الحرب أنطقتها … طفلة تتلفظ كلماتها الأولى معبرة عن حال غزة

لم أكن أعلم أن الحرب على غزة جعلت من الأطفال الصغار الذين لم يتجاوزوا العامين والنصف من عمرهم المغموس بالمأساة ستعلمهم بداية الحديث بشكل تلقائي على وقع أصوات الانفجارات وهدير الآليات .
قبل بدء الحرب الشرسة على غزة بأيام قلائل تركت ابنة أخي وهي في بداية حديثها ولم تعرف لفظ سوى كلمات محدودة ” بابا ، ماما ” ، وبعد أسبوع من أصوات الانفجارات التي لم تفارق قطاع غزة عدت لها وتمكنت بصعوبة بالغة من فك كلماتها المتقطعة التي تجسد معاناة الصغار في ظل الحرب المستمرة التي غرست أنيابها في أجساد الغزيين .
حضنت الطفلة شهد التي لم يتجاوز عمرها العامين والنصف بعد بين يدي وسرنا في شوارع مخيم جباليا المدمرة في طريقنا إلى المنزل وبدأت تسرد ما عاشته خلال الأيام الماضية ، حيث كانت أول كلماتها ” حمارة الطيارة ” في إشارة منها إلى الأصوات المرعبة التي تسيطر على المكان في كل غارة جوية تشنها طائرات الاحتلال على منازل المواطنين .
وما أن ظهرت الطائرة في الأجواء فوق رؤوسنا حتى اتجهت أعين الطفلة التي تمسك بيديها بالون إلى السماء مباشرة وقالت بكلمات متقطعة بالكاد فهمتها ” يلا نشرد ” حينها تبادر إلى ذهني إخلائها بصحبة والدتها منزلهما أكثر من مرة عندما أقدمت قوات الاحتلال على قصف منزل الدكتور نزار ريان ومسجد الخلفاء الراشدين .
وتظهر كلمات الطفلة شهد حجم المأساة التي يعيشها أطفال غزة الذين حرموا من طفولتهم التي يعيشها بقية أطفال العالم ، فتحولت كلماتهم الأولى التي يتلفظون بها إلى تجسيد للأوضاع الصعبة والآخذة في التدهور المتسارع في كل يوم عن سابقه .
خلال محاولتي الحديث مع الطفلة كانت متمسكة بي وترفض مفارقتي بعدما أكدت والدتها أن الخوف لم يفارقها لحظة منذ بدء العدوان على غزة ، ولم تعد تنام بهدوء كما كانت في السابق حيث تفزع من نومها في كل مرة تعلو بها أصوات الغارات.
يجدر بالإشارة إلى أن عدد كبير من الشهداء الذين سقطوا في الحرب على غزة التي بدأت في السابع والعشرين من الشهر الماضي من الأطفال حيث تجاوزت نسبتهم من بين الشهداء الخمسة عشرة بالمائة .
وقد استهدفت طائرات الاحتلال عائلات بأكملها راح ضحيتها النساء والأطفال والشيوخ .
وتقول الطفلة ” الطيارة بتقول بف ” في إشارة منها إلى أصوات الانفجارات التي تسيطر على قطاع غزة بأكمله .
وكانت العديد من المؤسسات المحلية والدولية التي تعنى بشئون الطفل قد كشفت عن المعاناة التي يعيشها أطفال غزة خلافا عن بقية أطفال العالم ، حيث حرموا من أدنى حقوقهم التي كفلتها لهم القوانين .
وفي المنزل الذي تطاير سقفه اثر قصف قوات الاحتلال للمسجد المجاور له بصاروخ اف ستة عشر أخذت الطفلة تجري بين غرف المنزل التي يغطيها السماء تتابع حركة الطائرات في الجو وتصرخ بأعلى صوتها ” يهود ” .
هكذا عكست كلمات الطفلة الأولى التي أنطقتها بها الحرب الأوضاع المأساوية التي يعيشها أطفال غزة ، وعانوا من الظلام الدامس وانقطاع الماء والنقص الحاد في المواد الغذائية الأساسية وحليب الأطفال ، فمن لأطفال غزة ؟ .