"في قلب كل إنسان أمنية صغيرة تطارده في حياته وهو يهرب منها؛ إما لسخافتها أو لارتفاع تكاليفها.
فما هي أمنيتك المكبوتة؟ اكتب لي، ما هي أمنيتك، وسأحاول أن أحققها لك.. سأحاول أن أدلك على أقصر طريق لتحقيقها بشرط ألا تطلب منى تذكرة ذهاب وإياب إلى القمر".. جاءت تلك الكلمات التي كتبها الكاتب الراحل مصطفى أمين في 15 فبراير 1954 لتضيف دورا جديدا ومميزا للصحافة؛ فقد عرفت المؤسسات الصحفية -ولأول مرة- مفهوم العمل الخيري الإنساني.. فبعد نشر المقال الذي احتوى على تلك الكلمات في جريدة أخبار اليوم والتي أسسها الراحلان مصطفى وعلي أمين انهالت الخطابات التي تحمل الأماني والرغبات على الجريدة.. مرت عدة شهور على تلك الخطابات وظن مرسلوها أن الجريدة نسيتهم.. وأن الأمر لم يكن يتعدى مجرد مقال صحفي إنساني يدعو فيه كاتبه للتفاؤل والصمود أمام مشكلات الحياة وآلامها.. ولكن الذي حدث أن الجريدة كانت تدرس تلك الخطابات باهتمام وعناية وكتمان وتصنفها في ملفات لتوزعها على فرق خاصة من المحررين كي يذهبوا ويبحثوا أحوال أصحاب تلك الخطابات على أرض الواقع.
وبالفعل بدأت الفرق في الذهاب الى مرسلي الخطابات في كل مكان، واستطاعت أن تحقق أماني كبيرة وصغيرة في الإقليمين المصري والسوري -وقت الوحدة بين البلدين- وأن تلبى احتياجات آلاف المرضى، وتدخل السعادة والفرح على قلوب المحتاجين؛ ليولد منذ ذلك التاريخ باب ليلة القدر الخيري.. والذي نجح على مدى قرابة نصف قرن في تقديم عطائه وخيره لكل ذي حاجة.. وما زال حتى اليوم يقوم بهذه المهمة.
لكن الأكثر من ذلك أن باب الخير الذي انفتح على مصراعيه في أوائل الخمسينيات تفرعت منه أبواب عديدة يؤدي كل منها مهمة محددة؛ مثل أبواب أسبوع الشفاء، ولست وحدك، وصندوق الكوارث وغيرها. وتتسع دائرة الخير وتنتقل من دار أخبار اليوم إلى صحف الجمهورية والأهرام، وغيرهما من الصحف المصرية.
صفاء نور، إحدى عضوات باب ليلة القدر بأخبار اليوم تتحدث عن الأبواب الخيرية في الصحافة المصرية فتقول: منذ إنشائها في منتصف الخمسينيات حرصت دار أخبار اليوم على القيام بدور اجتماعي وإنساني بارز في الحياة المصرية، مستفيدة في ذلك من إمكانيتها الصحفية والمادية وعلاقتها بصفوة المجتمع والقادرين من أبنائه؛ ففي عام 1954 انطلق باب ليلة القدر الخيري وما زال مستمرا حتى الآن في تقديم خدماته لكافة الفقراء من مختلف أرجاء مصر.
وقد تبع ميلاد باب ليلة القدر عدة أبواب خيرية أخرى، هي: أسبوع الشفاء، ولست وحدك، وصندوق الكوارث، بالإضافة إلى دار ليلة القدر لرعاية الأيتام التي أنشأتها أخبار اليوم في مدينة السادس من أكتوبر لترعى آلاف الأيتام، وتكون دعما لهم حتى يصلوا الى بر الأمان والاستقرار ولكل باب من هذه الأبواب الخيرية مهمة محددة، وميزانية منفصلة ومواعيد ثابتة.. فباب ليلة القدر يبدأ عمله مع بداية شهر رجب ومستمر في تقديم مساعداته حتى نهاية الأسبوع الأول من شهر شوال، ويخصص لهذا الباب ما يقرب من 300 ألف جنيه يتم توزيعها في صورة مبالغ نقدية تعطى للفقراء؛ حيث تجوب قافلة ليلة القدر الخيرية كافة محافظات مصر لتبحث عن الفقراء الذين أرسلوا إليها شكواهم وطلبوا المساعدة والعون.. وعادة ما يذهب المحرر إلى منزل طالب المساعدة ليتأكد من صدق ما جاء بخطابه، ثم يقرر المبلغ المستحق له والذي غالبا ما يتراوح بين 500 جنيه و13 آلاف جنيه.
