قسم الدم والأورام في مستشفيات غزة : انتظار للموت البطيء
تسارعت في الآونة الأخيرة إحصائيات ضحايا الحصار المفروض على قطاع غزة من المرضى، حتى بات كل مريض حرمه الحصار من العلاج مؤمنا قانعا بأنه قد يكون شهيد الحصار التالي.
(وإذا مرضت فهو يشفين)، آية قرآنية ملؤها التفاؤل تستقبل كل من يدخل قسم الأورام والدم في مستشفى الشفاء في غزة، بين هذه الجدران الخضراء الكئيبة ينتظر مرضى السرطان الموت بصمت، يعانون بصمت ويصرخون بصمت، ثم يرحلون بصمت.
يخبرني المسئول في الاستقبال أن المرضى ينتظرون الموت البطيء في ظل الحصار، فبعضهم ممنوعون تحت ذرائع أمنية بأمر من السلطات الإسرائيلية من التحويل للعلاج بالخارج، بينما بعضهم حصل على الموافقة ولا يجد معابر مفتوحة ليخرج منها ، والهم الأكبر الذي يتقاسمه مرضى السرطان هو نقص الأدوية الكيماوية و قد باتوا يعيشون- كما مرضى الكلى- على المسكنات وحسب!!
فاطمة رضوان محمد سلمان، جاوزت السبعين من العمر، أدخلت المستشفى قبل أربع سنوات لوجود بقع حمراء في رجلها متزامنة مع ارتفاع حرارتها، واكتشف الاطباء بعد تشخيصها أن الصفائح الدموية لديها عالية وأنها تعاني من سرطان في الدم، فأخذوا ينقلون لها وحدة دم كل شهر، وظلت حالتها تسوء حتى تقرر نقل وحدة دم كل أسبوع.
تخبرني زوجة ابنها أن الحاجة فاطمة لا تعلم بمرضها، وأنها تعاني بشدة من فقد الشهية للطعام و الجفاف المستمر، وأن الحصار حرمها من دوائها.
في السرير المجاور لها ترقد نادية يوسف العمري، 28 عاما، أم لخمسة أطفال أكبرهم يبلغ الحادية عشر من عمره وأصغرهم يبلغ العامين، تعلو الصفرة وجهها المتضائل بفعل المرض وقد بدت آثار العلاج الكيماوي واضحة عليها،يجلس بجوارها أخوها ووالدتها التي تركت حوادث الزمن علامات غائرة على جبهتها الصامدة كما كل أمهات فلسطين الصابرات.
عن حالة نادية يحدثني شقيقها بأنها عانت من انسداد في الأمعاء وأجرت عمليات في المعدة وفتحوا لها الاثنى عشر وأزالوا المرارة وفحصوا عينة من المعدة فشكّوا في وجود سرطان بالمعدة، وأعطوها العلاج الكيماوي وأعلن الأطباء في غزة عجزهم عن علاجها في القطاع، وطلبوا سرعة تحويلها لإسرائيل، وحتى هذه اللحظة ما يزال أهلها في انتظار استخراج تنسيق إسرائيلي لها وفي انتظار فك الحصار لتسافر للعلاج.
تخبرني والدتها وقد تدافع الدمع في عينيها أن نادية لا تأكل ولا تشرب وظلت تعيش على المحلول، ومنذ ثاني أيام عيد الأضحى لم تدخل قطرة ماء واحدة إلى جوفها، فحتى المحلول ما عاد يصل إلى أمعائها فاضطر الأطباء إلى إعطائها الدواء عبر الوريد.
كالدمية الجميلة الجامدة لم تحدثنا نادية بأي كلمة، فليست قادرة على الحديث أو التجاوب مع أحد من حولها لشدة ضعف جسمها، شعرت بأسى شديد على حالها، فها هي زهرة شبابها تذبل ببطء شديد في ظل الحصار الذي حرمها العلاج والحياة الطبيعية مع زوجها وأطفالها الذين ما عادت تراهم كثيرا كي لا يروها في هذه الحالة الصعبة.
تمنيت لها الشفاء العاجل وسرعة السفر للعلاج وخرجت من الغرفة برفقة والدتها الحاجة أم محمد وصورتها لا تفارقني، و في الممر خارج الغرفة وبعيدا عن مرأى ابنتها أجهشت في بكاء تقطع له قلبي وهي تخبرني أن الأطباء أخبروهم أن لا أمل لها بالشفاء وأن ابنتها لا تعلم عن مرضها بالسرطان.
قاومت دموعي بعناد وحاولت تصبيرها فكل شيء مكتوب لنا عند الله ، وقالت لي : توكلنا على الله فلا كبير عليه.
فارقتُ هذه العائلة ولم تفارقهم أحزانهم بسبب الحصار، تمنيت لو كانت نادية طائرا بجناحين كبيرين يطيران بها فوق كل الحدود المغلقة في وجه الفلسطينيين إلى حيث يجد العلاج والرحمة.
في الغرفة المجاورة يرقد الطفل نور الدين محمود ماضي،14 عاما، وقد فارق محياه نور الصحة والعافية، التقيت والده في قسم الاستقبال وقد بدا منهكا للغاية وقد دفن رأسه بين يديه سارحا فيما ينتظر ابنه. أخبرني عن كيفية اكتشاف المرض حين أُصيب بكسر في فخذه الأيمن وانتفخ مكان الإصابة جدا وتم تحويله للعلاج في مستشفى المقاصد في القدس حيث أخذوا عينة ولم يتوصلوا لنتيجة، وتم تحويله لمستشفى هداسا الإسرائيلي حيث اكتشفوا أن سرطان العظام مستشرٍ بشكل كبير في عظامه، سألته إن علم نور الدين بمرضه فنفى علمه بأي شيء، كل ما يعرفه الطفل عن سبب وجوده في المستشفى منذ أكثر من خمسة شهور هو كسر ساقه والتهاب في العظام!
سألته عن دراسة نور الدين فأخبرني أنه انقطع تماما عن المدرسة منذ مرضه حيث يعيش الآن على المسكنات ويحتاج كل يومين أو ثلاثة لوحدة دم وحالته تسوء يوما بعد يوم في ظل الحصار و تأخر سفره للعلاج وانقطاع دوائه من القطاع.
اليوم يتساءل نور الدين كل صباح: متى سيذهب للمدرسة وقد ترك مقعده فارغا منذ بداية العام الدراسي؟
وأتساءل أنا : هل سيعود نور الدين حقا لمقعده؟ أم أن الحصار الإسرائيلي لن يرحم طفولته وبراءته ويسمح له بالسفر للعلاج؟
وهل تعود نادية إلى بيتها لتوقظ أطفالها وتلبسهم زي المدرسة وتذاكر لهم دروسهم من جديد؟ وهل ستعيش الحاجة فاطمة حتى ترى أحفادها و تفرح بهم و يفرحوا بها ؟
لعل الزمن كفيل بإيجاد أجوبة لكل تساؤلاتي هذه ..
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73005