جوناثان بنذال هو باحثُ فخريُ في قسمِ الأنتروبولوجيا (عِلْم الأجناس البشريةِ)، في جامعة كوليج لندن (University College London))، وهو مؤلف مشارك، مَع جيروم بيليون-جوردان (Jérôme Bellion-Jourdan)، لـ”مُحسنو الهلال: سياسة المساعدةِ في العالم الإسلامي” (I.B. Tauris، 2003، على وشك أن ينشر مرة ثانية في طبعة ذات غلاف ورقي مَع مقدّمة جديدة في أواخر 2008). وتَتضمّنُ منشوراتُه الأخرى “الكوارثُ، الإغاثة وأجهزة الإعلام” (I.B.Tauris, 1993). وقد شغل منصب مديرَ معهد الأنتروبولوجيا الملكي، وهو مؤسس ومحرر “الأنتروبولوجيا اليوم”، وكذلك رئيس المنظمة غير الحكومية مركز التدريب والبحوث (INTRAC) المتمركزة في أكسفورد. ومنذ سنة 2005 عَملَ مُستشارا لوزارة الشؤون الخارجية الفدرالية السويسرية (القسم سياسي IV) في مبادراتها المتعلقة بالمنظمات الخيريةِ الإسلاميةِ.
إن طبيعة المنظمات الخيريةِ الإسلاميةِ الفلسطينيّةِ، المعروفة بلجانِ الزكاة، أثبتت أنها مسألة مختلف عليها كثيراً، خصوصاً في إسرائيل، وفي الولايات المتحدة وبَعْض البلدان الأوروبية. نحن سنخالف الموقف الرسمي الحالي للحكومة الأمريكية التي تقول بأنها مؤسسات تابعة لمنظمة متآمرة وإرهابية من خلال مقاربة بديلة تضع سماتها الدينية والإنسانية في سياقها بدلا من اختزالها في إطار تحليل سياسي محض ومضاد للإرهاب.
إن هذا الاحتدام في النزاعِ السياسيِ الفلسطيني – الاسرائيلي يُمْكِنُ أَنْ يجعل هذه المنظمات تحصل على سمعة سيئة، رغم أنه من الواضح أنها تقوم بأعمال إنسانية غير مؤذية – مثل هدية خلاياِ النحل لدعم عائلة معدمة، أو إدارة عيادة لمعالجة حصاة المرارة.
هذا المقال سيقيم الدليل، رغم أنه من الصعب أن يمكن الوُصُول إلى حقيقةِ كاملةِ في مثل هذه الزئبقية وفي مثل هذه البيئة المعقدة، على أن ميزان الحجج هو ضد نظرية المؤامرة. سَيعتمد المقال على الملاحظاتِ الشخصيةِ، وعلى المعلومات التي جمعها المكلفون بها وعلى الأبحاث المنشورة، وذلك لتبيان الحجة لصالح تأويلات حميدة أكثر، بدون السقوط في خطأ إنكار أن العمل الخيري في أي سياق اجتماعي يمكنه، تحليليا، أن يكون منفصلا عن السياسة. إن المقال سيقترح أن لجان الزكاة، من بين أشياء أخرى، كمثال منظمات شعبية مرتكزة على طائفة معتمدة على الإيمان المحلي، حيث تكون نقطة التقاء للإسلاميين الملهمين سياسيا والطبقة المتوسطة المؤمنة. لقد كانوا قد بدؤوا بطرق باب نظام المساعدة الدولي بنجاح. وكانوا سَيُواصلُون التَطور في هذا الاتجاه إذا ما تم تشجيعهم على هذا المسار، إن لم يصبحوا ضحايا لحملة، منذ نهاية سنة 2007، لإعادة تنظيمهم تحت السيطرةِ المركزيةِ.
