257 انتهاكا للحريات الإعلامية في الأراضي الفلسطينية عام 2008

كشف المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) أن الإعلام الفلسطيني بكافة أشكاله تعرض خلال العام الماضي 2008 إلى نحو 257 انتهاكا، أدت إلى تراجع كبير في الحريات الإعلامية وحرية التعبير المتاحة, وإلى ممارسة الصحفيين ووسائل الإعلام لرقابة ذاتية مفرطة.
وقال تقرير سنوي صادر عن المركز إن 147 انتهاكا ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون الإسرائيليون, فيما سجلت 110 انتهاكات ارتكبتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومجموعات فلسطينية مسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وحسب التقرير، تأتي هذه الانتهاكات في تعارض صارخ مع الحقوق الإعلامية المكفولة في المادتين 19 من القانون الفلسطيني الأساس والإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وغيرها من المواثيق الدولية وقرارت للأمم المتحدة مثل القرار 1738 الصادر عن مجلس الأمن الدولي سنة 2006.
ونوه التقرير إلى أن إسرائيل تمارس ومنذ بداية احتلالها للاراضي الفلسطينية في الخامس من حزيران 1967 , انتهاكات مستمرة بحق الصحفيين ووسائل الإعلام الفلسطينية, والتي تصاعدت بشكل دراماتيكي خلال الانتفاضة الثانية, حيث قتلت فيها أكثر من عشرة صحفيين.
وتمثلت أخطر الانتهاكات الإسرائيلية خلال العام الماضي في قتل مصور وكالة رويترز فضل شناعة بشكل متعمد بقذيفة دبابة في السادس عشر من نيسان, إلى جانب إصابة الصحفي باسل فرج بجراح خطيرة في السابع والعشرين من كانون الأول (اليوم الأول من الحرب على غزة), مما أدى إلى وفاته في السادس من كانون ثاني 2009, إلى جانب الاعتداء على الصحفي محمد المغير مما أدى إلى إصابته بجروح لازال يعني منها حتى الآن.
وقامت سلطات الاحتلال خلال العام 2008 باحتجاز واعتقال (51) صحفيا أثناء قيامهم بتغطية الأحداث في مناطق مختلفة, وتدمير مقر تلفزيون الأقصى في الثامن والعشرين من كانون الأول, وإغلاق إذاعة المجد في جنين الحادي عشر من اذار, وتلفزيون آفاق في نابلس في العاشر من تموز, واغلاق مكتب إذاعة (رام أف أم) في القدس في السابع من نيسان ومصادرة معداتها ومعدات محطات إذاعية أخرى جرت مداهمتها.
كما منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلي الصحفيين من دخول غزة بعد الفرض الشامل للحصار عليه في السادس من تشرين ثاني (باستثناء عدد محدود جدا)، و كذلك خلال الحرب التي بدأت في 27/12 /2008, علما أن قوات الاحتلال لازالت تمنع معظم الصحفيين الفلسطينيين من التنقل بحرية منذ ما يزيد على أربعة عقود, الأمر الذي يشكل انتهاكا مستمرا للمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وواصل الجيش الاسرائيلي اعتداءاته على الصحفيين اثناء تغطيتهم للمسيرة الأسبوعية السلمية في قرية بلعين منذ اربع سنوات, وفي قرية نعلين وعدد أخر من القرى الفلسطينية خلال العام الماضي.
أما في الجانب الفلسطيني فقد تمثلت اخطر الانتهاكات في محاولة اغتيال رئيس تحرير صحيفة فلسطين مصطفى الصواف في التاسع عشر من حزيران, وإطلاق النار على منزل الصحفي المستقل مصطفى صبري في السادس من كانون أول, وعلى مقر صحيفة الحياة الجديدة في رام الله من قبل مسلحين مجهولين, الأمر الذي يشير إلى استمرار حالة الفلتان الأمني, وان كانت بصورة تقل كثيرا عن السنوات القليلة الماضية.
وفي هذه الأثناء، اعتقلت الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع واحتجزت (60) صحفيا، بعضهم تعرض للاعتقال أكثر من مرة مثل أسيد عمارنة ومصطفى صبري, وتعرض بعضهم للتعذيب، حسب التقرير.
وبرزت في الأراضي الفلسطينية خلال العام الماضي ظاهرة رفع دعاوي قانونية او اعتقال صحفيين بحجة القذف والتشهير والتحريض, مثل حافظ البرغوثي وأكرم هنية وبهاء البخاري وعصام شاور وامتياز المغربي وعلاء الطيطي وأسيد عمارنة, وتم إصدار أحكام قضائية بالسجن بحق هنية والبخاري والبرغوثي, فيما تمت تبرئة الطيطي وعمارنة والمغربي, في حين اجبر شاور على الاعتذار.
