نساء غزة يحولن المخلفات المنزلية إلى تحف

المعرض

في كل أسبوع تقوم أم رامي بطرق بيوت الجيران لأخذ ما عندهم من زجاجٍ مكسورٍ أو أواني بلاستيكية مستهكلة وعلب الكرتون الفارغة وحتى أعواد المثلجات وأوراق الشجر لتصنع منها تحف فنية ولوحات زينة لتعينها على قسوة الحياة الاقتصادية الصعبة.
وهي مشغولة بلصق آخر قطعة زجاج على تحفتها قالت أم رامي: " رأسمالي هي المواد التي لا يستفيد منها الناس ويلقونها في المهملات.. فلماذا لا أعيد تدويرها وأقوم بصنع أشكال جميلة منها؟؟.. فيستفيد منها الناس ويصبح لي دخل أنفق وأطعم به صغاري".
وعيونها ترنو إلى أطفالها من حولها تابعت: "بعد أن ضاق بنا الحال وتوفي زوجي لم أجد ما يسد جوع الأولاد وما تمنحنا إياه الجمعيات الخيرية لا يكفنا ولا يسد رمقنا.. وأنا لم أكمل تعليمي وليس معي شهادة جامعية أو حتى ثانوية.. فالتحقت بدورة للأشغال اليدوية وتدوير النفايات وتعلمت صناعة الحياة من لا شيء ومن مخلفات الجيران والبيوت المجاورة".
وما تقوم بصنعه أم رامي تأخذه المؤسسات والجمعيات الخيرية في قطاع غزة لعرضه في معارض مخصصة لهذه النوعية من المنتجات كمساهمة منها في دعم المجتمع المحلي، وتشجيع لهذه الفئة المعوزة من الناس.
 
من مخلفات إلى تحف
وعن تجربتها في العمل تقول أم رامي : "ببداية تعلمي هذه المهنة كان الجميع من حولي ينتابهم الاستغراب والدهشة لتجميع نفايات المنازل من زجاج وخشب وكرتون.. وفي أحيان كثيرة لا أجد منهم سوى السخرية وعدم الاكتراث.. ولكن بعد مشاهدتهم ما أقوم بصنعه يقفون عاجزين عن التعبير ويصفقون لي بحرارة وتنهال على مسامعي عبارات الثناء والمدح".
والابتسامة لا تفارق محياها، مضت تقول: " لقد ذاع صيتي في المنطقة كلها وأصبحت أعمالي لا تكفي ما يطلبه مني الجيران والأقارب.. وبذلك ازداد دخلي وأستطيع توفير ما يسد رمق أبنائي والإيفاء بمستلزمات البيت ومتطلباته".
وبعيون تشتعل حماسة استدركت: "لا يوجد شيء في البيت اسمه مخلفات بل كل ما هو مستهلك وغير مستعمل في منظور الكثير من الأسر والمنازل عبارة عن مورد هام، وكنز ثمين يجب استغلاله وإعادة استعماله وتدويره لأصنع منه تحفة فنية وأحولها لمصدر دخل لي ولأودي".
وعن أبرز ما تقوم بصنعه أردفت قائلة: "أصنع البيوت الخشبية من أعواد المثلجات وكؤوس البلاستيك.. وعلب الأقلام حصالات الأطفال من الصناديق الفارغة وأقوم بلصق الصور الملونة والكرتونية عليها لتكون جذابة ومغرية لهم.. وأصنع أشكال جميلة مثل السمك وبعض الصور والمجسمات من البقوليات وحبات المعكرونة والصدف وأحياناً أستخدم الرمل والحجارة والحصى".
 
لاشيء = كل شيء

أشغال يدوية

"من لا شيء نصنع كل شيء" شعار حملة معرض لجمعية أنصار البيئة، وقدم تحفاً فنية ورسومات ومجسمات صنعته أنامل فلسطينية استطاعت التغلب على الفقر والبطالة, وزرع الأمل ونثر الورود في دروبهم.
وضم المعرض الفني الذي أُقيم في مقر جمعية الهلال الأحمر في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة أكثر من 100 عمل صُنعت جميعها من المخلفات المنزلية والموارد الغير هامة التي يلقيها الجميع في سلة المهملات.
وتنوعت أشكال التحف الفنية المعروضة به حسب المواد المستخدمة في صنعها، فقد أُعيد استخدام الخشب والزجاج المكسور والأوراق وعلب الكرتون والصدف والنباتات، هذا غير البقوليات وحبات المعكرونة، ليتم خلق أشكال وتحف فنية رائعة تصلح للزينة وتستحوذ إعجاب كل من شاهدها.
وعن فكرة مشروع تدوير وإعادة استخدام النفايات المنزلية، قال مدير ومنسق المشروع وسام أبو جلمبو: " لقد لمعت الشرارة الأولى للفكرة عندما نظمنا دورة عن الإنسان والبيئة، وناقشنا فيها كيفية حماية البيئة وإعادة استخدام النفايات الصلبة في المنازل ورفع ثقافة التدوير في المجتمع".
وتابع قائلاً: " في عام 2008 استطعنا الحصول على منحة من البنك الدولي في رفع نسبة مشاركة المرأة الفلسطينية في سوق العمل وذلك عبر خلق مصدر دخل جديد لها من خلال تدوير وإعادة استخدام النفايات المنزلية".
 
تصفيقات حارة
ولفت أبو جلمبو بأن المشروع مر بعدة مراحل؛ بدأ ببرنامج تدريبي لغرس مفاهيم بيئية، وفي المرحلة الثانية نظمنا ورش فنون التدوير التي استهدفت 45 شابة في منطقة خان يونس، واستمرت أكثر من خمسة شهور، وفي الثالثة أقيم مخيم بيئي لتعزيز ثقافة التدوير.
وأوضح أبو جلمبو: "المشروع قام بالأساس لخدمة الأهالي في قطاع غزة خاصة في ظل تكدس النفايات الصلبة في الشوارع والكثير من الناس يقومون بالتخلص منها بطرق غير صحية..".
واستدرك: "كما أن المشروع يهدف لفتح مصدر دخل لكثير من الأسر المستورة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب.. ويعمل على تفعيل دور المرأة الفلسطينية في المجتمع وإبراز الفئة المهمشة من الفتيات الموهوبات".
ولاقى المعرض التصفيقات الحارة من الزائرين واستحوذ الإعجاب الشديد بكل ما سمع عنه أو رأى بعض من مشغولاته، وبحروف تنطق دهشة قالت أم سامر إحدى رواد المعرض : "عندما سمعت عنه لم أتشجع كثيراً لزيارته ولكن بعد إلحاح من صديقاتي ذهبت برفقتهم وتفاجأت بجمال التحف الفنية المعروضة والمجسمات الموجودة فيه… لم أتوقع ذلك بتاتاً".
وهي تتنقل بين التحف الفنية وتبدي صيحات الانبهار بكل قطعة قالت ريما سلامة: " الأنامل التي صنعت هذه التحف تحتاج منا كل التقدير والشكر فهم خلقوا أشياء جميلة من مخلفاتنا التي نلقي بها في سلة المهملات ولا نهتم بها أبداً.. فالذي لا يعرف حقيقتها لا يصدق أنها عبارة عن زجاج مكسور وأعواد خشبية بالية".
وبريق الحيوية يشع من كلماتها تابعت: "سألتحق بدورة أتعلم صنع هذه التحف وحتى لا أرمي شيء من نفايات المنزل بل أحولها لأشكال جميلة تستحق الاحتفاظ بها في أفضل ركن في البيت".