إن الزكاة أَو التصدق هي أحد أركان الإسلام الخمسةِ، وهي مرتبطة بالصلاة ارتباطا وثيقا حيث أنها بدون الزكاة تُعتبر بلا جدوى. إنها فرض ديني على المسلمين ليعطوا صدقة واحد على أربعين من قيمة الأصول التي يحوزونها بالإضافة إلى أملاكهم مثل بيوتِهم وأدواتِ عملهم. نجد ثمانية فئات مؤهّلةِ للاستفادة مذكورة في القرآنِ، وتبدأ بالفقراء. مع أن مبدأ الزكاة يتحصن بعمق في القانونِ الإسلاميِ، تعليما وممارسة تاريخية، إلا أنه لا يوجد بلد تُطبق فيه كما يجب أن يحدث في مجتمع إسلامي مثالي: بمعنى آخر، إعادة توزيع الثروةِ الفائضةِ آلياً إلى أولئك المعوزين، وهذا يطهر رأس المال الخاص من سماته غير المرغوبة. في بَعْض البلدانِ الإسلامية،ِ مثل باكستان، تم استيعاب الزكاة من خلال نظام الضرائب الوطني، وفي بلدان أخرى، مثل عُمان، تُعتبر شأنا خاصا كلية. إن وكالات إغاثة إسلامية جديدة تعمل على النمط الغربي، مثل وكالة الإغاثةِ الإسلاميةِ العالمية، كيفت تعليم الزكاة كفرصة لجمعِ التبرعات بشكل محترف على مِقياسِ رائعِ، حيث اعتمدت على القراءاتِ الحديثةِ مِنْ التعاليم القرآنية التي تجعل أموالَ الزكاة تُنفق على من هم أكثر حاجة بغض النظر عن كونهم مسلمين (Benthall and Bellion-Jourdan 2003: 7-28). لقد برزت في الأراضي الفلسطينيّةِ وضعية معقدة، وهي وضعية تعكس التوترات التي سطعت بشكل عالمي في قاعات المحاكم، في الجامعات وفي مواقع الإنترنت الانفعالية.
إنّ الحقائقَ الأساسيةَ واضحة بما فيه الكفاية . إن اتساع الحرمانِ والحاجةِ في الأراضي الفلسطينية أَصْبَحتْ مسألة أكثرَ جديّة خلال السَنَوات الثلاثين الماضية، وذلك نتيجة لفشلِ المبادراتِ المتعاقبة لمُحَاوَلَة حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. نجد في عِدّة مدن رئيسية في الضفة الغربية، حوالي 90 لجنة زكاة، بالإضافة إلى جمعيات خيريةِ إسلاميةِ عديدةِ تقوم بتوسيع نشاطاتَها بشكل تدريجي في توفير الخدماتِ إلى السكان المحليين: المستشفيات والعيادات، توزيع الغذاءِ، مشاريع تَوليد الدخلِ، الرعاية المالية لليتامى، المَدارِس، المنح الدراسية للطلابِ، المخيمات الصيفية، وما شابه. وعلى سبيل المثال، إن أكبر منظمة في الضفة الغربية في مدينة الخليل ، كَانَ إنفاقِها السنويِ في سنة 2006 حوالي 7 مليون دولار؛ والبعض الاخر الحجم المتوسط للواحدة أقل مِنْ مليون دولار؛ وهناك العديد من المنظمات الأصغر بكثير -أقل بكثير مِنْ الدعمِ الذي تمنحه الأمم المتحدة والوكالات الدولية الأخرى لتخفيف الفقر والعوز في الأراضي الفلسطينية. ولكنها ما تزال المساهمة الكبيرة.
سَنَحْصرُ هنا مُناقشتنا على الضفة الغربية. إن الوضع القانوني للجانِ الزكاة في غزة مماثل لوضعية كافة الأراضي الفلسطينية وذلك بالرغم أن غزة أُديرتْ مِن قِبل مصر بين 1948 و1967. وطُبّقَ القانون الأردني في هذا المجال منذ سنة 1967 (كما وُضّحَ لاحقا). تقريباً كُلّ أدلتنا هي أدلة سابقة تاريخيا على سيطرة حماس على غزة في يونيو/حزيران 2007، والتي أدّت إلى تشنّج سياسي جديد في كل من غزة والضفة الغربية، وهي أحداث سريعة خارجة عن مجال بحثنا. بشكل خاص، إن السّلطة الوطنية الفلسطينيّة التي تهيمن عليها حركة فتح، ومقرّها في رام الله، قرّرتْ في ديسمبر/كانون الأولِ 2007 إعادة تنظيم لجان الزكاة في الضفة الغربية بشكل جذري تحت سيطرة مركزية. لقد استعملنا في بحثنا الزمن الحاضر، لكن في أكثر الحالات سيكون الزمن الماضي أكثر دقة.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73507