حالات خاصة
وهناك حالات خاصة تكون لها الأولوية والرعاية، مثل العرائس اللائي يردن تجهيز أنفسهن للزفاف، وفي هذه الحالة تقوم ليلة القدر بإعطائهن مبالغ مادية فضلا عن توسطها لدى أصحاب الشركات الكبرى للتبرع لهن بالأجهزة الكهربائية ومستلزمات المنزل التي يحتجن إليها.
وفي يوم 27 رمضان نبدأ في نشر بعض الحالات التي تمت مساعدتها وانتشالها من مشكلاتها؛ وذلك بهدف إعطاء قدر من الأمل والتفاؤل لدى من لديهم مشكلات مماثلة.. وتوصيل رسالة مفادها أنه لا مكان لليأس؛ لأن هناك مَنْ هُمْ على استعداد لتقديم العون لك ومد يد العطاء إليك، فضلا عن أن نشر قصص من تم مساعدتهم يشجع العديد من القادرين في مصر وغيرها من الدول العربية على التبرع لصالح الحالات، ولصالح مؤسسة مصطفى وعلي أمين التي يستفيد منها آلاف الفقراء.
وتضيف نور: وهناك اعتبارات معينة في النشر، لعل أبرزها مراعاة الجوانب الاجتماعية لمن تم النشر عنهم.. فنحن نحرص على عدم إحراجهم أو أن يسبب النشر لهم الضيق وسط المجتمع، فلا يتم نشر صور لفتيات في سن الزواج.. أو طلاب في المدارس أو الجامعات.
وتضيف: وباب ليلة القدر يعد الأقدم وسط الأبواب الخيرية التابعة لدار أخبار اليوم؛ فقد تبع إنشاء ليلة القدر باب أسبوع الشفاء، ويختص هذا الباب بمساعدة المرضى غير القادرين على التداوي أو العلاج أو إجراء عمليات جراحية أو تحاليل طبية لهم؛ حيث تعاقد باب أسبوع الشفاء مع كبار الأطباء والمستشفيات والمعامل لعلاج الفقراء، ويتحمل أسبوع الشفاء تكاليف العلاج والعمليات فضلا عن مساهمة بعض الأطباء بجزء من أجورهم مع أسبوع الشفاء في العمليات.
وتبلغ ميزانية أسبوع الشفاء حوالي 3 ملايين جنيه سنويا.. ويستمر في فتح بابه أمام المرضى طوال العام، لكن هناك فترة يتم تكثيف العمل بها تبدأ من شهر مارس وحتى 14 إبريل، وهذا اليوم يوافق ذكرى رحيل الكاتب الكبير مصطفى أمين مؤسس هذا الباب. وخلال تلك الفترة يتم عمل قوافل تجوب المحافظات كما هو الحال في ليلة القدر، ولا تقتصر خدمات أسبوع الشفاء على مساعدة حالات فردية بالمحافظات لكنه يقدم كذلك تبرعاته للمستشفيات الكبرى التي تصل لـ 100 ألف جنيه لكل مستشفى.
لست وحدك
وفي عام 1983 قرر الراحل مصطفى أمين إنشاء باب "لست وحدك" ليضاف إلى منظومة العمل الخيري داخل مؤسسة أخبار اليوم.. وكان الهدف من إنشاء ذلك الباب هو الاستجابة السريعة لأصحاب المشاكل العاجلة، الذين يصعب عليهم الانتظار مثل طلاب الجامعات الذين يحتاجون إلى مصاريف للدراسة أو المرضى الذين يحتاجون مساعدات عاجلة، وبمجرد وصول الخطابات تنطلق سيارات ومحررو أخبار اليوم لمساعدة صاحب الخطاب فورا مهما كان مكانه.
