمل مسئولياتهم تجاه المأزق الفلسطيني كما دعا السلطة الوطنية الفلسطينية إلى ضرورة التفكير في سياسة بديلة لإغعادة هيكلية الموازنة العامة وتصويب سياستها في ظل غياب الأفق السياسي على حد تعبيره بالإضافة إلى عدم الاعتماد على النفقات الجارية والمساعدات الأجنبية، ولفت أبو بكر أن إسرائيل تتحكم بحوالي 75% من إيرادات التجارة الخارجية الأمر الذي يجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للاقتصاد الإسرائيلي
كما أنها تتحكم بالبنى التحتية والمعابر بالإضافة إلى اتباعها مجموعة من السياسات المالية والاقتصادية والنقدية تصب لصالح إسرائيل ولا تصب لصالح الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72900
