‘لو أننا نصبح على نهار تكون الخليل فيه محررة وما فيها جيش إسرائيلي ومستوطنين..!’.
قالت ذلك إحدى النساء اللواتي كنّ يتسوقنّ في حي القصبة، في البلدة القديمة، في الوقت الذي انطلقت فيه الحملة الوطنية لرفع الإغلاق عن البلدة القديمة.
وتتأمل المرأة أن تحقق الحملة أهدافها بتفكيك الحصار عن المدينة، والخلاص من ‘السجن الكبير الذي يبتلعهم بالإكراه’.
وأضافت، قبل أن يتطاير كلامها الخجول في فضاء السوق لدى رؤيتها زمرة من المستوطنين يعربدون على مقربة من المكان: سنواجه عملية تهجيرنا من منازلنا وممتلكاتنا بكل ما أوتينا من قوة، ومهما كلفنا الأمر، حتى لو دفعنا أرواحنا ثمنا لذلك.
وقال التلميذ اشرف تيسير ابو عيشة، الذي تثقل الحقيبة كاهله، إن عربدات المستوطنين اليومية عليه وعلى أقرانه في طريقهم من تل الرميدة إلى مدرستهم وسط المدينة، لن تثنيهم عن تلقي دروسهم.
وأشار إلى أن شقيقه شريف، وعمه إبراهيم وهما دون سن الثالثة عشرة أصيبا مرات عديدة في هجمات مستوطني مستوطنة ‘رمات يشاي’ المجاورة على بعد أمتار قليلة من منزلهم، وأن جنود الاحتلال المتمركزين على الحاجز الالكتروني في الطريق إلى منازلهم يخضعونهم لعمليات تفتيش يومية، ويعبثون في حقائبهم، ويمنعوهم أحيانا من الوصول إلى مدارسهم لذرائع أمنية.
وفي كم الحكايات عن البلدة القديمة وهي ‘الجزء الغالي’ من الخليل، بالنسبة لأهالي المدينة، ثمة مفارقات وقصص موجعة تحتفظ بها خزانة الذاكرة الجماعية عن الصراع مع الاحتلال.
ومن تلك القصص: مجزرة الحرم الإبراهيمي، وعن المدارس التي تحولت إلى معسكرات، وعن البيوت العتيقة التي هدمت، والمتاجر التي أغلقت، إضافة إلى وقائع أخرى تكشف عن فداحة المحنة التي منيت بها المدينة منذ احتلالها عام 1967، وما بعد ذلك مع أول وجود استيطاني فيها عام 1972 عندما تم تشييد مستوطنة ‘كريات أربع’ على أراض منهوبة شرق المدينة، وتشييد ‘بيت هداسا’ النقطة الاستيطانية الأولى في شارع الشهداء وسط المدينة في العام 1979.
وفي عام 1982 استولى المستوطنون على مدرسة أسامه بن المنقذ والواقعة على مدخل البلدة القديمة في ميدان البلدية القديمة، حيث تم تحويلها فيما بعد إلى مدرسة تلمودية للمتدينين اليهود وغلاة المستوطنين، أطلق عليها ‘بيت رومانو’.
وفي عام 1983، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية أثنى عشر مبنى في البلدة القديمة خلف سوق الخضار المركزية، وأقامت تجمعاً استيطانياً يهودياً أسمته ‘ أبراهام أفينو’، الذي أحكم السيطرة تدريجياً على سوق الخضار الوحيدة في المدينة بعد طرد أصحابها وتشريدهم في الشوارع.
ويقول خبير الخراط والاستيطان عبد الهادي حنتش، إن وتيرة بناء المستوطنات تصاعدت بشكل مضطرد في الخليل، حيث بدأت حكومة الاحتلال الإسرائيلية عام 1983 بإقامة مستوطنة ‘جفعات خارصينا’ إلى الشمال من مستوطنة ‘كريات أربع’.
