اين دفتري وقرطاسي
طرقات الباب الحادة ورنات الجرس المتتالية أنذرت "أم وسام" بقدوم أطفالها من المدرسة وسارعت لفتح الباب لتصطدم بوجوهٍ عابسة وزفرات احتجاج وغضب تصحبها دموعٍ تأبي أن تجف.
ووسط موجة من الاحتجاجات العنيفة اعترف لها الصغار بأن كل المكتبات خالية من الأقلام والدفاتر ولن يستطيعوا حل نشاطاتهم المدرسية وكتابة مذكراتهم، وسيحصدون علامات متدنية وسيئة.
بعد تنهيدة حارة قالت الأم: "لا كتب ولا قرطاسية ولا أقلام.. لا ادري كيف سيقضي الطلاب عامهم الدراسي.. وإذا استمر الحال على هذا المنوال ستشل الدراسة من هذه الأزمة الجديدة"، واستدركت بأسى: " ما نلبث أن نستفيق من مصيبة حتى نقع في مشكلة أكثر تعقيداً وخطورة".
وأمام هذه الصورة ومثيلاتها من مشاهد الألم اغتيلت فرحة طلبة مدارس غزة بعامهم الدراسي الجديد بسبب الأزمة الحادة التي يعيشها طلبة القطاع فلا فصول تصلح للدراسة، والقرطاسية ولا أثر للمستلزمات الدراسية في الأسواق بسبب منع إسرائيل دخولها ووضعها على قائمة الممنوعات.
للأسف لا يوجد
مكتبة " الهاشمية" وسط مدينة غزة اكتظت بعشرات الطلاب، الذين يسألون عن القرطاسية والدفاتر، وسط صيحات التأكيد من صاحب المكتبة بغيابها وأنه لن يستطيع إلا بيع دفترين لكل طالب.
"محمود" أحد العاملين في المكتبة قال: "استطعنا توفير بعض القرطاسية بتهريبها عن طريق الأنفاق ولكنها لا تكفي الحد الأدنى من مستلزمات الطلاب.. هذا غير أنها غالية الثمن ورديئة للغاية".
وبلسان الخوف من القادم أردف قائلاً: "هذه الممارسات الإسرائيلية ستلقي بثمارها في الأيام المقبلة وسيعاني صغارنا من تدني تحصيلهم العملي وضعف مستواهم في المدرسة.. إنهم يتبعون سياسة التجهيل بحق طلابنا".
نسمة الطالبة في الأول الثانوي لم ترضخ للشح الدفاتر المستشري في غزة، فلجأت إلى دفاترها القديمة من السنوات الماضية، ومزقت كل الصفحات البيضاء منها وقامت بصنع دفاتر جديدة تعينها على الدراسة.
أما الطالب مروان فمازال الأمل يحدوه في إيجاد قرطاسية ودفاتر جديدة فلم يترك مكتبة إلا وطرق بابها لعله يجد غايته وبعد أن تورمت قدامه عاد بخفي حنين جاراً أذيال الخيبة من ورائه.
وبنبراتٍ ساخرة قال: "الحصول على دفتر في غزة بات من الأحلام صعبة التحقق، وتحتاج إلى خوض معارك وتحمل هزائم وخسارات وتعب قدمين لا يُحتمل"، واستدرك متسائلاً: " لا أدري لماذا منعت إسرائيل القرطاسية؟؟.. هل تعتقد أننا نستخدمها في صنع القنابل والصواريخ؟؟"
انتهاك التعليم
مدرسة في غزة
وفي لقاء مفتوح نظمته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بمدينة غزة، طالبت المنظمات الدولية وخصوصاً اليونيسيف واليونسكو بالضغط على "إسرائيل" لرفع الحصار المفروض على قطاع غزة والذي تسبب في انتهاك الحق في التعليم, مشددين على ضرورة وإدخال مستلزمات العملية التعليمية.
وأشار باحث الهيئة محمد سرور إلى أن النقص الحاد في مستلزمات التعليم من كتب مدرسية ومختبرات علمية وحاجات الطلبة من المواد القرطاسية والمواد التعليمة مس بشكل مباشر في الحق بالتعليم "مما أضاف تعقيدات لواقع العملية التربوية والتعليمية، وترك أثراً سلبياً على دافعية الطلبة وتحصيلهم الدراسي بشكل ملحوظ".
من جانبه، ذكر مدير مركز المناهج بوزارة التربية والتعليم في غزة خليل حماد أن 937 طالباً وطالبة من الأطفال في المدارس والكليات تحت سن 189 عاماً استشهدوا، منهم 312 طالباً وطالبة استشهدوا إما في مدارسهم أو أثناء توجههم إليها أو الخروج منها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى".
ولفت إلى أن 2732 طالب وطالبة من مختلف مراحل التعليم قد علقوا في القطاع وأضحوا غير قادرين على الالتحاق بمؤسساتهم التعليمية في الخارج.
ونوه إلى أنهم باتوا يعانون من صعوبة الاتصال بجامعاتهم من أجل توفير أجواء بديلة لتساعدهم على الالتحاق بهذه الجامعات، ومن بينهم 722 طالباً وطالبة في مراحل التعليم العالي المختلفة.
نقص حاد
وبين أن هناك نقص حاد في عدد من المدارس نتيجة منع الاحتلال دخول مواد البناء، مؤكداً أن الوزارة تحتاج إلى 20 مدرسة سنوياً لتستوعب الزيادة الطبيعية في عدد الطلبة الذين باتوا يتناوبون على مدارسهم من خلال نظام التعليم بفترتين في ظل اكتظاظ الفصول الدراسية.
ولفت إلى أن الانتهاك الأبرز تمثل في أزمة إدخال الكتب والقرطاسية والمواد التعليمية والتي تهدد المسيرة التعليمية بشكل جدي وصارخ جراء إغلاق معابر القطاع.
وكـانت منظمة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش" قد طالبت مؤخراً إسرائيل برفع فوري للقيود التي تحرم تلاميذ غزة من الكتب واحتياجات المدارس الأساسية مثل الأوراق والأقلام.
وقالت المنظمة في بيانٍ لها إن تشدد إسرائيل في منعها الواردات إلى غزة من مختلف السلع الأساسية أدى إلى عجز بالغ تمثل في عدم قدرة التلاميذ على الحصول على احتياجاتهم الدراسية مع بدء العام الدراسي منذ أكثر من شهر واضطرارهم للمشاركة في الكتب الدراسية بعضهم مع بعض، أو أن يدور الكتاب الواحد على أكثر من طالب.
وأشارت المنظمة أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة وطبقاً للأمم المتحدة، أدت إلى تدمير 18 مدرسة من مدارس قطاع غزة البالغ عددها 641 مدرسة، وتسببت بالضرر لـ" 280 مدرسة أخرى لم تخضع للصيانة أو إعادة البناء وقد نقل 15 ألف تلميذ تضررت مدارسهم أثناء الحرب إلى مدارس أخرى.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=74674
