احلم أن أعيش مثل بقية الفتيات في العالم..أن أدرس..أن أتثقف..أحلم بأن أكون طبيبة..بهذه الكلمات البسيطة عبرت اللاجئة من العراق الشابة نداء عن طموحها الذي تبدد أمام عينيها..بعد معاناتها في مخيم الوليد..ومعاناتها الحرمان..وظلم أهل الديار.
نداء التي تقيم مع والدها في مخيم الوليد للاجئين من العراق منذ شهر نيسان من عام 2007, بعد رحيلها من مخيم التنف حيث تعيش والدتها.
نداء..وفي ظل انعدام مقومات الحياة في مخيم الوليد..وعدم توفر الكهرباء..همت بإشعال فانوس “الكاز”..عساه يبدد ظلمة الخيمة..ويمكن نداء من البحث عن مقصدها..فما كان إلا أن تعثرت به وانسكبت مادة الكاز على ملابسها..وأخذت النيران تلتهم ساقيها ويديها..وما هي إلا لحظات واشتعلت الخيمة بأكملها..
نداء ..التي صعقت من هول النيران..خرجت تبحث عن من يساعدها..ويطفئ النيران التي تنهش في ساقيها..نداء صرخت..ركضت في كل الاتجاهات..أهالي المخيم صعقوا من منظر النيران المشتعلة في جسدها..والتي التهمت خيمة عائلتها..بدأوا البحث عن مطافئ الحريق..لم يجدوا..بحثوا عن الماء لم يجدوا..والنيران تستعر في جسدها..الأهالي لم يجدوا سوى التراب..الذي ألقوه على نداء..وعلى خيمتها..حتى تمكنوا من إخماد الحريق..
والدها لم يكن موجوداً..وعند حضوره بدأ البحث والنداء على أهل بيته أقصد أهل خيمته..التي لم تبقي النيران فيها ولم تذر..أبو نداء يصرخ أين ابنتي أين زوجتي هل أصيبوا..أخبروه أن نداء احترقت..فقد الوالد أعصابه..انهار..تدهورت صحته..ابنته الوحيدة احترقت..أخبروه انها في خيمة جيرانه..
نداء..وفي أول مشاهدة لساقيها وقد تشوهت..انهارت..لما شاهدته من تمزق في لحمها ومنظر كريه..لتبدأ مرحلة جديدة في عذابات هذه الشابة الفلسطينية..رحلة ابتدأت بالحريق..ثم العلاج..العلاج الذي قام بها أحد المضمدين في المخيم..والذي اقتصر على تنظيف الحروق بمادة كيميائية تستعمل لتنظيف الملابس(dettol)..
نداء..تصرخ من شدة الآلم..لكن لا مسكنات ألام في المخيم..نداء تطلب ما يخفف من آلامها..لا يوجد ما يخفف آلامها..مضى الأسبوع الأول لإصابتها دون أن تعرف طعم النوم..من شدة الألم..رفضت مطالب نقلها إلى أي مشفى للعلاج..اقتصر علاجها في المخيم وعلى أيدي أناس قليلي الخبرة..
والدها لم يترك باب إلا طرقه..ليخفف من معاناة ابنته..وهو يشاهدها تذوب كالشمعة أمام عينية..لكن أحداً من المسؤولين في المخيم لم يسعف لهفة الأب على ابنته المصابة..استمرت حالتها الصحية بالتدهور لأكثر من اثني عشر يوماً..حتى فقد الأمل بأي من المتواجدين في المخيم من مدير مخيم وطبيب وموظف ics..الذين وضعوه بين فكي كماشة إما أن يعود بها إلى بغداد ليقتلا هناك..أو أن ينقلها لمشفى القائم الذي يبعد 5 ساعات عن المخيم وهذا المشفى معروف بقذارته وكأنه مسلخ..
الوالد الذي فقد كل ما يملك..لم يعوضه أحد بشيء..سوى القليل..موظف الصليب الأحمر قدم له خيمتين و100 دولار..أما موظف ال(ics) قدم له خيمة لا سواها إلى حد الساعة..الوالد اليوم ضاع بين علاج ابنته..وبين من يطالبونه بأموالهم التي كانت لهم في ذمته..
الوالد..الذي تدهورت صحته..وفقد الأمل إلا من الله..سعى لتامين العلاج لابنته خارج العراق..ونجح بنقلها إلى إحدى الدول العربية..