وأضاف أنه في عام 1984 بدأت ذات الحكومة بإقامة مستوطنة ‘بيت حاجاي’ على الطرف الجنوبي من المدينة، وفي العام ذاته وضع المستوطنون مجموعة من البيوت المتنقلة (كرافانات) في منطقة جبل الرحمة – تل الرميدة فوق الموقع الأثري، وأقاموا البؤرة الاستيطانية المسمى ‘رمات يشاي’.
وتابع: فيما أقدمت قوات الاحتلال من جانبها بالاستيلاء على محطة الحافلات الوحيدة الواقعة في شارع الشهداء وحولتها إلى ثكنة عسكرية لغرض توفير الحماية للمستوطنين ومساعدتهم في عمليات التوسع الاستيطانية داخل الخليل.
وفي قصة أهالي البلدة القديمة بالخليل والاستيطان فيها، دماء ودموع ومهانات تفرض نفسها على حياة المواطنين حين تذكر الهجمات المنظمة التي تشنها مجموعات مسلحة من المستوطنين على البيوت، وسرد سلسلة الأوامر العسكرية القاضية بإغلاق عشرات المتاجر، وباستمرار إغلاق شارع الشهداء، وبمنع أعمال الترميم للعديد من المنازل العتيقة، واحتلال المباني بقوة السلاح، وبمحاصرة الأسواق والأحواش القديمة، وفي تفاصيل كثيرة ويومية تطال كل ما يتعلق باستمرار تواجد أهالي المدينة في ‘منطقة محرمة’.
‘..أن أكثر من 101 حاجزا وبوابة الكترونية ونقطة تفتيش عسكرية تمنع استمرار الحياة الطبيعية في المدينة القديمة بالخليل، وتمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي لها، من اجل حماية أربعمائة مستوطن يعيشون فيها’. هذا ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
وتستمر معاناة 180 ألف مواطن من سكان مدينة الخليل، جراء استمرار الإغلاق الإسرائيلي لقلب المدينة لما يزيد عن ثماني سنوات، فيما ينفلت المستوطنين من عقالهم في عمليات القتل وممارسة الإرهاب، وارتكاب المجازر.
‘إن الاعتداءات على ممتلكاتنا والاستيلاء عليها، وتواصل التوسعات الاستيطانية المتصلة بإجراءات الإغلاق والحصار، يجر الوضع في الخليل شيئا فشيئا، إلى وضع أسوأ من المذبحة..’.
هكذا يقول مواطنون يبنون لفناءات منازلهم سقوفا من سياج لدرء حجارة المستوطنين، في إشارة إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين في شباط من العام 1994، وراح ضحيتها 29 مصليا.
وأضافوا: أن المذبحة التي مثلت علامة فارقة في حياة المدينة، لا تزال ‘طازجة’ في الوجدان، وهي دائمة الحضور وتشكل جرحا مفتوحا على الدوام.
وفي آخر اعتداء سجله المستوطنون، يوم الجمعة الماضي، أصيب ثلاثة مصورين صحفيين في هجوم نفذه مستوطنون مقنعون من مستوطنة ‘خارصينا’ بينما كانوا يقومون بالتقاط صور لمنزل المواطن خليفة دعنا، الذي كان قد تعرض لهجوم عنيف من ‘زعران’ المستوطنة المذكورة وأنصارهم من حركات يهودية عنصرية.
وقال الصحفي في وكالة الإنباء الفرنسية حازم بدر (41 عاما) الذي أصيب بجرح عميق في الرأس ‘ثماني قطب’: إن الاعتداء عليً وعلى زملائي يسري الجمل وإياد حمد، لم يكن الأول، وإنما سبقه عشرات الاعتداءات، من بينها الاعتداء الذي تعرض له زميلي عبد الحفيظ الهشلمون قبل ثمانية أيام على أيدي مستوطني ‘رمات يشاي’، بينما كان يقوم بتغطية فعاليات تضامنية مع مزارعي حي تل الرميدة لتمكينهم من قطف ثمار زيتونهم.