وخلال العام الماضي، ذكر التقرير إنه تم حجب موقع دنيا الوطن الاخباري في الثالث من تشرين الثاني بامر من النائب العام في السلطة الوطنية الفلسطينية, في سابقة هي الاولى من نوعها في الأراضي الفلسطينية, حيث أن الانترنت كان الفضاء المفتوح للجميع للتعبير عن أرائهم بحرية.
وتم حظر توزيع صحف الحياة الجديدة والقدس والأيام في قطاع غزة منذ 27 تموز (فيما تم السماح لصحيفة القدس بالتوزيع مجددا في23/8/2008، ولصحيفة الأيام بتاريخ 12/2/2009, بينما بقي الحظر ساريا على صحيفة الحياة الجديدة), كما لا زالت صحيفتي فلسطين والرسالة ممنوعتين من التوزيع في الضفة الغربية, منذ الرابع عشر من حزيران 2007.
ولاحظ التقرير تجاهل الأجهزة الأمنية لقرارات محكمة العدل العليا المتعلقة بالإفراج عن صحفيين معتقلين في بعض الحالات, واللجوء لسياسة “الباب الدوار” أي إطلاق سراحهم لدقائق معدودة ثم إعادة اعتقالهم من جديد.
وأشار التقرير إلى أن التحريض في وسائل الإعلام وعلى وسائل الإعلام المحلية وعلى قناة الجزيرة استمر خلال العام الماضي أيضا, وكذلك منعت بعض المسيرات والتجمعات العامة, ومنع الصحفيين من تغطيتها وتغطية إحداث داخلية أخرى, والاعتداء على بعضهم, من قبل أفراد في الأجهزة الأمنية.
وتحث التقرير عن ظاهرة ايجابية شهدها العام الماضي في مجال الحريات الإعلامية, وكانت اختفاء ظاهرة اختطاف الصحفيين, وهي المرة الاولى التي تخلو فيها الاراضي الفلسطينية من حوادث اختطاف للصحفيين خلال السنوات الاربع الماضية.
وفي تعقيبه على مجمل انتهاكات عام 2008، قال مدير مركز مدى الإعلامي موسى الريماوي إن مجمل تلك الاعتداءات على الصحفيين ووسائل الإعلام أدت إلى المزيد من التراجع في حرية التعبير, مما اثر بشكل سلبي على وضع الإعلام الفلسطيني, وقدرته على المساهمة بشكل جدي في التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية, وتراجع قدرته على تشكيل رأي عام في المجتمع الفلسطيني .
ورأى الريماوي أنه بدون زوال الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية, ووضع حد للخلافات الحادة بين حركتي فتح وحماس, يصعب الحديث عن تراجع انتهاكات الحريات الإعلامية, معبرا في الوقت ذاته عن أمله في أن يؤدي الحوار بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة للوصول الى اتفاق حول الوحدة الوطنية الفلسطينية, الامر الذي سينعكس بشكل ايجابي على حرية الرأي والتعبير في الاراضي الفلسطينية.
وأوصى تقرير (مدى) بتحريم اعتقال الصحفيين من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية, وعدم زجهم في الخلافات الفلسطينية الداخلية. مطالبا المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على الصحفيين ووسائل الإعلام الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، طالب التقرير بالتزام الصحفيين الفلسطينيين بالمعايير المهنية, وعدم اللجوء للتحريض. واقترح تشكيل مجلس أعلى للإعلام, يكون مسؤولا عن أجهزة الإعلام الرسمية, لضمان حياديتها وموضوعيتها.
وشدد المركز على ضرورة احترام قرارات الهيئة القضائية وخاصة قرارات محكمة العدل العليا المتعلقة بالصحفيين من قبل الجهات المسؤولة عن تطبيق القانون. وملاحقة كافة المسؤولين عن الاعتداءات على الصحفيين وتقديمهم للعدالة.
ونادى المركز بتعديل قانون المطبوعات والنشر الصادر سنة 1995, بما ينسجم مع القانون الفلسطيني الأساس, والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير. إلى جانب السماح لكافة وسائل الإعلام للعمل بحرية وأمان في كافة المناطق الفلسطينية. وإجراء انتخابات ديمقراطية ونزيهة ودورية لنقابة الصحفيين الفلسطينيين.