نداء..عند وصولها بعد رحلة عذاب في سيارة وهي تجلس في المقعد الخلفي لمدة تجاوزت الثلاث ساعات..عانت الآمرين خلال سفرها..وعند وصولها للمشفى..كنت في انتظارها وأقاربها..أتينا بالنقالة..وحاولنا جاهدين ان لا نزعجها لكن مجرد إخراجها من السيارة ووضعها على النقالة استغرق أكثر من 5 دقائق..دخلت المشفى..وكشف الطبيب عن إصابتها..خرج الطبيب وهو يشتم الأطباء الموجودين في المخيم..واخبرنا أن وضعها خطير وتحتاج عناية فائقة..ومتابعة دقيقة وإلا فربما تفقد قدميها في حال استمر وضعها بهذا الشكل..
نداء..التي أبت إلا أن تحدثنا عن معاناتها ورفيقاتها في مخيم الوليد..قالت بصوت تعلوه نبرة الأسى والحرمان.. حياتنا مملة..روتين قاتل..نقضي يومنا محتجزات في الخيام نغسل..نطبخ..نذهب لجلب المياه..نخجل من الذهاب للحمام المشترك..لان كل من في المخيم عندما يشاهدني احمل وعاء الماء يعرف إني ذاهبة للحمام..وأحياناً انتظر ساعات للدخول إليه..حياتنا أكل ونوم فقط..لا تغيير..
لا نعيش مثل بقية فتيات العالم..لا دراسة..لا كتب..لا دفاتر..لنكتب مذكراتنا في هذه الصحراء..لا كهرباء..لا أدوات ترفيه أو تسلية..أحلم أن أعيش في منزل وأن أعيش في أمان..أن أرتدي ملابس جميلة..مثل بقية الفتيات..
نداء..أنا وحيدة لا أخ لي ولا أخت..وهذا الشيء يؤرقني..إذ أعيش وحيدة في خيمتي مع والدي وزوجته..
نداء..تعرضت لأمراض كثيرة..من المياه الملوثة..والمعلبات الفاسدة..هذا ليس حالي بل كل بنات المخيم..
نداء..التي تنظر إلى إصابتها..فتقف عاجزة أمام طموحها بأن تكون طبيبة..تقول طموحي أن أكون طبيبة..لكن هذا الطموح تبدد منذ أن كنت في بغداد..حيث امتنعت عن الذهاب للمدرسة بسبب خوفي من التعرض للخطف..واليوم في المخيم لا توجد مدرسة..وأكثر من ذلك إصابتي التي ستؤثر على بقية حياتي القادمة..
نداء..بحاجة للمتابعة والعلاج طويل الأمد..نداؤها كان مساعدتها على تأمين علاج لها في إحدى الدول الأوروبية..ولم تنسى رفيقاتها المتبقيات في المخيم..واللواتي أفتقدن لنداء..التي أفتقدتهم أيضاً..لكنها لم تنسى أن تطالب بتأمين حياة جيدة لهم ونقلهم من الصحراء..وتلافي كل التقصير من المسؤولين عن المخيم..لكي لا يكون حادثاً آخر في المخيم تكون ضحيته احدى صديقاتها أو أي شخص أخر..وتمنت أن تكون أخر هذه الاصابات..وان تفتح إصابتها أعين هؤلاء المسؤولين على معاناة أهلها في مخيم الوليد..وأن يتفادوا جريمة أخرى بحق أهل المخيم..
نداء..بحاجة للعلاج من إصابتها الخطيرة..صراخها أثناء تنظيف الحروق..وبكاؤها..ودموعها..التي لا تمتلك سواهم لتعبر للحاضرين من حولها..عن عمق آلامها..وعذابها..
لنداء..من اسمها نصيب..وأهل نداء يستصرخونكم..يستغيثونكم..أن تساهموا في نقلها لأية دولة لعلاجها..وتعويض والدها لما لحق به من كارثة على صعيد ابنته وفقدانه كل ما يملك..وكلهم ثقة بان تلقى صرخاتهم آذاناً صاغية..وقلوباً رحيمة..لديكم..
نداء..صرخت..لكن صرخاتها لم تلامس نخوة المعتصم…وامعتصماه..وا اسلاماه..وا عرباه.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72903
