شهادات سكان شرق جباليا تصف المحرقة

من هنا مرت الدبابات وهناك تمركزت قوات الاحتلال وبدأت بقنص المواطنين … فمع أن الساعة لازالت مبكرة إلا أن المواطنين توافدوا على المكان الذي اجتاحته قوات الاحتلال شرق بلدة جباليا .
الجميع يشير بأصابعه على الدمار الذي خلفته القوات الغازية ، فشارع عزبة عبد ربه الرئيس بدت عليه آثار التجريف واضحة ، ولم تعد الطريق صالحة لمسير السيارات بل وجد السائرون صعوبة في تخطي أكوام الرمال التي وضعتها قوات الاحتلال .
أعمدة الكهرباء تساقطت على الأرض ، وأسلاك تقطعت ، وشبكة المياه لم تعد موجودة ، فيما تحولت الأراضي الزراعية إلى ما يشبه الصحراء بعد أن دُفنت الأشجار تحت التراب .
مشهد لعله يبدو غريبا فالحمار الميت الذي ألقي وسط الأراضي المجرفة بقي شاهداً على بشاعة الاحتلال وجرائمه التي طالت الحيوانات ولم تستثن الحجر والشجر.
على جبل الكاشف الذي كان محور تمركز قوات الاحتلال ، كانت حشود المواطنين قد صعدت عليه لتفقد المكان لاسيما وأنه يكشف المنطقة الشمالية بأكملها .
بدأ الأطفال بالبحث عن مخلفات الاحتلال، فمنهم من وجد أمشاطا من الرصاص، وآخر بحث عن بقايا قذائف وصواريخ، فيما اعتلى غالبيتهم ناقلة الجند التي تمكنت المقاومة من إصابتها بقذائفهم، وتركت في مكانها.
المنازل المدمرة التي تمركزت داخلها قوات الاحتلال ، لم تكن بحاجة لسؤال أصحابها عما حل بهم ، فأحد المنازل اخترقته قذيفة ، وآخر فجرت قوات الاحتلال بوابته ، ويجاوره منزل فتحت القناصة في جدرانه ثغرة بعد أن تمركزت بداخله .
أصحاب المنازل بدؤوا بسرد التفاصيل المذهلة التي جرت أثناء حصارهم فالمواطنة هدى صباح أم لطفل واحد ، بيتها ملاصق لبيت الشهيد محمد أبو شباك وشقيقته جاكلين الذين قضيا برصاص الاحتلال في اليوم الأول من الاجتياح ، قبل أن تتقدم باليوم الثاني باتجاه منزلهما وما يجاورها .
وتصف صباح ما حل بهم فتقول ” قاموا بسجننا مع جار لنا في غرفة ووقف حارسان على رأسنا ، فيما امتلأت قاعة المنزل بقرابة خمسين جندياً افترشوا الأرض وناموا ، ومنعونا من التنقل بين الحمام والغرف والمطبخ، فلم نستطع إطعام الأطفال أو الذهاب للحمام خوفاً منهم كما كانوا خائفين منا فقد منعني احد الجنود قائلاً لي ” أخاف أن تقتليني بشيء ما”.
وتابعت ” قاموا بنزع البلاط وإقامة سواتر ترابية على باب الشقة بالطابق العلوي ، وكسروا الشبابيك ، وحطموا أثاث البيت .
أم أحمد التي اعتلت قوات الاحتلال منزلها ذكرت أن قوات الاحتلال وضعت العائلة بأكملها داخل غرفة واحدة فوق الزجاج المهشم ، وصعدوا إلى الشقق العلوية ودمروها وسرقوا كل الذهب الذي كان في غرف النوم”.
وتضيف:” شعرنا بين كل دقيقة وأخرى أننا سنموت لقد أصابوا اثنين من أشقاء زوجي وتركوهما ينزفان ولم نستطع نقلهما إلى المستشفى إلا بعد انسحابهم”.
عدد من المواطنين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال أثناء توغلها في المنطقة عادوا إلى منازلهم بعد أن تم التحقيق معهم ، فيما بقي عدد آخر محتجز لديهم .
خالد عبد ربه كان أحد الذين أطلق سراحهم على بوابة إيرز بعد انسحاب قوات الاحتلال ، حيث كانت آثار القيود على يديه ، بعد أن تعرض للضرب وركلات الجنود .
بيوت العزاء امتدت على طول الطريق في عزبة عبد ربه، وذلك بعد سقوط أكثر من ثمانين شهيدا في أقل من ثلاثة أيام.
في مشهد آخر بدأ عدد من المواطنين العودة إلى منازلهم التي اضطروا لتركها بعد أن اقتربت منها قوات الاحتلال وخشوا على حياتهم ، فيما توافد العشرات للاطمئنان على أقاربهم المكلومين ، والذين دمرت منازلهم وفقدوا كل شيء ، ولم يبق لهم إلا الذكريات الأليمة التي عاشوا بالقرب من قوات الاحتلال .
أثناء تفقد المكان انتشر خبر بين المواطنين أنه تم العثور على إحدى الدبابات التي دفنتها قوات الاحتلال تحت الرمال للتغطية على الخسائر التي منيت بها بعد أن أصابتها قذائف المقاومة ، فيما بدأت الجرافات التي تعبد الطرقات بالبحث عنها .
أما طواقم الإنقاذ التابعة للدفاع المدني التي قامت بجولة تفقدية نجحت بالعثور على جثة أحد الشهداء الذي داسته آليات الاحتلال ومرت على جسده ، وبقي ملقى على الأرض لثلاثة أيام متواصلة ، وذلك في الوقت الذي فقدته عائلته دون أن تعرف مصيره .
وفي عزبة عبد ربه تحولت كل المزارع إلى دمار حقا أنها المحرقة بعينها فلا أشجار ولا ثمار فقد اقتلعوا المئات منها التي وصفها أصحابها بأن عمرها أكبر من أعمارهم فبعضها يزيد عن نصف قرن.
وحتى طواقم الصحفيين لم تسلم من الاستهداف فقد تعرض العديد منهم للاستهداف على أيدي قوات الاحتلال المتوغلة في المنطقة كما أصيبت إحدى سياراتهم .
ويبقى الصمت على الجريمة ضد أبناء شرق جباليا هو أكثر ما يؤلمهم بعد أن حفر المحتل المعاناة والألم في قلوبهم ليبقوا شاهدين على بشاعة المحتل وجبروته .