وانضم الى تلك الأبواب باب صندوق الكوارث.. وهو ذات طبيعة مختلفة إلى حد ما عن الأبواب الأخرى؛ حيث أنشئ هذا الباب لمساعدة من أصيبوا في حوادث أو كوارث مثل الحرائق أو الحوادث الضخمة، مثل حوادث القطارات وغيرها، ويقوم صندوق الكوارث بإقامة مشروع صغير لصاحب المشكلة كي يبدأ حياته من جديد.
بالإضافة إلى هذه الأبواب، فإن أخبار اليوم تقدم لطلاب الجامعات نصف مليون جنيه سنويا في عيد الحب الذي دعا إليه وحدد ميعاده الكاتب الكبير مصطفى أمين ، بالإضافة الى نصف مليون أخرى يتم تقديمها للأيتام.
وكان هناك باب خاص للأطفال اسمه "نِفْسِي".. يحقق أماني الأطفال الصغيرة مهما كانت بساطتها حتى لو كانت تلك الأمنية شراء كرة لطفل.
الفرحة والأمل
ومن دار أخبار اليوم انتقلت فكرة العمل الخيري في الصحافة المصرية إلى العديد من الصحف القومية والخيرية والخاصة، ولعل أبرز تلك الصحف والتي ظهر فيها العمل الخيري بشكل بارز صحيفة الجمهورية؛ حيث تم إنشاء باب "الفرحة والأمل" ليقدم المساعدات للفقراء بالتعاون مع كبرى الشركات الخاصة والمتبرعين، وخصصت جريدة الجمهورية يوم السبت من كل أسبوع لنشر الحالات التي تم مساعدتها.
واستثمرت الجمهورية علاقتها بالجهات الحكومية، ونجحت منذ 4 شهور تقريبا في الاتفاق مع وزارة التضامن الاجتماعي في عمل معاش للفقراء باسم معاش الجمهورية؛ حيث تقوم الجريدة ببحث حالات الفقراء وطالبي المساعدة، وتحولهم إلى الوزارة التي تقوم بعمل معاش شهري لهم يبلغ 100 جنيه.
وفي صمت تام تقوم جريدة الأهرام بتقديم مساعدات للفقراء في شهر رمضان.. لكنها عادة لا تنشر قصص من لجئوا إليها.. وقد نجح الكاتب الراحل عبد الوهاب مطاوع الذي كان أحد أعمدة الكتابة الصحفية الإنسانية في الأهرام في مساعدة آلاف المحتاجين من خلال علاقته برجال الأعمال القادرين والمسئولين بالدولة، وقد سار على نهج مطاوع العديد من الصحفيين في مختلف المؤسسات الصحفية؛ فقد ظهرت مبادرات فردية من بعض الصحفيين للسير في طرق الخير.. ومن أبرزهم "نجلاء بدير" الصحفية بمجلة "صباح الخير" التي خصصت جزءا كبيرا من مقالاتها بالجريدة لعرض المشاكل الإنسانية للمحتاجين، وقد لاقت كتاباتها ردود فعل مميزة لدى المتبرعين والمسئولين على السواء.
كذلك استطاعت الكاتبة الصحفية حسنية عبد الجواد في حل العديد من المشكلات الإنسانية للمرضى من خلال باب يومي بجريدة الأخبار مستفيدة من علاقتها الواسعة بكبار الأطباء والمستشفيات.
وقد حاولت بعض الصحف الحزبية والمستقلة خوض المجال الخيري لكن عوائق التمويل كانت لهم بالمرصاد، وتغلبوا على تلك المشكلة بالاكتفاء بإرسال المرضى إلى أطباء اتفقوا معهم على علاج المرضى الفقراء مجانا، وكانت تجربة عيادة الوفد أبرز تلك التجارب.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72920
