ارتفاع أسعار الأعلاف يهدد قطاع الثروة الحيوانية في الضفة الغربية

أدى ارتفاع أسعار الأعلاف إلى تهديد قطاع الثروة الحيوانية في الضفة الذي يخرج من أزمة ولا يلبث أن يدخل بأخرى، فبعد أزمة انخفاض أسعار اللحوم خلال السنوات التي مضت أخذ يواجه الآن أزمة العلف الحيواني .
عبد الرحيم بشارات الذي يقف في ساحة المسكن المتداعي بدأ يضرب أخماسا بأسداس عندما يتحدث عن عدم مقدرته شراء الأعلاف لقطيع من المواشي يتجاوز عدده 300 رأس.
وارتفاع أسعار الأعلاف المضطرد أمر يرهق بشارات كراعٍ يعيل عائلة مكونة من 30 نفراً، وبالنسبة لبلد مثل فلسطين يعاني من إشكالات لا عد ولا حصر لها، فالأمر قد يعني فقدان مهنة تقليدية لأربابها إذا ما استمر هذا الارتفاع.
وقال الرجل الذي يتعمم بكوفية طواها حول رأسه عدة طيات لتقيه حر الشمس قريباً من قطيعه:”لا مفر من بيع جزء كبير من هذا القطيع لشراء أطنان من العلف المستورد عبر البحار “، وهو بذلك يشير إلى المصاعب المادية التي أرهقت الرعاة نتيجة لارتفاع أسعار حبوب الشعير المستوردة عبر الموانئ الإسرائيلية.
ويفضل الرعاة هذا الصنف من الحبوب كعلف تقليدي للضان البلدي وهي الماشية الأكثر شهرة وتنتشر على شكل قطعان جرارة في المناطق الرعوية.
ويؤكد الأمر ذاته رعاة آخرون يؤكدون أن عدم مقدرتهم على شراء الحبوب يدفعهم نحو بيعها أو على الأقل تقليص عدد القطعان.
ولم تعد مهنة تربية المواشي تستهو الكثير من الرعاة، بسبب السوق السلبية وانحسار مساحة المراعي في المنطقة.
وتختفي ابتسامة الراعي بشارات عندما يشير ماداَ يده على استقامتها إلى مراعٍ رحبة أخذت تتقلص بسبب تمدد المستعمرات اليهودية في المنطقة.

ووضع ارتفاع أسعار الأعلاف الرعاة في الضفة الغربية في موقف صعب يتأرجح بين تركهم لهذه المهنة من جانب أو الاستمرار فيها من جانب آخر مع تحمل قدر كبير من الديون.
وتعتمد مناطق مختلفة من الضفة الغربية أهمها منطقة طوباس وأغوارها وجنوب الخليل منذ وقت طويل على تربية المواشي على شكل قطعان كبيرة وتشكل مصدر رزق لسكانها.
لذلك فإن بشارات وجيرانه من الرعاة يرون في ترك مهنة الرعي أمر مستحيل بالرغم من صعوبة شراء كميات من الشعير تكفي لإطعام المواشي لمقاومة برودة الشتاء القادم حيث تكون الأعشاب لم تنبت بعد.
وفي الصيف يعتمد الرعاة على القش الجاف الذي ينبت في المراعي الطبيعية الآخذة في الانحسار.
وبمناطق كثيرة من الضفة الغربية يعتمد الرعاة الذين يمتلكون قطعان جرارة من المواشي على هذه المراعي التي عادة ما تكون في ذروة عطائها في منتصف الربيع ومقتبل الصيف كخيار مجاني لا يدخل في فاتورة الحساب السنوية.
وكان بشارات يهش على قطيع أغنامه بعصى غليظة على بعد أقل من نصف كيلومتر من مسكنه الخيشي الواقع وسط سهل مقفر عادة ما يخلو من الأعشاب الجافة في مثل هذا الوقت من السنة.
وبينما هو كذلك لاح في الأفق المنظور قطيع من الأغنام يقوده شاب في مقتبل العمر، قال أن ارتفاع أسعار الأعلاف يدفعه نحو التفكير بالتخلص منه.
وعلى بعد كيلومترات قليلة تنتشر في المنطقة مستعمرات يهودية تبدو الأراضي التي تحيط بها فاقعة الخضرة تشكل مراعٍ خصبة للمواشي لو قدر لها دخولها، لكن يحرم على رعاة المنطقة دخول هذه المناطق تحت طائلة إطلاق النار عليهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وفي المساحات القليلة المتاحة بين هذه المستعمرات التي تحيطها الاسيجة الشائكة تنتشر قطعان من الأغنام يقودها رعاة يبدون وقد أضناهم التعب تحت وطأة الحر في أكثر المناطق انخفاضا عن سطح البحر.
وحسب وزارة الزراعة فان أعداد المواشي في طوباس لوحدها تبلغ (60 ألف) رأس، ويساهم قطاع الثروة الحيوانية بجزء غير بسيط من الدخل المحلي لسكان هذه المنطقة، حيث يشكل أرباب هذه المهنة إلى جانب المزارعين العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
وتشير إحصاءات أخرى إلى أن عدد رؤوس الأغنام في الأراضي الفلسطينية يتوزع بواقع: الضأن 850 ألف رأس والماعز 400 ألف رأس, و 32 ألف رأس من الأبقار، في حين يشكل قطاع الثروة الحيوانية ما نسبته 34% من إجمالي دخل القطاع الزراعي.
وطالما اعتبرت تربية المواشي في عموم المنطقة جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية وذلك بسبب طبيعة المنطقة الرعوية الواسعة.
وليس محتملا أن يحدث عزوف واسع عن تربية المواشي في طوباس المحافظة الواسعة نسبياً، التي يعتمد السواد الأعظم من سكانها على الزراعية المروية والبعلية بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، وعمليا يرتبط هذا الارتفاع بشكل وثيق بالسوق العالمية.
وكميات كبيرة من الحبوب يتم استيرادها من الأسواق الخارجية عبر المرافئ الإسرائيلية، وهو ما يرفع قيمة فاتورة نقلها إلى الضفة الغربية، كما ينطبق الأمر على سلع أساسية أخرى كالطحين.
ويتطلع الرعاة إلى المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بتطوير قطاع الثروة الحيوانية التدخل عبر رفدهم بكميات مجانية من الحبوب تساعدهم على تعدي هذه المرحلة.