وقال الرئيس السابق لبعثة التواجد الدولي المؤقت في الخليل آرني هوسا، في بيان صحفي: لقد طالبت بعثة التواجد الدولي المؤقت في الخليل السلطات الإسرائيلية ولعدة مرات، بضرورة توفير وسائل وإجراءات حماية فعالة تساعد في فرض الأمن والنظام في المناطق الخاضعة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية (H2) في مدينة الخليل، وخصوصاً في منطقة تل الرميدة وبيت هداسا، بالرغم من التواجد المكثف والدائم لقوات الجيش الإسرائيلي بالقرب وحول المستوطنات الإسرائيلية في المدينة فإن تقاريرنا تظهر بأن عدد المرات التي حاولت فيها قوات الجيش الإسرائيلي بالتدخل بشكل جدي هي قليلة جداً.
ويؤكد عماد حمدان المسؤول في لجنة إعمار الخليل، أن ‘بروتوكول الخليل’ عام 1994، بين الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الدولي، القاضي بنشر قوات مراقبين دوليين هناك، لم يسهم بالحد من تطرف المستوطنين واستمرارهم في نهج الإرهاب والتسلط ضد مواطني المدينة، على مرأى جيش وشرطة الاحتلال، مشيرا إلى أن الأعمال الاستيطانية أوصلت الوضع في البلدة القديمة إلى حالة صعبة، أصبح فيه الجيش والمستوطنون يمارسون سياسة تقاسم الأدوار لتسهيل السيطرة على العقارات العربية وطرد المواطنين منها.
وأصدر مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان ‘بتسيلم’، مؤخراً، بيانا حول وضع الاستيطان في مدينة الخليل، جاء فيه: إن اعتداءات المستوطنين في الخليل على الفلسطينيين تقع على مرأى من الجنود الذين لا يملكون الأوامر بوقفها، وفي بعض الأحيان يتم توجيههم إلى الامتناع عن الدفاع عن الضحايا، كما تمتنع الشرطة الإسرائيلية عن توفير الرد المناسب على عنف المستوطنين الأمر الذي دفع بنحو ألف عائلة للهجرة من منازلهم في البلدة القديمة من الخليل.
لهذا الغرض، تداعت فعاليات ومؤسسات الخليل الوطنية، وبإشراف ديوان الرئاسة والحكومة، لتنظيم حملة شعبية للتعبير عن رفض الإغلاق وضد عمليات التهويد للبلدة القديمة، وما تتعرض له من حصار، أطلق عليها ‘الحملة الوطنية لرفع الإغلاقات عن قلب الخليل’.
القائمون على الحملة، يؤكدون بأنهم لا يملكون ‘الحلول السحرية’ لإعادة الوضع لقلب الخليل لما كانت عليه قبل 28/9/2000، ذلك أن التحدي في الخليل لا زال قائما وبحاجة لتضافر كافة الجهود لإعادة الحياة إليها، من خلال هذه الفعاليات السلمية، ورسالة للعالم الحر ومحبي السلام والداعين لحقوق الإنسان، للعمل من اجل مساندة البلدة القديمة في مدينة الخليل وسكانها وإعادة الحياة إليها، والضغط على حكومة الاحتلال لإخراج المستوطنين، ورفع الإغلاقات المنافية لكل الأعراف والمواثيق الدولية.
يقول خالد القواسمي رئيس اللجنة المشرفة على الحملة، ‘أن الحملة التي بدأت، أمس، وتستمر على مدى أسبوع كامل، تشمل القيام بمجموعه فعاليات جماهيرية تظهر رفض استمرار إغلاق قلب الخليل بأوسع مشاركة جماهيرية ممكنة.
وذكر من بين تلك الفعاليات: تنظيم زيارات تضامنية رسمية وشعبية من كافة أنحاء العالم إلى مدينة الخليل للتعبير عن رفض الإغلاق، ورفع رايات على أسطح المباني في كافة أنحاء المدينة للتعبير عن ذلك، وإرسال رسائل من جميع أنحاء العالم لأطراف الرباعية الدولية ومجلس حقوق الإنسان والجهات الإسرائيلية المعنية، والتوقيع على عريضة تطالب برفع هذا الإغلاق، إلى جانب تنظيم مجموعة من الفعاليات الثقافية والسياسية الأخرى.
عن وفا
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73563
